الرئيسية / قضايا و آراء / التعايش الإسلامي المسيحي

التعايش الإسلامي المسيحي

الرابط المختصر:

مدار اليوم – حسين العودات

أعتقد أن التناقضات الإسلامية المسيحية في البلدان العربية لا تعود لا لتعليمات الدين ولا للتمايزات الاجتماعية أو الاقتصادية، بل ينبغي أن نبحث عن أسبابها في جوانب أخرى ومجالات أخرى. ونلاحظ بشكل عام أن هذه التمايزات أو التناقضات كانت تاريخياً خامدة في الأرياف وناشطة في المدن، وتبع ذلك ندية في الأرياف وخضوع مسيحي في المدن  لهيمنة المسلمين. وعلى ذلك يمكن الزعم أن تاريخ اضطهاد المسيحيين في البلدان العربية هو سمة مدينية ليست دينية بطبيعة الحال وفي أحد جوانبها سلطوية سياسية.

وقد أباحت السلطة، بل ساهمت باضطهادهم في مراحل ثلات  من مراحل التاريخ العربي في القرون الثلاثة الأخيرة من الألف الميلادية الأولى، وذلك أيام عمر بن عبد العزيز الأموي والمعتصم بالله العباسي والحاكم بأمر الله الفاطمي، وقد لعب الفقهاء في الحالات الثلاث دوراً تحريضياً سلبيا ًكبيرا ًفي هذا المجال، حيث لووا عنق الفقه الإسلامي ووجهوه إلى معاداة الكتابيين عامة والمسيحيين خاصة دون أساس شرعي، وأخذوا يفسرون أحكام الإسلام وتعليماته بما يوصل إلى تكفيرهم في بعض الأحيان، وتجاهل التقاليد التي فرضها الإسلام الأول والخلفاء الراشدون في مجال التعامل مع الكتابيين، وقد زاد غلو الفقهاء حتى أن بعضهم أوصل الأمور إلى ما يجعل المسلم يظن أن الإسلام جاء لتكفير الكتابيين ومعاداتهم ليس إلا.

وفي كل مرة كانت تُفرض التفرقة والاضطهاد والنظرة الفوقية، وغالباً ما كان ذلكً تنفيذاً لنزوات الحاكم أو لتحريض مستشاريه وفقهائه أو لتحقيق امتيازات لبعض الفئات المقربة من السلطة، وهكذا خضع المسيحيون في العواصم وفي المدن العربية للاضطهاد السياسي والاجتماعي، ولم يتذوقوا دائماً طعم المساواة والتسامح الذي فرضه الإسلام وأوصى به في مختلف الميادين. والمفارقة أن الأمر كان خلاف ذلك في الأرياف حيث كان التعايش عميقاً والتسامح تقليداً والندية قائمة تقريباً، ولم يشهد المسيحيون العرب في الأرياف مثل ذاك الاضطهاد الذي شهده مسيحيو العواصم والمدن.

حتى خمسينات القرن الماضي كان المسلمون في معظم قرى الريف وهم الأكثرية الساحقة فيها لا يعملون يوم عيد الفصح وتحتفل القرية كلها مثل مسيحييها، مع أن عدد المسيحيين فيها قد لا يتجاوز أحياناً 10% من السكان، وكان عندما يتوفى مسيحي يعلنون وفاته بواسطة مئذنة الجامع ويدعون للمشاركة في الدفن والعزاء، ولم تشهد الأرياف العربية غالباً محاولات المسلمين استغلال الظروف واضطهاد أبناء جلدتهم المسيحيين.

إن ما نراه اليوم من مواقف عدائية للمسيحيين، وإثارة الفتن بينهم وبين المسلمين، وقمعهم واضطهادهم وترحيلهم من قراهم وبلداتهم وسبي نسائهم من قبل الفئات المتطرفة اعتماداً على تفسير مُحرف للدين واستخفاف يقيمه، إنما هو أمر طارئ واجتهاد بشري لا يمت إلى الدين بصلة، وتصرف معاد للتسامح والتعامل الإنساني بين أبناء الوطن الواحد، ولاشك أن الأساس في مثل هذه التفرقة تجذّر بسبب إهمال مرجعية المواطنة وتجاهلها، فلم تحاول الدولة العربية الحديثة جدياً التأكيد على المواطنة كمرجعية رئيسة وحيدة لجميع المواطنين مهما كانت دياناتهم وقومياتهم ومناطقهم الجغرافية وطبقاتهم الاجتماعية، وكان إهمال هذه المرجعية وتهميشها فرصة لمرجعيات ثانوية مدمرة لتنمو وتهيمن كالمرجعية الطائفية والعشائرية والإثنية والجغرافية والإقليمية، وتقسم أبناء الوطن الواحد أتباعاً لمرجعيات مختلفة، وتمهد المناخ لصراعاتهم، وتخلق الشروط الموضوعية لنصاعد هذه الصراعات.

إن الحل الجذري والجدي لكل هذه التناقضات والتباينات الثانوية بين المواطنين في الدولة الواحدة، إنما يكون بالعودة إلى تأكيد مرجعية واحدة وحيدة هي مرجعية المواطنة، وتهيئة الظروف لتفعيلها وسيادتها باعتبارها الناظم الأساس لجميع المواطنين والقادرة على إيجاد نسيج اجتماعي منسجم لأبناء المجتمع كلهم على مختلف عقائدهم وتبايناتهم، وتحقيق المعيارين الرئيسين لها وهما المساواة والمشاركة، وإلا فقبض الريح.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حشود للنظام تصل أطراف درعا….وفصائلها تقسمها لغرف عمليات

درعا _ مدار اليوم وصلت تعزيزات عسكرية “ضخمة” لقوات الأسد إلى محيط ...