الرئيسية / قضايا و آراء / إيران الفارسية والأخرى الشيعية

إيران الفارسية والأخرى الشيعية

الرابط المختصر:

مدار اليوم – حسين العودات

لم ير الفرس بالعرب أصدقاءً أو جيراناً وتناسوا أنهم عاشوا معهم تاريخاً مشتركاً وكان لهم ثقافة مشتركة، وبدلاً من ذلك كانوا وما زالوا  يرونهم أعداءً لهم منطلقين من ثارات قديمة عديدة بدأت في هزيمتهم في القادسية وامتدت حتى اليوم، حيث أسقط العرب الإمبراطورية الفارسية التي كانت عند الفتح العربي الإسلامي واحدة من أهم إمبراطوريتين في العالم القديم ، وأدى سقوطها إلى فقدان الفرس استقلالهم عدة قرون واضطرارهم للعيش تحت النفوذ العربي والهيمنة العربية، كما أدى إلى تفكك اللغة الفارسية وهزيمتها أمام اللغة العربية واستعانتها بألفاظها ونحوها وصرفها.

كما أدى هذا السقوط إلى تلاشي الديانة الزرداشتية التي كان الفرس يفخرون بها، وعلى ذلك حلت كارثة بالفرس من أصعب الكوارث التي واجهوها في تاريخهم حيث تفوقت بسلبياتها على هزائمهم أمام اليونان والرومان والبيزنطيين، ذلك لأن هزائمهم تلك كانت كراً وفراً. إذ كانوا ينهضون بعد كل هزيمة ويتوسعون من جديد، وقد مرت بعض المراحل كان فيها الفرس يهيمنون على غرب آسيا وبعض جنوب أوروبة (اليونان) وبعض شمال أفريقيا (مصر) ولكنهم بعد هزيمتهم أمام العرب لم تقم لإمبراطوريتهم قائمة، وكانوا يستغلون ظروف ضعف الإمبراطورية العربية أو تفاقم الخلافات الداخلية فيها ليقوموا بثورات في بعض البلدان أو ليتآمروا في السر على الإمبراطورية من خلال دخولهم في صراع أهل السلطة، وحاولوا مراراً استغلال التشيع لتحويل الإسلام إلى إسلام فارسي باستخدام المذهب الشيعي. وفي الحالات كلها خسر الفرس خسائر هائلة بسبب الاحتلال العربي.

هذا في العصر القديم، إلا أن الظروف في العصر الوسيط أصبحت مختلفة، فقد تعاون العرب والفرس والترك أيضاً في نشر الإسلام في آسيا وصولاً إلى شرقها، وكرسوا حضارة مشتركة وثقافة مشتركة إضافة إلى نشر الدين الإسلامي، وزاد هذا في بناء ثقافتهم وتمكين علاقاتهم الاجتماعية، إلى أن جاء الصفويون في مطلع القرن السادس عشر وتبنوا مسيرة قومية فارسية متطرفة تعتمد على التشيع أسلوباً للهيمنة، وألزموا سكان إيران وكانت أكثريتهم الساحقة من السنة بالتحول إلى المذهب الشيعي، كما فعلوا الأمر نفسه بسكان العراق السنة، ومنذ ذلك الوقت ظهر عاملان هامان مازالا يؤثران جدياً في العلاقات العربية الفارسية حتى الآن وهما: التعصب الفارسي أولاً واستخدام التشيع في السياسة ثانياً، وفي ضوء ذلك اضطهد الفرس الأقليات القومية غير الفارسية في إيران ، كما ناصبوا العرب العداء باعتبارهم مسؤولين عن انهيار الإمبراطورية الفارسية في القرن السابع الميلادي، وما مزاعمهم بالتمسك بالإسلام ونشره إلا نوع من أنواع الخداع (وعدة الشغل) وأسلوب للهيمنة بدليل أن الشيعة من غير الفرس داخل إيران ( كالعرب مثلاً) يواجهون اضطهاداً وضغوطاً وحرماناً وقمعاً يؤكد أن تشيع الفرس ما هو إلا وسيلة للهيمنة.

إن إيران المعتمدة على العصبية الفارسية وعلى استغلال التشيع لاضطهاد الآخر هي التي تسيء الآن للعلاقات العربية الإيرانية، وتتجاهل التاريخ المشترك والعلاقات التاريخية والثقافية المشتركة وحسن الجوار وضرورة التعاون معاً لبناء المستقبل لشعوب الطرفين وتأكيد السلام والأمن في المنطقة، وأعتقد أن العرب يرحبون بالأخوة والصداقة والتعاون مع إيران الفارسية بعيداً عن التعصب أو التطرف، على أن يتخلى الفرس عن مطامحهم الإمبراطورية ومطامعهم غير المشروعة وعن تعميق الخلافات الطائفية ، وعن إحياء النعرات بين السنة والشيعة،  لأنهم بذلك يكونون قد أسسوا تعاوناً مشتركاً سيؤدي بالضرورة إلى تنمية مجتمعات الطرفين وتحقيق أهدافهما.

يبدو لي إذن أن العرب يرحبون بإيران الجارة غير المتطرفة وبإحياء الفرس ثقافتهم وتقاليدهم ومساهمتهم في التعاون، أي أنهم يرحبون بإيران العصرية المتطورة المتسامحة، لكنهم لا يرحبون بإيران التي تستغل الطائفية رأس حربة للهيمنة ووسيلة للتفرقة وإثارة الفتن، وأن يصرح كبار مسؤوليها أنهم يهيمنون على الأرض العربية من المتوسط حتى باب المندب، ويعتبرون أنفسهم شركاء في تقرير مصير هذه البلدان، وأنهم على أبواب إقامة إمبراطورية فارسية مهيمنة، فذلك أمر مختلف وعدائي.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

منصة القاهرة تنفي تقديم ممثليها للجنة الدستورية بمعزل عن هيئة التفاوض

القاهرة _ مدار اليوم أكدت منصة القاهرة المنبثقة في هيئة التفاوض السورية، ...