الرئيسية / مقالات / ثورتان مضادتان ومتضادتان

ثورتان مضادتان ومتضادتان

الرابط المختصر:

د. أحمد جميل عزم – الغد الأردنية

أحمد جميل عزم

في حيثيات القرار الأخير الصادر عن محكمة الأمور المستعجلة المصرية بحق حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، عبارة غامضة تقول: “إن هذه الأحداث مشابهة للأحداث التي وقعت في 28 يناير 2011، والتي أطلق عليها جمعة الغضب، حيث تم رصد اتصال أكثر من 40 مكالمة للدعوة للقصاص من رئيس الجمهورية”. وقد جاءت العبارة من دون سياق يوضحها، وتبدو دليلا على “ثورة مضادة”. على أنّه في السياق ذاته، من المهم أيضاً أن نتأمل في المشهد الراهن، بأنّه عدا ثورة الأنظمة القديمة انتقاماً لنفسها من “الربيع العربي”، فإنّ هناك ثورة مضادة كذلك من اتجاهات سلفية وعنفية على غرار ما يسمى “داعش”، وإن تضادت هذه مع الأنظمة القديمة أيضاً.
في عقب انتصار ثورة يناير المصرية، أذكر أننا كنّا مجموعة من الباحثين نجلس في اجتماع لتحديد كيف سنقوم بتطوير أجندة بحثية تفهم ما حصل وسيحصل. وأذكر أني تبنيتُ وجهة نظر لم أكن أؤمن بها تماماً، ولكن كان لا بد من أن يتبناها أحد ويطرحها للتفكير، وهي أنّه “بعد ستة أشهر، ربما نتحدث عن ثورة مضادة في مصر”. وقتها، نظر إليّ الباحثون الشبان على وجه الخصوص، برفض، وابتسموا أنّ هذا مستحيل. كان تخيل عودة النظام القديم مستبعداً جداً، وكان الشعور أنّ هناك قوى اجتماعية وسياسية جديدة تبرز للساحة، وأنّه حتى الإخوان المسلمون وإن تمكنوا من الالتحاق بالثورة، فمن الواضح أنّه توجد قوى أخرى تسبقهم في تحريك الشارع. وحتى شباب الإخوان المسلمين، فإنّهم في كثير من الأحيان يسبقون قياداتهم، وينسقون مع باقي القطاعات الشبابية.
إذا ما قام أحدٌ بالبحث عن قرار المحكمة المصرية سالف الذكر، فسيجد من وسائل الإعلام المصرية من حذف عبارة “حيث تم رصد اتصال أكثر من 40 مكالمة للدعوة للقصاص من رئيس الجمهورية”، وهناك من أضاف عبارة “رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي”، مع أنّ السيسي لم يكن رئيساً في العام 2011. ويبدو أنّ المحكمة أيضاَ تستعجل في صياغة قراراتها فخرجت مربكة. وبغض النظر عن ملابسات هذه العبارة، فهي تتحدث عن الخشية من تكرار شيء حدث ضد نظام محمد حسني مبارك، وتسميه برئيس الجمهورية، وتعتبر ما حدث حينها خرقاً للقانون. وهذا تجسيدٌ لفكرة الثورة المضادة.
في المقابل، كان الاعتقاد أنّ الشبان العرب تمكنوا من الخروج من هيمنة البنى التقليدية؛ من أنظمة حكم دكتاتورية، وبطريركية أبوية، وحتى من عباءات الأحزاب القديمة ومن البنى التقليدية للمجتمع، وأنّهم ماضون في التجديد والحرية. لكن الآن، بعد هذه الأعوام، نجد أنّ أحد أكثر القوى التي تحركت للدفاع عن وجودها، وكذلك للاستفادة من التغير والاضطراب الذي يرافق الثورات عادة، هي أيضاً قوى سلفية عنفيّة، تريد فرض تصور إقصائي لأي تصور آخر عن الحياة والدين سوى تصوراتها هي، بما في ذلك تصورات القوى الدينية الأخرى، بما في ذلك رؤى سلفية أخرى أيضا. ونتج عن هذا ما يسمى “داعش”.
من هنا باتت لدينا قوتان من الماضي تعملان لتدمير الحالة التي حدثت في العامين 2010 و2011. القوة الأولى، هي الأنظمة؛ سواء ما تم تغييره فعلا، أو واجه دعوات إصلاح وتغيير. والثانية، تفرعات وانشقاقات تنظيمات “القاعدة” السلفيّة. كما أنّ الإخوان المسلمين أيضاً ما يزالون يصرون على أنماط تفكيرهم السابقة.
في وقت من الأوقات، كان هناك تحالف بين الأنظمة وتيارات ترفع شعارات ويافطات إسلامية. والآن هناك تناقض بينها. وإن اتفقتا عمليّاً على رفض التغيير القائم على قوى اجتماعية تحررية برزت إبّان “الربيع العربي”، إلا أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام أنّ كثيرا ممن أيدوا أو انخرطوا مع القوى التحررية تلك، انزاحوا أثناء الصراع بين الأنظمة والقوى السلفية والإسلاموية إلى طرف من الطرفين، وخصوصاً لجهة إعادة بقايا الأنظمة القديمة بذريعة التخلص من الإخوان المسلمين وغيرهم من قوى الإسلام السياسي، موضّحين ذلك بما ثاروا لأجله من حرية، من دون قدرة على بلورة عمل منظم حقيقي يسير بالثورة حتى النهاية من دون إعادة الأنظمة السابقة. وبهذا سقطوا في أسر البنى السابقة والماضي.
قد تنهك الثورتان المضادتان القائمتان نفسيهما بصراع بينهما، فهل توجد قوة ثالثة حقاً تقود نحو الخلاص؟

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين معلوم يكتب: قمة هلسنكي ومحاولة اختراق واشنطن التحالفات الدولية

حسين معلوم هل هي مصادفة أن يأتي الاجتماع الرسمي الأول بين الرئيسين ...