الرئيسية / مقالات / عودة إلى أصل الصراع

عودة إلى أصل الصراع

الرابط المختصر:

د. محمد السعيد ادريس – الخليج الإماراتية

د. محمد السعيد إدريس

كثيرون مجمعون على أن نتائج الانتخابات التشريعية “الإسرائيلية” التي جرت يوم الثلاثاء (17-3-2015) جاءت صادمة ليس فقط لكل الذين اعتمدوا في تحليلاتهم على استطلاعات الرأي العام، وقادة التحالف الصهيوني “اسحق هيرتسوغ وتسيبي ليفني” بل لتحالف الليكود نفسه ولشخص بنيامين نتنياهو، الذي كان قد وصل قبيل أيام قليلة من إجراء الانتخابات إلى درجة عالية من اليأس دفعته إلى البحث عن مبرر مسبق لخسارته المحتملة عندما أخذ يتهم المجتمع الدولي بالعمل على إسقاطه وحزبه (الليكود) ومحذراً مؤيديه من النتائج غير المضمونة للانتخابات كما تظهرها الاستطلاعات .
ما الذي حدث للناخب “الإسرائيلي” كي يحول ولاءاته إلى اليمين المتشدد ويصوت له، ويقدم له فوزاً لم يكن يحلم به، ولماذا فعل الناخب “الإسرائيلي” ذلك إلى درجة دفعت جدعون ليفي – اليساري، ليطالب في صحيفة “هآرتس” ب “تغيير الشعب”؟ فقد كتب ليفي أنه “إذا كانت السنوات الست الماضية (من حكم نتنياهو) لا تعني شيئاً، وإذا كانت تلك السنوات من نشر المخاوف والهواجس والكراهية واليأس هي فقط خيار الشعب فإن الشعب بالتالي مريض جداً، لم يكتف ليفي بذلك لكنه اختتم مقاله بالقول: “هناك شيء ما فاسد جداً في الشعب “الإسرائيلي” . . إن نتنياهو جدير بشعب “إسرائيل” وشعب “إسرائيل” جدير بنتنياهو” .
إلى هذا الحد كانت الصدمة، لكن الاكتفاء بحديث “الصدمة” لن يقدم تفسيرات علمية ومقبولة للتحول المفاجئ في اتجاهات تصويت الناخب “الإسرائيلي” لحزب نتنياهو، هناك حتماً أسباب جديرة بالاعتبار تقف وراء هذا التحول الذي لم تتوقف أصداؤه، ولن تتوقف بالطبع نتائجه لا على مستوى مستقبل الحكومة الجديدة التي سيتولى نتنياهو تشكيلها وهل ستكون حكومة تحالف اليمين المحافظ مع اليمين المتشدد، أم يمكن أن تكون تحالفاً وطنياً يضم معارضة يسار الوسط (تحالف هيرتسوغ – ليفني)، ولا على مستوى السلام والأمن والتسوية التي باتت مهددة على ضوء التصريحات التي أدلى بها نتنياهو في خطاب الفوز وقال فيه إنه “لن يسمح بقيام دولة فلسطينية” .
هناك تفسيرات متعددة لكن أبرز التفسيرات ما يتعلق بالتغيير الجوهري الذي أدخله نتنياهو على خطابه الانتخابي، وتعديله لأجندة أولويات اهتماماته، وما يتعلق بالأخطاء التي وقع فيها تحالف المعسكر الصهيوني بزعامة هيرتسوع – ليفني .
ففي الوقت الذي ركز فيه تكتل “المعسكر الصهيوني” على أولوية القضايا الاقتصادية – الاجتماعية وتردي الأوضاع المعيشية ومجمل القضايا الداخلية، وتجاهل أفق التسوية مع الفلسطينيين ومخاطر تحول “إسرائيل” إلى دولة ثنائية القومية أو إلى دولة فصل عنصري (ابارتهيد)، فإن نتنياهو الذي فوجئ بعد أيام قلائل من عودته إلى “إسرائيل” بعد خطابه في الكونغرس الأمريكي الذي تحدى به الرئيس أوباما ووظف فيه فزاعة الخطر النووي الإيراني بأعلى درجات الترويج، بخفوت أصداء هذا الخطاب وتدني درجة الحماسة الشعبية لما حققه، فإنه أسرع بإعطاء “استراتيجية الترهيب والترويع” في التعامل مع الناخب “الإسرائيلي” إزاء المخاطر التي تتهدد وجود “إسرائيل” .
لقد زرع نتنياهو “الرعب والكراهية” وما لبث أن حصد الأصوات والفوز، ولذلك يقول “ألوف بن” المحلل السياسي في صحيفة “هآرتس” إن نتنياهو انتصر لأنه عرض على ناخبيه رسالة جليّة، حادة وواضحة تقول: أنا اليمين الحقيقي، وأنا ملتزم بقيم المعسكر الوطني وعلى رأسها كراهية العرب، ومعارضة الانسحاب من المناطق (الضفة الغربية) التي احتلت عام ،1967 ويضيف إن هذا ما أراد ناخبوه أن يسمعوه، وقد أيدوه بسخاء في صناديق الاقتراع، لقد أقنعهم نتنياهو بأنه قومي متطرف لا يقل عن نفتالي بينيت . . (زعيم حزب البيت اليهودي)، وعنصري أكثر من أفيجدور ليبرمان (زعيم حزب “إسرائيل” بيتنا) .
من بين ما استخدمه نتنياهو لتأكيد تطرفه وعنصريته ضد الشعب الفلسطيني وترسيخ القناعة بأن الصراع مع الفلسطينيين هو الصراع الأصلي والوجودي بالنسبة للكيان الصهيوني، تركيزه على تحويل فلسطينيي الداخل (عرب 1948) فزاعة في خطابه الانتخابي، لترهيب جماهير اليمين بالذات، ودفعهم يوم الانتخابات للصناديق من خلال تحريك غرائزهم ومشاعرهم القومية بقوله: “إن العرب يهبّون ويتدافعون بجماهيرهم نحو الصناديق الانتخابية فهبوا لنجدة حكم اليمين” .
على العكس من ذلك كان “المعسكر الصهيوني” الذي تجاهل تماماً خطورة الاستخفاف بسياسات الهوية ومصير الدولة “الإسرائيلية” .
لقد أثبت التصويت في الانتخابات التشريعية “الإسرائيلية” مدى عنصرية وتطرف المجتمع الصهيوني، لأن هذه العنصرية هي أصل هذا الكيان ليس إلا مجرد تكتيك أو لغة دعائية لكسب الزمن لمصلحة تمكين وجود وتوسع هذا الكيان، وهذا ما تكشّف سريعاً على لسان نتنياهو عندما أعلن أنه لن يسمح بقيام دولة فلسطينية، ولن يقبل بحل الدولتين . الأصل في فكر كافة مكونات هذا الكيان من يمين ومن يسار، من مدنيين ومن عسكريين، من اشكناز (غربيين) أو شرقيين (سفارديم) هو التوحد على كافة اللاءات الصهيونية وبالذات: لا لحق اللاجئين في العودة، ولا للانسحاب إلى حدود عام ،1967 ولا لوقف الاستيطان أو الانسحاب من الكتل الاستيطانية، ولا لأي تقسيم للقدس فهي عاصمة موحدة وأبدية من وجهة نظرهم لدولة “إسرائيل”، هم لا يعرفون إلا “نعم” واحدة هي أن دولة الكيان هي “دولة للشعب اليهودي” في كل أنحاء العالم، وهي رغم أنف الجميع دولة يهودية
هل يمكن التساؤل مجدداً وسط هذا كله عن مستقبل السلام أو مستقبل لتسوية وفق القرارات الدولية؟
إن الإجابة عن مثل هذا السؤال يمكن أن تكون بطرح سؤال آخر هو: ما الذي يدفع الحكومة “الإسرائيلية” إلى قبول تسوية مع العرب تتيح الفرصة مجدداً للتعامل مع مقترح حل الدولتين؟
المجتمع الدولي لم يعد من أولوياته التورط في هذا الصراع التاريخي، لأنه بات مشغولاً بالصراعات المتجددة في العالم .
أما الدول العربية فلا يسمح حالها بأن تقود صراعاً ضد الكيان، وأقصى ما يمكن عمله هو الانصات بإمعان لما ورد على لسان ليبرمان الذي دعا إلى تسوية إقليمية مع بعض الدول العربية التي ليست لها مشكلات مع “إسرائيل” يمكن من خلالها إيجاد حل للقضية الفلسطينية .
واقع مؤلم يفرض علينا العودة إلى أصل الصراع كونه صراعاً وجودياً، هم في الكيان أرادوه كذلك، وعلى من يريد الحل أن يقبله هو الآخر على هذا النحو .

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...