الرئيسية / تحقيقات / السوريون في الأردن: هروب من الموت لغربة تلف جنباتها المعاناة والمأساة

السوريون في الأردن: هروب من الموت لغربة تلف جنباتها المعاناة والمأساة

الرابط المختصر:

مدار اليوم – غولاي ظاظا

للوجود السوري في الأردن تاريخ قديم، فالسوريون جزء من مكونات المجتمع الأردني، حيث أن هناك عائلات شامية معروفة في تلك البلاد، كما أن الأحداث التي جرت بين النظام والإخوان المسلمين في بداية الثمانينات أدت إلى قدوم أعداد لا بأس بها من الإخوان وعائلاتهم.

ومع بدء الثورة السورية قبل أربعة أعوام، وتحولها تدريجياً من مراحلها السلمية إلى أزمة،  ومن ثم حرب دائرة، انتشر اللاجئون السوريون في العديد من الدول المجاورة .

لاجئون من جميع المدن السورية التقوا في المنافي القريبة والبعيدة، عانوا خلالها مشاكل جمّة، دون قوننة واضحة من قبل الدول التي استقبلتهم، لايعرفون ما هو مفروضٌ عليهم من واجبات، وما لهم من حقوق، يعيشون في أطر ضيقة، بدون قانون طبابة أو عمل، أو حتى قيد مسجل، ولا حتى كأي وافد أجنبي غريب في تلك البلاد، فكل سوري، مهما كانت ظروف إقامته في تلك الدول، يبقى لاجئاً.

تقيّد اللاجئ السوري في “الأردن” قوانين عدة ، مثل عدم شمولهم بالتأمين الصحي  المجاني، لا سيما  بعد تراجع “مفوضية الأمم المتحدة”عن تقديم المساعدات الطبية للسوريين هناك، بالإضافة لمنع السلطات الأردنية عمل السوريين، وعدم القدرة على العودة  للمملكة في حال مغادرتها، إلا في حالات وشروط خاصة، لا تستطيع غالبية السوريين الحصول عليها.

ويرى البعض أن السوري ليس استثناء في معاناته، قياساً بظروف ذلك البلد فالحياة ليست مريحة بالنسبة للأردني أيضاً، بسبب قلة الفرص والوضع المعيشي الذي يزداد صعوبة، مما يدفع فئات من الشباب للهجرة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

 “من لا يملك المال يفقد الحياة والعلاج”

لا يوجد قانون طبابة مجاني في الأردن، هناك تأمين صحي حكومي للفئات الأقل حظاً، في البداية كانت الأمم المتحدة تدفع كلفة علاج السوري للحكومة الأردنية، إلا أنها توقفت عن المساهمة في الدفع، مما دفع الحكومة الأردنية للتعامل مع اللاجئ السوري تعاملها مع المواطن الأردني غير المؤمن صحياً.

يقف محمد ابن العشرين ربيعاً حاملاً معه وجعه نتيجة إصابة والدته المسنة بذاك المرض الخبيث، يقول محمد “مفوضية اللاجئيين التي كانت تساهم بنسبة 70 في المئة من العلاج، توقفت عن إمدادنا بالأدوية، لذلك  قمنا بمحاولة الحصول على إعفاء من الديوان الملكي الأردني، قدمنا كافة الدلائل لإثبات المرض إلا أن الطلب أتى بالرفض ومن دون ذكر أي سبب”.
ويضيف محمد “في المقابل، لا نستطيع أن نوجه الاتهامات للديوان الملكي بعد رفضه تقديم العلاج أو المساهمة به، لأن الديوان الملكي وبحسب تقارير وتصاريح عدة لا يوافق على جميع طلبات الإعفاء التي تأتي من الأردنيين أيضاً”.

يرافق ذلك ارتفاع كلفة الأدوية والعلاج، حيث تقول ولاء خرمندة التي تعمل في المجال الإعلامي “في أحد الأيام قمت بدفع مايقارب 20 دينارأ للحصول على علاج هدفه فقط التقليل من الأعراض الجانبية للمرض الذي ألمّ بي، ولأنني لا أملك تأميناً صحياً،  أدى ذلك إلى تضاعف التكاليف، فضلاً عن أن معظم الأدوية مستوردة، على عكس سوريا”.
إلا أن السوريين الذين يعانون من أمراض مزمنة، وبعد فقدان الأمل بالمفوضية وعدم القدرة على تحمل النفقات، يتجهون إلى مساعدات من متبرعين بشكل فردي أو منظمات صغيرة معظمها سورية، بحسب ولاء.

منار الذي يقضي طيلة يومه في العمل المسرحي وتقديم الخدمات الإغاثية بكافة مجالاتها يقول إن “الفرق التطوعية، تعمل ليل نهار من أجل الحصول على التبرعات لتقديم العلاج اللازم للمرضى”.


“البطالة ومعوقات العمل للسوريين”

تصل نسبة البطالة في الأردن  إلى  30 % حسب إحصائيات منظمة العمل الدولية، مما يقلل من قدرة سوق العمل الأردني على استيعاب قادمين جدد، إلا أن ذلك لا يمنع  الحكومة من غض النظر عن عمل السوريين بحسب كثيرين، مما يسبب تذمراً من أردنيين يشتكون  تأثر فرص عملهم.

يحتاج السوريون إلى  “تصريح عمل”، يكلف مبلغاً باهظاً، حيث يتوجب على السوري دفع 450 دينارا، في حال أراد العمل بشكل قانوني، ما يؤدي إلى بطالة الكثير من السوريين، وفي حال عمله لا يتجاوز راتبه الشهري 250 ديناراً، بحسب “منار” الذي يقول، بأنه حتى لو فكر السوري أخذ “ورقة عمل” سيبقى فترة طويلة يعمل في سبيل الحصول عليها، خاصة وأن الموافقة على طلب العمل لا تعطى بسهولة، يوازيها معاناة الأطباء والمهندسين والمحامين، الذي يمنع عليهم مزاولة مهنتهم في المملكة.

فالمحامي والناشط الحقوقي عاصم الزعبي يذكر لـ”مدار اليوم”،  أنه لا يستطيع ممارسة مهنته في المجال القانوني”مضيفاً أن ” رابطة المحاميين الأحرار التي تشكلت في مدينة غازي عنتاب التركية عام 2013، تجري حالياً اتصالات مع الدول التي تحتضن السوريين، لوضع أطر قانونية، يستطيع من خلالها المحامي أن يمارس مهنته وتقديم المساعدة القانونية للسوريين “.

من جهة أخرى، وبحسب مواطنين أردنيين “مهن الطب والهندسة والمحاماة مشروطة بالانتساب للنقابات المهنية التي لا تقبل غير الأردني، ما يعني أنه  حتى الأردني غير قادر على العمل فيها لو لم يكن منتسباً”.

ويرجح الموقف الحالي أن الوضع الاقتصادي في الأردن، وتزايد عدد اللاجئين السوريين، قد يدفع الحكومة الأردنية لاتخاذ قرارات أليمة غير قانونية بما يخص السوريون هناك، بحسب منار، الذي يرى أن السوري الذي يعمل بطرق غير شرعية يكون مضطراً للعيش، إلا أن كل من لا يعمل بشكل نظامي، وفي حال علمت الحكومة الأردنية، تقوم بتوقيعه على تعهد خطي لمرة واحدة، وفي حال التكرار يتم ترحيله إلى “مخيم الزعتري”، أما في حال التكرار لمرة ثالثة يتم ترحيله من البلاد.

لكن ولاء تقول” إنه لا يمكن توجيه اللوم الكبير على الأردن وحكومتها، حيث يعاني السوري في كل دول الجوار، من مشكلات وتعقيدات ولجوء قسري، سببه الأساسي هو النظام السوري، الذي لا يكتفي  بقتل وتهجير الناس.

فمن ناحيتها تتفنن السفارة السورية في التضييق على اللاجئين السوريين، بدلا من خدمتهم ولا تنكر “ولاء” أن طبيعة الحياة في الأردن صعبة، حيث يتشارك السوري مع الأردني في صعوبة تكاليف الحياة، وقلة الرواتب.

“السوريون يفقدون الحماية القانونية في الأردن”

فقدان السوري للحماية تنغص وجوده وإقامته في الأردن، فلا يوجد من يقف معه، وفي طبيعة الحال الظروف تقف دوماً ضده، ما يؤثر على حالة السوريين النفسية، ويبقيهم أسرى الخوف الدائم.

في حالة ولاء التي لا تستطيع الزواج في الأردن، تقول “كي أتزوج أنا بحاجة لعقد زواج، من ولي الأمر، وبسبب وجودي في دمشق طيلة حياتي، ووالدي في حلب، أعتبره بحكم المفقود، نتيجة غياب وسائل التواصل بينا، ولا يوجد أحد من الأقارب هنا في الأردن، هذا فضلاً عن أن الأوراق المطلوبة إذا استصدرتها من سوريا، بحاجة لتصديق من السفارة السورية في الأردن، وهو أمرٌ مستحيل !”.

الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء الحر المستقل ومدير الخدمات المركزية بالأمانة العامة للحكومة المؤقتة “ابراهيم حسين” يقول لـ “مدار اليوم” “إن وزارة العدل في الحكومة المؤقتة غير قادرة على فعل شيء للسوريين المقيمين في الأردن، وعدم حصولها على اعتراف الأردن القانوني يمنعها من تقديم الوثائق اللازمة للسوريين، لتثبيت واقعات الأحوال الشخصية، بالإضافة للعجز المالي وصعوبة الحصول على الموافقات اللازمة، التي لم تمكن الوزارة من فتح مكتب استشاري يعين السوريين في الأردن، أسوة بمكتبها في لبنان.

حسين يشير إلى أن “الوزارة تقدم فقط خدماتها في مجال التوثيق المدني بالمناطق المحررة، وتعمل على إنجاز مشروع السجل المدني فيها وبالتالي هي فقط قادرة على مساعدة السوريين المقيمين في الداخل، وإضافة لكل ذلك، يعتبر “حسين” أن الأردن لديه قوانينه الخاصة وهذه القوانين، تحدد الآليات التي يتم بموجبها انجاز معاملات الزواج والطلاق والولادة والوفاة “.

وعن حالة والدة محمد، يقول إبراهيم حسين، “أنه لاعلاقة لوزارة العدل بالقطاع الصحي، لكنها من حيث المبدأ وفي كل اللقاءات التي تمت مع المنظمات الدولية، كانت تحض هذه المنظمات لمد يد العون للسوريين في كل مكان، وتضع ممثلي هذه المنظمات في صورة الأوضاع الكارثية التي يمر بها الشعب السوري”.
وإذا تعرض السوري للأذى في الأردن، يجيب المحامي عاصم الزعبي “أن هناك عدة طرق على السوري القيام بها عند تعرضه لأي نوع من المشكلات، فبإمكان السوري اللجوء إلى الشرطة والسلطات المختصة للأمن العام الأردني، أو بإمكانه أن يختار المفوضية لشؤون اللاجئيين للتبيلغ عن المشكلة لربما يقدمون له نوعا من الحل والمساعدة”.

القاضي ابراهيم حسين يضيف أنه ” بالنسبة لمركز العدل القانوني ومنظمة العون القانوني في الأردن هما جهتان أردنيتان ولا علاقة لوزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة بهما. لكن حسين يعتبر أنهما يعملان بشكل جيد ويقدمان خدمات مشكورة لكل من يحتاج للمعونة القانونية على الأراضي الأردنية ويعتقد أن هناك تعاون بين المحامين السوريين المقيمين في الأردن وبين هاتين المنظمتين.

“البحث في ثبوتية الأوراق ومعوقات الخروج والعودة الى المملكة”

تقيد الحكومة الأردنية تنقل السوريين، من خلال منعهم من الدخول لبعض المناطق الحدودية، حيث تتحدث ولاء ” عن صديقتها المهندسة، قائلة إن الشركة التي تعمل بها صديقتها بعمان، فرضت عليها إجراء بعض الأعمال في مدينة العقبة الأردنية، إلا أن حاجز الأمن لم يسمح لها الدخول، الأمر الذي كان عقبة أمام استمرار عملها. و تتابع ولاء ” أن أصحاب العمل دائما يفضلون مصالح أعمالهم على تفهم وضع الموظفين ولا لوم عليهم بالتأكيد”.

كلام ولاء يؤكده محمد قائلاً: “لا يوجد أي قانون في الأردن يمنعك من الخروج والسفر إلى مكان أخر، لكن في حال كنت تريد العودة إليه الأمر معقد جداً، حيث تفرض عليك الحكومة الأردنية التوجه إلى وزارة الداخلية للحصول على بطاقة خروج وعودة قد تستغرق مدة الحصول عليها ما يقارب عشر أيام”.

منار يضيف قائلاً: “إن السوري الذي يملك إقامة في الخليج أو في أي بلد أوربي ، والمستثمر وأيضاً الطالب، ومن حالفه الحظ وكانت والدته أردنية الأصل بإمكانه العودة إلى الأردن”.

الأردن ليس بلد عمل، جزء كبير من اقتصاده يقوم على المساعدات والهبات الخارجية، أو الاستثمارات الخليجية، والمواطن فيه يعاني من قلة الإمكانيات، وحين يتعلق الأمر بالسوري تتضاعف المعاناة، السوري ملاحق من قبل سفارته، والمعارضة لم تشكل بديلاً يمكن الاعتماد عليه في أي شئ، ولا يخلو الأمر من حسابات أمنية، من يضمن أن السوري ليس من القاعدة أو داعش أو اختراق للنظام!!، كما أن الشارع الأردني منقسم بين النظام السوري والمعارضة، الأمر الذي تضعه الحكومة الأردنية بعين الاعتبار.

لكن مأساة السوريين لا تشمل الأردن فقط، ففي كل بلد يعيش فيه السوريون يعانون من مشكلة ثبوتية الإقامة والأوراق، ينتظرون بين الفينة والأخرى قوانين الدولة التي يمكثون فيها بحقهم، دون وجود وسيط من المعارضة السياسية يفرحهم بقرار يساعد السوريين، الذين كتب عليهم الشتات، ولصقت صفة اللجوء المؤقت بهم، لأن الدائم على الأقل يكون له حقوقاً في البلد التي يعيش فيها. فلا حقوق عمل ولا طبابة ولا إثبات أوراق ولا استطاعة سفر، فإلى متى!؟

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...