الرئيسية / مدار / مقدمات التحول السلطاني في سورية

مقدمات التحول السلطاني في سورية

الرابط المختصر:

ياسين الحاج صالح – الحياة اللندنية

كيف أمكن لسورية، أولى الجمهوريات العربية، أن تنقلب إلى دولة سلطانية وراثية؟ كيف حصل أن البلد الذي قال رئيس سابق له إن سكانه موزعون بين سياسيين وزعماء وأنبياء، أن تقوم حياته السياسية على التبعية الشخصية والولاء لسلطان طاغية؟ كيف أمكن لـ»قلب العروبة النابض» أن يصير طوال ما يقارب نصف تاريخ كيانه مملكة أسدية، لم تجد ما تحمي به استمرارها غير تسليم البلاد للمحتل الإيراني وأتباعه؟ هذه أسئلة عن الحاضر والمستقبل، وليس عن الماضي وحده. التحول السلطاني يحمل في باطنه التفجر الحالي وتسليم البلاد لأجنبي عدائي، مثلما هو حُمل على مقدمات تتقصاها هذه المقالة.

في الخلفية ثلاثة أشياء في تصوري. أولها أزمة البلد الكيانية المستمرة بفعل حداثته وما تعرض له من اقتطاعات متكررة. فعدا أنه كان حاضراً على الدوام في وعي نخب السوريين أنه جرى اقتطاع استعماري لأجزاء من سورية الكبرى أو بلاد الشام، تشكلت منها دول لبنان والأردن وفلسطين، وأقيمت إسرائيل على حساب سكان الأخيرة، وذهبت أراض منها إلى تركيا الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، فقد جرى اقتطاع لواء اسكندرون لتركيا قبل الحرب العالمية الأولى، والجولان لإسرائيل إثر حرب 1967. وعاشت سورية حتى حكمها حافظ الأسد مضغوطة بين إسرائيل وتركيا، تشعر بالحصار ويتملك نخبها قلق وجودي على الكيان، الحديث والهش. سورية أشبـــه بولد تعرض في صغـــره لانتهاكات قاسية، فظلت شخصيته مضطربة، تـــتنــاوبــــها أطوار التفكك والتجبر.

الهروب من أزمة الكيان الفتي «المصطنع» عبر عن نفسه في «التوق إلى الطبيعة» في واحد من شكلين أو ثلاثة: الأول «الوطن العربي الكبير» في حدوده «الطبيعية» بين المحيط والخليج وبين جيال في الشمال والشرق وصحراء كبرى في الجنوب، وثانيهما سورية الطبيعية التي أضيفت إليها مناطق من جنوب تركيا وسيناء المصرية و… قبرص، وثالثها الأهل أو الجماعات الأهلية كأطر حياة أكثر طبيعية. السوريون فروا من سورية في كل اتجاه. وفي إحدى موجات الفرار نحو «الطبيعية» انحل الكيان السوري في وحدة سورية مصرية، لم تلبث أن بدت أكثر اصطناعاً من سورية الصغيرة. الحكم الأسدي عالج المشكلة بأن سخر الأهلي في خدمة مشروع سلطاني، «يُصعّد» من أزمة الكيان، ويشارك في السيطرة على الإقليم، ويتحكم بقاعدة الحكم المحلية.

الشيء الثاني هو حالة اللااستقرار السياسي التي ميزت سورية بين استقلالها وحتى حكم حافظ الأسد. خلال 21 عاماً شهد البلد أكثر من عشرة انقلابات عسكرية نجح معظمها، وكانت سورية طول معظم هذين العقدين موضع تجاذب دولي وإقليمي مقلقل، وفرت انقسامات النخب السياسية والعسكرية، وكثرة الزعماء والأنبياء والسياسيين، أرضية استقبال مناسبة جداً له. وخلال هذه الانقلابات اعتقل رؤساء ورؤساء وزراء وأهينوا، وأجبروا على الاستقالة. صحيح أنه قلما كانت هذه الانقلابات دموية، إلا أن البلاد لم تستقر على نسق مؤسسي وقانوني مقبول. منذ تأسست، سورية ليست دولة قائمة على «التقاليد» مثلما قد توصف، تجاوزاً، بلدان الخليج العربية، ولم تتطور فيها أيضاً قواعد حكم حديثة تقربها بقدر ما من تركيا.

في المقام الثالث، سورية بلد مركّب اجتماعياً، يفتقر إلى متن اجتماعي ثقافي. أكثريته العربية المسلمة السنية مخلخلة كثيراً، وإطار البلد الجغرافي لا يشد هذه الأكثرية إلى مركز أو فكرة جامعة. تتخلل السنيين انقسامات تحيل إلى الأصول (طوال معظم تاريخها، سورية الطبيعية إقليم جاذب لسكان متنوعين) والجهات، وما أورثته الطبيعة من استعدادات سياسية ونفسية (مثلاً: دمشق واحة موالية للحاكم عموماً خوفاً من غزوات البادية)، وتقاربات مع دول مجاورة (بحكم تواصل النسيج الاجتماعي وتقارب أنماط الحياة). وفي سورية «أقليات» وازنة تشكل بمجموعها نحو ثلث السكان، وكان تاريخ البلد المعاصر طوال ما يقارب القرن حتى اليوم في وجه منه تاريخ ظهورها وقيامها بأدوار كبيرة.

وتراكب، طوال عقدين صاخبين بين انتخاب شكري القوتلي رئيساً للبلد عام 1943 والانقلاب البعثي الأول، التخلخل الجهوي للبلد مع التمايزات الدينية والمذهبية الحاملة لنفور من المركز السلطوي القديم، وكان مدينياً ومسلماً وسنياً، وفوارق اجتماعية كبيرة بين شرائح ضيقة من كبار ملاك الأراضي وصناعيين وأصحاب أموال صاعدين، وبين جمهور واسع من المحرومين في الأرياف، تقارب أوضاع كثيرين منهم حد الفقر المدقع. وهو ما وفر بيئة مناسبة أيضاً لتراكب تطلعات التغيير الاجتماعي والسياسي المشروعة مع المطامح السياسية الحزبية والشخصية، ومع الانحيازات الجهوية والطائفية.

العهدان البعثيان بين 1963 و1970 كانا إطاراً لهذا التراكب الأخير. وضمن النخبة الجديدة ظهر الرجل الذي استند إلى تغير اجتماعي محقق، وإلى إيديولوجية وإطار سياسي يمثله ويحامي عنه، وإلى طموح سلطاني، وإلى محاباة قاعدة أهلية كانت مهمشة لقرون.

جرت تقوية كبيرة وفورية للمركز السلطوي وتزويده بأدوات جهازية فعالة، أمنية وسياسية: المخابرات والسجون و»الجبهة الوطنية التقدمية»، وجرى وضع حد للتجاذب الإقليمي للبلد ولحالة اللااستقرار السياسي. وجرت تغطية الأزمة الكيانية عبر «الدور الإقليمي لسورية»، وفحواه الفعلي العمل كمتعهد إقليمي فرعي لضبط الساحات والقوى المشاغبة، وأولها الداخل السوري نفسه، في إطار الطلب الأميركي والغربي المرتفع على الاستقرار في المنطقة. وبعد «الصراع على سورية» بدأ زمن «الأسد والصراع على الشرق الأوسط»، بحسب عنوان كتابين للمرحوم باتريك سيل، أحد مادحي حافظ الأسد الغربيين المشهورين.

واعتمدت تقوية المركز على القاعدة الأهلية العلوية، التي جرى تحويل تطلعها إلى الكرامة والاعتبار إلى رصيد لتأمين الحكم الجديد ضد أي اعتراض داخلي. بامتداداتها الإقليمية، كانت السلطانية الأسدية تركيباً بين التطلع الامبراطوري القومي العربي وتغذية تطلعات جماعة محرومة غنية بالرغبات، ثم طموح شخصي للمجد والرفعة.

وفوق الزعماء والأنبياء المتخاصمين فرض حافظ نفسه زعيماً أقوى من الجميع، سلطاناً، امتلك البلد بأهلها، قبل أن يورثها لابنه. ليس على رغم أن السوريين كانوا سياسيين وزعماء وأنبياء، سادت عليهم تنظيمات سلطانية قامعة، طوعتهم أفراداً ومجموعات وجماعات أكثر من أربعين عاماً، بل لأنهم كذلك. الخصومات الصغيرة اللامتناهية تبقي الباب مفتوحاً لمجيء كبير، يضرب الصغار ببعضهم ويؤدب بعضهم، ليسود على كلهم.

غيّر الحكم السلطاني لحافظ الأسد البيئة السياسية في سورية وحولها بعمق، مستفيداً من ضجر السوريين ومحيطهم من ثالوث مشكلات سورية ما قبل السلطانية: القلق الكياني، القلق السياسي، قلق التكوين الاجتماعي. لكن السلطانية جمدت هذا القلق الثلاثي إلى حين، وغطت على الصدوع الجهوية والاجتماعية ولم ترأبها. لقد ولدت مشكلات كبرى بالمقابل، وحين ووجهت بتهديد جدي لحكمها، سلمت البلد لقوة أجنبية عدائية. وعادت سورية بفعل ما تعرضت له من تكسر متولد عن جمود وتصلب الهياكل السلطانية، مساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، ويعود السوريون الذين عاشوا زمن السلطانية المحدثة زعماء وسياسيين وأنبياء صغاراً من جديد، وركائز محلية للتنافس الإقليمي والدولي، على استعداد ميسور للتبعية لمن هم أقوى وأكبر منهم في الداخل أو الخارج.

هناك خيار بسط لم يُضطلع به، قد يسعف في كسر التعاقب بين قلق كياني وسياسي واجتماعي شالّ، وبين سلطانية مميتة: قبول اصطناع الكيان السوري كعبء وقدر، والعمل على أن يكون إطاراً للمســـاواة والكرامــة يــــجمع سكانه المختلفين، تسوى النزاعات والمنافسات في داخله.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قمة بيروت: غياب رئاسي كبير ..ودعوة شكلية لنظام الأسد

بيروت – مدار اليوم تقدم رؤساء دول عربية عدة باعتذارات عن حضور ...