الرئيسية / مقالات / عندما تبحث طهران عن “المكانة”

عندما تبحث طهران عن “المكانة”

الرابط المختصر:

رغيد الصلح – الخليج الاماراتية

رغيد الصلح

تحتل مسألة البحث عن المكانة في أبحاث السياسة الدولية أهمية يصعب تجاهلها . وفي معرض الحديث عن هذه المسألة، يرجع الكثيرون إلى أمثلة عدة أغلبها مستمد من تاريخ دول آسيا وإفريقيا والدول النامية بصورة خاصة التي تهمها المكانة أكثر مما تهتم بالمصالح الحيوية للشعوب والأمم ومتطلباتها . ولكن دان هالفورسون أستاذ الدراسات الآسيوية في جامعة غريفيث الأسترالية، يقول إن البحث عن المكانة هو عامل مهم في تحديد السياسات الخارجية لجميع الدول، ويعطي مثلين عن السياسة التي اتبعتها بريطانيا خلال القرن التاسع عشر عندما احتلت مصر عام ،1882 إذ كانت عندها تبحث عن المكانة، فضلاً عن رغبتها في ضمان سلامة الطرق بين الهند وبريطانيا، أما المثل الآخر فهو التدخل الأمريكي في فيتنام خلال منتصف الستينات . ولعله بالإمكان إضافة مثل آخر مستمد أيضاً من التاريخ الأوروبي، وهو حرب الفولكلاند، حيث أعادت بريطانيا توكيد سيطرتها على هذه الجزر التي تبعد عن أراضيها آلاف الأميال والتي لم تكن ذات أهمية استراتيجية واقتصادية مثل مصر، ولم يزد عدد سكانها على الألفين .
تنقسم الدول الباحثة عن المكانة، من حيث الحوافز التي تدفعها إلى اتباع هذه السياسة، إلى نوعين: الأول، هو الدول التي تسعى إلى تعزيز مكانتها المعنوية عن طريق تنمية طاقاتها الاقتصادية والثقافية والإبداعية وريادتها في مجالات العلم وتوطيد علاقاتها الدولية . وتقدم سنغافورة، صواب بعض الانتقادات التي وجهت إلى حاكمها الراحل لي كوان يو، مثالاً على هذا النوع من الدول . النوع الثاني، هو الدول التي تسعى إلى استخدام القوة بغرض تعزيز مقامها ودورها الدوليين . وتقدم التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط نموذجاً على هذا النوع الأخير من الدول يتمثل في إيران وفي السياسة التي تتبعها . إن الحوافز التي تدفع دولة صغيرة مثل سنغافورة من حيث المساحة وعدد السكان وتنوعهم الإثني والديني إلى البحث عن المكانة الدولية هي حوافز مشروعة وعقلانية . فهذه الجزيرة التي لا تزيد مساحتها على السبعمئة كلم مربع تسعى إلى اقتناء وتعبئة كل أسباب وعوامل القوة والدفاع عن النفس عبر تطبيق سياسة الدفاع الوطني الشامل، ما يعزز مناعتها، ولكن العامل الاعتباري هو الأساس في توفير الحماية الأمنية لها، ما يزكي الحاجة إلى اتباعها سياسة دولية وإقليمية راشدة تحظى بالاحترام وتشكل سياج أمنها واستقرارها . بالمقارنة، ما هي الحوافز التي تدفع بلداً مثل إيران إلى البحث عن المكانة؟ بالإمكان العودة إلى عاملين رئيسيين لتفسير ظاهرة تفتيش عن إيران عن المكانة الدولية ولو عن طريق العنف:
* العامل الأول، هو عامل الخسائر في الحروب التاريخية ومشاعر المهانة التي تزرعها هذه الحروب والفصول التاريخية في نفوس فريق من المواطنين وعبر السنوات الطويلة . وفي هذا السياق فإنه من المستطاع الربط، مثلاً، بين شعور الإذلال الذي أصاب الألمان بعد الحرب العالمية الأولى وخسارتهم الحرب أمام عدوهم التاريخي الفرنسي، هذا من جهة، وصعود الحزب النازي في ألمانيا، وسعي ألمانيا النازية إلى امتلاك الأسلحة المتطورة، وبسط السيطرة على القارة، ومن ثم على النظام الدولي من جهة أخرى .
كذلك من المستطاع الربط بين المعارك الحربية بين الصين والهند خلال الستينات، حيث تفوقت الصين على الهند وقدم الهنود تنازلات إلى الصين . ولعله بالإمكان العثور على صلة قوية بين نتائج هذه المعارك، وتراجع حزب المؤتمر الهندي الذي تمسك بسياسة السلام القاري والعالمي، وصعود حزب “جاناتا” المتطرف الذي كان وراء ارتكاب المجازر الدينية . ونستطيع أن نشير إلى مثال آخر على العلاقة بين مشاعر المهانة والإذلال متمثل بعلاقات الهند – بالباكستان، حيث انتصرت الأولى على الأخيرة، وساعدت بنغلادش على الانفصال عن الباكستان، فكانت هذه المشاعر عاملاً مهماً في دفع الباكستان إلى التسلح النووي .
كما تدل هذه الأمثلة على الصلة بين الخسائر التي تعرضت لها بعض الدول في الحروب والمواجهات التاريخية الكبرى، وسعي هذه الدول إلى اكتساب مكانة متميزة في التراتبية الدولية وإلى بناء الأدوات العسكرية الكفيلة بتحقيق هذه الغاية . ويمكن للمرء أن يلمس صلة من هذا النوع في تاريخ إيران القديم والحديث، وردود فعل من النمط نفسه أيضاً . فسقوط الإمبراطورية الفارسية وصعود الدولة العربية على أنقاضها يبقى عاملاً يؤثر في العلاقات العربية – الإيرانية . كذلك كان لنتائج حرب العراق – إيران، حيث لم تتمكن طهران من إسقاط النظام السياسي في العراق، الأثر البعيد في القيادة الإيرانية، وفي تطلعها إلى احتلال المقام الأول في النظام الإقليمي الموسع الذي يضمها مع الدول العربية وتركيا .
* العامل الثاني، هو الفراغ السياسي والأمني الذي يسود المنطقة العربية، والذي برزت معالمه قبل أحداث ما يسمى “الربيع العربي” . إن إغراءات فراغ القوة هذا، كحافز للهيمنة يبقى، كما قال هانز مورغينثاو، عالم السياسة الدولية في كتابه الشهير “السياسة بين الأمم: السعي إلى القوة والسلم”، خطراً كامناً على الدول الحديثة في آسيا وإفريقيا . وقد ذكر مورغينثاو في معرض تفسيره لسلوك القوى الكبرى الإمبريالية، ولكننا نستطيع أن نجد في كلامه هذا تفسيراً للقوى الإقليمية المتوسطة، مثل إيران، التي تطمح إلى تعزيز مكانتها الدولية عبر التحكم في إقليم عالمي مثل المنطقة العربية .
حري بالنخبة الحاكمة في إيران أن تدرس هذه الأمثلة والوقائع بدقة، وألا تخرج منها بالاستنتاجات الخاطئة . إن بعض القادة في طهران يعبّر عن حنين صريح إلى استرجاع دور “شرطي الخليج” الذي اضطلعت به إيران إبان حكم الشاه، بل إلى تطوير هذا الدول لكي يشمل المنطقة العربية كلها . كذلك يعبر بعض المسؤولين الإيرانيين عن رغبة في تصفية الحسابات التاريخية مع العرب . وهذه الرغبات تقف وراء سياسة القوة والهيمنة التي تطبقها طهران خاصة في العراق . هذه السياسة قد تلبي بعض التطلعات الانتقامية في طهران، وقد تجرّ المنطقة إلى المزيد من الحروب والمعارك فتلحق الأذى والضرر الكبير بمجتمعات عربية، وقد تخفض من مكانة العرب بين الأمم والدول، ولكنه من المؤكد أنها لن تطال العرب وحدهم، بل سوف تطال الإيرانيين والعرب معاً .

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الوهاب بدرخان يكتب: إيران وقمة ترامب- كيم

عبد الوهاب بدرخان لابدّ أن يُحسَب للرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي كسرهما ...