الرئيسية / مقالات / من أيقظ هذا المارد؟!

من أيقظ هذا المارد؟!

الرابط المختصر:

محمد أبو رمان – الغد الأردنية

محمد أبو رمان

يصف رضوان السيد، المفكر والمؤرخ العربي المعروف، الموجة الحالية من التوتر السُنّي-الشيعي بأنّها الثالثة في تاريخ “التوترات” الكبرى بين الطرفين. ويضيف (في كتابه المهم “العرب والإيرانيون”) بأنّ الموجة الأولى تمثّلت في الحقبة التي أطلق عليها “مرحلة التكوين” (التشكلات المذهبية والطائفية بين الاتجاهين السُنّي والشيعي وداخلهما)، وامتدت في الفترة بين القرنين الرابع إلى السابع الهجري. والثانية، هي الحقبة التي تزاوج فيها الصراع المذهبي بالسياسي، وتقع بين القرنين التاسع والحادي عشر الهجري، وتميزت ببروز العلاقة بين السلطة السياسية والمذاهب الدينية، وبدأت تجليا مع انهيار الخلافة العباسية على يد التتار في العام 651هـ.
يقدم كتاب الدكتور السيد (بخاصة الفصل الثاني منه) تحليلاً وتشريحاً ممتازين لخلفية التوترات والأزمات، وطبيعتها وتشكلاتها. ويرسم لنا المراحل التاريخية والأيديولوجية التي مرّت بها. لكن أحد أهم الآراء التي يتبنّاها رضوان السيد، وأتفق معه تماماً فيها، أنّه من الخطأ إحالة التوترات السياسية الراهنة القائمة إلى تلك التوترات التاريخية، بل ما يحدث اليوم هو نتاج أزمات راهنة، ذات أبعاد سياسية بالدرجة الأولى، تمّ خلالها استدعاء الذاكرة الصدامية والاشتباكية بين السُنّة والشيعة، من قبل الأطراف المتصارعة.
وربما المفارقة المهمة التي يذكرها السيد في كتابه، هي أنّ العالم الإسلامي دخل إلى الأزمنة الحديثة، وفي براثن الاستعمار الغربي، والجبهات الصراعية الداخلية قد خمدت وتراجعت، بل وبدت هناك حالة مهمة من التقاربات والتواصل المذهبي والجغرافي والثقافي. ويذكر مؤرخنا أمثلة عديدة على ذلك، من بينها أنّ مفجّر الثورة الإصلاحية النهضوية العربية المعاصر، هو جمال الدين الأفغاني، وهو إيراني، وكثير من الكتب والأدبيات تختلف حوله فيما إذا كان شيعياً أم سُنياً. كما أنّ محمد إقبال، الشاعر الكبير، هو رمز لدى الطرفين على السواء. وأمثلة كثيرة كذلك.
يحيل الكتاب بروز التوتر الجديد إلى ثلاثة عوامل أساسية. الأول، هو الإحياء القومي، بما يثيره من حساسيات سياسية ودينية واجتماعية. والثاني، الإحياء الديني، بدلاً من تيار الإصلاح والنهضة، وهو تيار تزامن صعوده لدى الشيعة والسُنّة على السواء. والثالث، هو السياسات الدولية تجاه المنطقة.
وعليه، فإذا أردنا، من وجهة نظري، فهم ما يحدث حالياً من انفجار الصراع الطائفي، أو “خروج” هذا المارد من القمقم؛ وإذا كان الدكتور السيد حدّد العوامل الاستراتيجية الكلية الثلاثة، فمن المهم أن نقترب أكثر من التفاصيل والواقع السياسي، لنبحث عن الأسباب التي صعّدت من هذا التوتر الجديد. وهي بالضرورة ترتبط اليوم بالنفوذ الإيراني الجديد باستخدام الورقة المذهبية، والحرب الباردة بين طهران والرياض، ودخول تركيا على الخط. ويعزز ذلك كله الفراغ الاستراتيجي العربي الراهن، الذي أضعف من موقف السُنّة في العراق وسورية ولبنان، وأغرى إيران بالهيمنة والتمدد، مقابل تخبط السياسات العربية.
لكن في الأثناء، من الضروري أن نطرح تساؤلات أكثر جرأة وصراحة؛ تتجاوز ديناميكية الصراع الراهن إلى أسبابه وشروطه. ولعل هذا يدفع إلى مراجعة مسألتين في غاية الأهمية: الأولى، لماذا نظرت الدول العربية إلى إيران، ابتداءً، بوصفها عدواً وخصماً، بدلاً من أن تكون شريكاً في بناء الأمن الإقليمي والتفاهم؟ والثانية، لماذا خسرنا الشيعة العرب ودفعناهم دفعاً إلى إيران، بالرغم من أنّ خياراتهم الوطنية والقومية لم تكن أقل في مراحل سابقة من خيارات السُنّة؟!
مرّة أخرى، لو كانت هناك ديمقراطية وتعددية سياسية وثقافية، وتداول للسلطة وثقافات منفتحة، وأنظمة قانون وعدالة نزيهة، ومنظومات مجتمع مدني متقدمة، لاختلفت المعادلات تماماً، ولما وصلنا إلى مشهد يقتل فيه المواطنون بعضهم بعضاً بسكين المذهب والطائفة، وفي خلفية ذلك مصالح سياسية هي المحرّك الأساس لكل ذلك!

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...