الرئيسية / تحقيقات / فن التحايل على الحصار

فن التحايل على الحصار

الرابط المختصر:

مدار اليوم – مها غزال

في بعض وجوهها تنطبق مقولات من قبيل “رب ضارة نافعة” و “الحاجة أم الاختراع”، على السوريين الذين عجزت سنوات الحصار عن كسر إرادتهم، ودفعتهم في أحيان كثيرة إلى العمل والابتكار الذي حالت دونه قبضة النظام خلال سنوات حكمه التسلطي .

حرم نظام الأسد السوريين من سبل الحياة  في المدن التي فرض عليها الحصار بسبب رفضها له، وحراكها المدني السلمي ضده، مثل داريا والمعضمية ومدن وبلدات الغوطتين، بالإضافة إلى الحصار الذي فرضه على مختلف أنحاء ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزور وسواها.

لعل الماء كان السلاح الأول والأمضى بين أسلحة الحصار، قام النظام بقطع المياه والتحكم بمصادرها، وفقد سكان المدن المحاصرة القدرة على تأمين مياه الشرب والاستحمام، بالإضافة إلى مياه سقاية المزروعات التي تعتبر من الموارد الغذائية الرئيسية.

انقطاع المياه دفع أهالي المناطق المحاصرة إلى البحث عن طرق بديلة للحصول عليها، فقاموا بحفر الآبار البسيطة، إلا أن مشكلة سحب المياه من الآبار، بقيت من أبرز المشاكل التي واجهتهم، في ظل انقطاع موارد الطاقة الرئيسية من الكهرباء والمحروقات.

لم يتأخر شباب الغوطة  في البحث عن حل لهذه المعضلة، التي كادت أن تتسبب بفقدان مئات السكان لحياتهم، فقام أحد شباب الغوطة بابتكار طريقة لسحب المياه من البئر، عن طريق ربط الدراجة الهوائية بمضخة، وإستعمل هذه الدراجات للعب الأطفال حيث يلعب الطفل بدراجة التي تساعد على سحب المياه.

قد تنفع هذه الطريقة مع الاحتياجات المنزلية البسيطة يقول أبو رشيد الذي يعيش في الغوطة الشرقية، لكن الزراعة تحتاج لكميات أكبر من المياه بالإضافة إلى الحاجة لواسطة لنقل هذه المياه، مما يتطلب توفير محروقات تفتقر إليها المناطق المحاصرة وإن وجدت تباع بأسعار مرتفعة جداً.

توجهت أنظار وطاقات السوريين في المناطق المحاصرة للعمل على تأمين هذه المادة المهمة، فكان أسلوب إعادة مادة البلاستك للمواد الأولية التي صنعت منها الطريقة المثلى، حيث تحتوي المادة على كميات عالية من النفط الخام.

جهز سكان الغوطة الشرقية براميل كبيرة وضعت في حفر، ثم قاموا بجمع المخلفات البلاستيكية من أنابيب مياه وغيرها المتوفرة في الأبنية التي هدمها قصف النظام، بالإضافة إلى الأحذية القديمة، والعلب البلاستيكية وغيرها من النفايات، ليتم وضعها في البراميل وايقاد النار تحتها، وبالغلي الطويل يتحول البلاستك إلى سائل يفصل فيه النفط عن المحتويات الأخرى بطريقة التقطير، حيث يمر البخار في أنابيب تمر هي الأخرى في المياه لتبريدها ليخرج البينزين أولاً ثم المازوت.

مع نجاح هذه الطريقة في استخراج الوقود تمكن الأهالي المحاصرين من إعادة تشغيل سياراتهم ومولداتهم الكهربائية .

وبعد نجاح التجربة سعى الأهالي للاستفادة من كل المكونات الموجودة لديهم فتوجهوا لاستخراج غاز “الميثان” من النفايات العضوية، وساعدتهم هذه على العملية على أكثر من صعيد حيث خلصتهم من النفايات، وأعانتهم على الطبخ وتشغيل مضخات سحب المياه ومولدات الكهرباء، كما استعملوا بقايا النفايات في تسميد أراضيهم الزراعية  .

يقول الناشط محمد العبد لله “كثرت في الآونة الأخيرة المشاريع والاختراعات في الغوطة الشرقية, واحد منها مشروع استخراج غاز الميثان, الذي يتم استخراجه عبر حفرة فنية يتم وضع روث الأبقار وجيف الحيوانات الميتة داخلها بالإضافة إلى النفايات الخالية من المواد البلاستيكية”.

ويضيف أبو كفاح مدير أحد مشاريع استخراج الغاز “إن عملية استخراج غاز الميتان يتطلب دقة حسابية من حيث مكان العمل والمواد التي نضعها داخل الحفرة”، ويوضح  “إن بداية العمل تتطلب حفر جورة فنية مساحتها 3-8 أمتار, وعمقها متر ونصف, بعدها يتم وضع غطاء جلاتين للتمكن من حفظ المواد ومن ثم يلقي بروث الأبقار مع جيف الحيوانات الميتة والنفايات لتصبح جاهزة بعد إضافة الماء إليها وإغلاقها بصورة محكمة”.

 ويؤكد أن من أهم العوامل المساعدة على نجاح المشروع أن تكون الحفرة تحت أشعة الشمس, فتبدأ بإنتاج الغاز بعد الأسبوع الأول من بدء المشروع وتصلح لمدة تسعة أشهر، ولا ينتهي الأمر عند استخراج الغاز بل يتم بعدها استخراج هذه المواد وتنتج منها أسمدة تصلح للزراعة ثم يتم استخدام الغاز كمحرك للمولدات الكهربائية.

في ظل هذه المعاناة تعد الزراعة المصدر الرئيسي إذا لم يكن الوحيد للغذاء في المدن والبلدات المحاصرة، حيث همة الفلاح وإصراره على تخطي الصعاب لتأمين قوته وقوت أبنائه، لا سيما وإن المزارعين في غوطة دمشق، أو في الريف الدمشقي أو الرستن أو سواهم من المناطق المحاصرة، لا يعرفون إن كانوا سيأكلون من محاصيلهم في ظل الموت الذي يتربص بهم.

سيدة دمشقية تعيش في الغوطة الشرقية تقول إن الملفوف أصبح البديل الأساسي عن الخبز المفقود، كما أن مكونات الأطعمة تغيرت كلياً فبات الطعام من الموجود، من السبانخ والعكوب والملفوف والبقدونس واليقطين والخضراوات القليلة المتوفرة، مشيرة إلى فقدان الكثير منها مثل البندورة والبصل والليمون وسواها الذي أصبح من الكماليات في هذه المناطق.

لم يأت أحد على ذكر أي من الفواكه أو السمن أو الزيت فقد أصبحت هذه المواد مثل الشكولاتة والبسكويت في عداد المنسية، خاصة في ظل نقص الموارد المالية والارتفاع الجنوني على الأسعار.

في هذه الأوضاع تقوم النساء بتجفيف الخضروات  الموجودة وحفظها إلى أوقات الشتاء أو القصف حيث يصبح من الصعب التنقل والتجول.

مواد التنظيف عائق أساسي أمام أعمال المرأة المنزلية، ففي ظل الحصار، لم تعد تتوفر الوسائل المعروفة من الصابون أو سائل الجلي أو الشامبوهات أو أدوية غسيل الملابس، كل هذا دفع النساء للبحث عن طرق استعملتها الجدات للتعامل مع هذه المشاكل، فذهب البعض للبحث عن الخل أو الملح لتعقيم أواني الطعام إلا أن هذه المواد مع طول مدة الحصار تناقصت بشكل كبير، فعادت النساء لاستعمال نبته تكثر في الجبال تسمى “الشنان” تجفف ثم تطحن وبعدها تستعمل في تنظيف الأواني والملابس وفي أسوا الأحوال تستعمل للنظافة الشخصية.

وسائل قد تبدوا في مجملها بدائية وغير صالحة للاستخدام الأدمي، إلا أن السوري تحت الحصار اضطر للبحث عن أسلوب يضمن من خلاله  استمرار الحياة، وبعض هذه الأفكار كما يقول خالد سيكون وسيلة للتنمية في سوريا المستقبل، حيث ستتعامل الحكومة الجديدة معها بطرق حضارية.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شرط جديد تضعه أوروبا للمشاركة في إعادة إعمار سوريا

وكالات – مدار اليوم وضع الاتحاد الأوروبي، شرطا جديدا، للمساهمة في إعادة ...