الرئيسية / ضيوف وزوار / الـتــخــلـــف … والـتــأخـٌّـــر

الـتــخــلـــف … والـتــأخـٌّـــر

الرابط المختصر:

مدار اليوم – أديب البردويل

إن حــــراك الـمـجـتمـعـــات، لا بــد أن يـكـون شـعـبـيـاً، لـكـنـه فـي الـمـجـتـمـعـات الـمـتـخـلـفـة وبـالـتـأكـيـد فـي ظـل ضـعـف أو غـيـاب الـقـيـادة الـسـيـاسـيـة لـه, لســوف نـجـانـب الـعـقـلانـيـة إن لـم نـتـوقـعـه شــعـبـويـاً، كـمـا هـو الـحـال فـي الـثـورة الـســورية. فـهـو بـطـبـيـعـة الـحـال أقــرب بـكـثـير إلـى الـحـراك الـشـعـبـوي غـــيـر الـمـُنـظَّـــم والـعــائـــم الأهـــداف والغـايــات, يـتـنـاول قـيـماً وطـنـيـة وإنـسـانـيـة تـؤطـرهـا شـعـارات ديـنـيـة، فـهـــو ابــن مـُـجـتـمـعــــات ٍ رضـخـــــت طـــويـلاً لـقـيـــود مســتـبـديــهـا، وانـعـزلـت عــن الـحـيـــاة الــدنـيـــا وشـــروط الإقــامـة فـيـــها ردحـــاً مـــذهــلاً مـــن الــــزمـن.

مـنـــذ أن وجــــدت، تـجـمـعــات أو مـجـتـمـعـــات الأرض، كــانـت ومـازالــت مـُقـــادةً، أو مـحـكـــومـة مــن قـــوتــيـن: مــاديــة وفــكـــريـّـة، عـســـكـريـّـة ومـــدنـيــّــة، وإنَّ لـهـــذه الحـكـــايـات شــــجـونٌ إنســـانـيــّــة عـمـيـقــــةٌ ومـؤلـمـة.

إنَّ الـتـخـلُّــــف، ســــوف يـكـــون مــوجوداً دائـمــا طــالـمــا هنــاك تـقــدمٌ، والـعــكــــس صــحيــح، الـصـــراع الاجتماعي الـمـُـتـعـدّد والـمـُخـتـلــف الأشــكال، مــن مجـتـمــع إلــى مـُجـتـمـــع، ومـن زمــن ٍ إلـى آخـــر، هـــو بـــاق ٍ بـقـــاء أحـــلامـنــا ورغـبــاتـنــا وغــرائـزنا، إلاّ إذا وصـلــت الأرض إلـى نـهــايــة صـــلاحـيـتهــا.

لـكــن الـتـخـلـُّــف شــيء والتــأخـــر شــيءٌ مـُـخـتـلـــف جــداً. إنَّ تـخـلـُّـــف فــرد ٍ عــن فـــرد، أو مـُجـتـمــع ٍ عـــن مـُجـتـمـــع، يـشـــترط أن يـكـــون الـمـجـتـمـعـــان يـعـيـشـــان داخـــل عـصــر واحـد، الإثـنــان قـــد تـخطَّـيـــا الـعـتـبـــة الـزمـــانـيــّــة‌ تـاريـخـيــّـاً, ويـمـتـلـــك كـلاهـمــا قـــابـلـيــّــة اللـحـــاق بـمــا هـــو أمــامـهـمـا، أو تـقـصــــيـر المـســافة الــتـي تـفـصـلـهـمـــا، الـمـُـتـقــدم والـمـُـتـخـلــف يـشـــترط وجـودهـمـا، أن يـكـــونا فـــي زمـــان ٍ واحــــد، لــذلـك ســـتـكـــون مشـــاكل الـمـتخـلــف تـتـجـسـَّـــد بـمـُـعـيـقــات مـقــدور ٍ عـلـيـها، كالاقتصادية والســيـاسـيـة والإداريـة، وهـــي يـُـمكــن تـنــاولـها بـإجراءات جـــدية فـعـَّـالة.

أمـَّـا الـفـــارق بــين الـمـُـتقـدم والـمـُـتــأخـًّــر فــارق كــبـــير، واســـع وعـمـيـــق، لأنـَّـهمـــا يـعـيـشـــان فـــي مـكـــان ٍ واحـــــد لـكـــنـهـمــا لـيـــسا فـــي/ومـــن زمــــن ٍ واحــد، وهـنـــا ســـيـكـون الـبـعــــد الـــذي يـفـصـلـهمـا بـُـعـــداً زمــانـيـّـاً، تـــاريــخـيــّــاً. الـفــــارق إذاً، فــارقٌ روحـــيٌ ومــاديٌ ، أقـــول روحـيـّـاً: عـلــى اعــتبــار أن كـُــلاً مـــن العـقــل والـفكــر والـثــقافـة والـمـعــــرفــة، يــنــتــمـــي إلـــى مـمـلـكـــة الــــروح عــنـــد الإنـســان، فـالــروح هـنــا، قـــــد أخــــذت مـفـهـــومـهـا الإنـســـانـي والــواقـعـي، أي الــمــعــــرفـــي، وارتـقـــاؤها مـشــــــروطٌ بـعــلاقـتـهـــا مــع الجـــانـب الآخـــر لـلـحـيـــاة، الـجــانــب الـمــادي، فـالـجـــانـبــان يـُـشــكـلان الــوجـــود، وإذا مــا أصـــابـهـمــا خـلـلٌ، سـيتهـدَّد ذلـك الـوجـود. وحـينـهـا ســيـتـحـوّل الـمـُشـكل إلـى إشـكال، ومـعـضـلة، أي حـضــاري، لأنـّـه إشــكالٌ وجـــودي. وهـنــا يـُـمـكـنـنــا أن نـكــون مــع الـمـُـجـتـمـعــات الـمـتـقـدّمة عـلـــى / وفـــي أرض واحـــدة ، لـكـنـنـــا لا نــعـيـــش أبــــداً زمـنـــاً واحــــداً.

لـــذلـك، إنَّ الـحـــراك الـثــــوري فـــي مـجـتـمـعــاتـنـــا الـمـُـتــأخــِّرة هـو عــودة لـلـبــدء، الـبـحـث عـن الـذات الـضـائـعـة والـتـعــرُّف عـليـهـا مـن جـديـد، كـجــــوهــر ٍلا بــدّ مـنـــه، مــن أجــل مـعـقـــولـيــّــًة وأخــــلاقـيــّـــة الـوجــود. فـالـثـورة هـنـا تـحـطـيـــمٌ لـكــل الـمـقــــولات والـمـفــاهـيــــم الـصــنــمـيــّــة الــتـي عـبـدناها، الـثــورة الســوريـّـة بالمـعـنـى العميق تـجـسـد هـذا الـعـودَ, وهـي حـفـَّـــارة الـواقـع بـغـيـة هـدم الـغـث وبـنـاء الأســــاس الإنـســـانـيٍّ الـجــديـد ٍ، إنـهـا عـودة لـلـحروف الأبـجـديـة لـفـضـح سـم الـنـصـوص والـثـقـافـات الـمـتـكـلـسـة الـتـي مـانـزال نـعـيـشـهـا فـي الـقـرن الـواحـد والـعـشـريـن.

وكـي نـكـون مـن أبـنـاء الـعـصـر لا بـد مـن صـيـرورة تـهـدم مـا نـحـن عـلـيه وتـبـنـي فـيـنـا مـا يـنـاسـب شـروط الـحـيـاة، إن مــتــطـلـبـات الـعـصـر تـحـتــــاج إلـــى كــل ســـوري، وإلـــى وعـــيٍّ يـســـــتوعــب مـُـسـتـلـزمـات الــتــقدّم، وعـــــيٍ كـــــونــي ومـُـطـــابــق، يـمـلـك قـدرة الـتـوقـعـن والـتـأهـل كـي يـسـتـطـع فـتـح بـوابـات مـجـتـمـعـه الـمـغـلـقـة، كـمــــا أكـَّــــد الـمـُـفــكــــر الـعــــربــي يـاســــين الـحــــافــــظ.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أنقرة تعزز قواتها بعد اتفاق بادلب وتحشد لتأييده بمجلس الأمن

اسطنبول – مدار اليوم أرسلت تركيا قوات خاصة إلى إدلب لتعزيز نقاط ...