الرئيسية / مقالات / إيران والسعودية على مسار تصادمي

إيران والسعودية على مسار تصادمي

الرابط المختصر:

فرزين نديمي – معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى

يوم 28 نيسان (أبريل)، قامت طائرات تابعة للتحالف الذي تقوده السعودية بقصف مدارج مطار الرحابا اليمني في صنعاء من أجل منع طارة إيرانية من طراز “إيرباص إيه 310” من الهبوط هناك. وتسيطر على مطار صنعاء الآن قوات الحوثيين الزيديين الذين لهم روابط وثيقة مع إيران الشيعية، وتعود الطائرة المذكورة إلى “ماهان للطيران”، وهي شركة تابعة لفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وفي قمرة القيادة، كان هناك طيار شحن سابق في الحرس الثوري الإيراني مشهور بتهوره، والذي تجاهل بعناد الأوامر التي صدرت إليه من طواقم طائرات “إف-16” لتغيير المسار، وهو ما أفضى إلى قصف المدارج ليصبح المطار غير صالح للعمل، على نحو أجبر الطيار في النهاية على العودة.
يشعر المسؤولون الإيرانيون، وخاصة في الحرس الثوري الإيراني، بالاستياء من الأعمال التي ينفذها التحالف ضد ميليشيات الحوثيين اليزيدية، ومن عدم قدرتهم على تقديم مساعدة عسكرية لهذه الميليشيات. وقبل أيام قليلة فقط من حادثة المطار، كان قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، قد دعا إلى اتخاذ مؤقف أكثر قوة ضد عمليات التحالف في اليمن، بينما دعا حسن فيروزأبادي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، إلى “إيقاع عقوبة ثقيلة” بحق السعوديين. وفي الأسبوع الماضي فقط، حاول موكب من سفن الشحن الإيرانية كسر الحصار السعودي وتسليم إمدادات، وربما أسلحة، للموانئ اليمنية التي تخضع لسيطرة الزيديين. ويقال إن القافلة كان يرافقها اثنان من زوارق الحرس الثوري البحرية، من طراز توندار (المسلحة بصواريخ “غادر” المضادة للسفن، والتي يصل مداها إلى 200 ميل)، لكن القيادة الإيرانية دعت سفنها وزوارقها إلى التراجع بعد أن أرسلت البحرية الأميركية حاملة الطائرات “يو أس أس ثيودور روزيفيلت” وطراد الصواريخ الموجهة “يو أس أس نورماندي” من الخليج الفارسي. وكانت تلك المواجهة قصيرة واتسمت بالكياسة السياسية، لكنها حملت أيضاً رسالة واضحة لإيران.
وفي اليوم نفسه الذي حدثت فيه المواجهة الجوية فوق صنعاء، وفيما قد يكون -أو لا يكون- من قبيل الصدفة، خاض سرب من الزوارق الحربية التابعة للحرس الثوري الإيراني مواجهة مع السفينة “أم. في. مايريسك تايغرس”، سفينة شحن الحاويات التي ترفع علم جزر مارشال، والتي كانت تبحر من ميناء جدة السعودي في اتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أمرت الزوارق الإيرانية سفينة الشحن بتغيير مسارها والاتجاه إلى ميناء بندر عباس الإيراني؛ وعندما رفض القبطان الانصياع في البداية، أطلقت الزوارق الإيرانية بعض الأعيرة النارية على قوس سفينته قبل أن يعتلي الجنود متنها. وردت قوات البحرية الأميركية التابعة للقيادة المركزية الوسطى بإرسال المدمرة “يو أس أس فاراغوت” ومجموعة من الطائرات لمراقبة الوضع، لكن سفينة الشحن كانت قد دخلت المياه الإقليمية الإيرانية عند تلك النقطة. وفي إطار معاهدتها للعام 1983، “الارتباط الحر مع جزر مارشال”، تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية الدفاع عن جمهورية جزر مارشال وأي سفن ترفع علمها.
ورغم تأطير الكثير من المصادر الإيرانية عملية الاستيلاء على السفينة في إطار قضية قانونية مع الشركة التي تشغل السفينة، فإن ذلك العمل يبدو تحذيراً واضحاً للتحالف الذي تقوده السعودية، بأنه لن يتم التسامح مع الحصار المفروض على اليمن وتمريره من دون رد انتقامي. وبهذا المعنى، تشكل هذه الحادثة أيضاً فصلاً آخر من فصول المنافسة الإقليمية واسعة النطاق بين طهران والرياض.
قاد التقدم الأخير الذي تم إحرازه في المفاوضات النووية البعض إلى الأمل بأن تصبح الجمهورية الإسلامية أكثر مسؤولية واستجابة على الساحة الإقليمية. ومع ذلك، وبإزالة التهديد بالقيام بعمل عسكري ضد مرافق إيران النووية على المدى القريب، فإن إبرام اتفاق ربما يشجع طهران على تبني موقف إقليمي أكثر عدوانية في السنوات المقبلة -بل وربما العودة إلى حقبة ما قبل العام 1996، عندما عملت إيران ووكلاؤها في المنطقة بفعالية أكبر ضد مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتي بلغت ذروتها في تفجير أبراج الخبر ضد القوات الأميركية في العربية السعودية. وفي حقيقة الأمر، نفى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي مسبقاً وجود أي صلة بين إبرام اتفاق نووي وبين الدعم الإيراني للجماعات الشيعية المتشددة خلال خطابه العام يوم 9 نيسان (أبريل). وفي شهر آذار (مارس)، ذهب الجنرال الجعفري شوطاً بعيداً أيضاً، إلى حد تهديد “أي عدو يرتكب خطأ استراتيجياً ضد النظام الثوري الإسلامي” بـ”الإبادة الكاملة”، حتى أنه دعا إلى الإطاحة بالنظام الملكي السعودي.
في السنوات الأخيرة، شددت قوات الحرس الثوري الإيراني قبضتها على مضيق هرمز والقنوات الواقعة على مدخل الخليج الفارسي، عن طريق إقامة “المنطقة البحرية الخامسة” خارج “بندر لينجه”. وتشمل هذه المنطقة قطاعاً من المياه الواقعة مباشرة داخل الخليج بين جزر قشم وكيش، بما فيها الجزر الثلاث المتنازع عليها: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وكذلك جزيرة سري. وبينما تقع قنوات الملاحة عبر مضيق هرمز نفسه بشكل كامل داخل المياه الإقليمية العمانية، فإن هذه القنوات ومناطق الفصل الواقعة مباشرة داخل الخليج تمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، وتشرف عليها مراكز مراقبة تابعة للحرس الثوري الإيراني ووحدات البحرية المتمركزة على جزيرة أبو موسى، وجزيرتي طنب، وجزر سري، وهنجام، وقشم.
قبل ثلاث سنوات، قام الحرس الثوري الإيراني بإجراء مراجعية تنقيحية لعقيدته العسكرية، وتبنى منهجاً استراتيجياً عقابياً قسرياً، والذي ضم ما يُسمى “السيطرة الذكية” على حركة المرور عبر المضيق البالغ عرضه ثلاثين ميلاً. وفي إطار هذه الاستراتيجية، يستطيع الحرس الثوري الإيراني حظر مرور السفن التابعة للدول التي تفرض عقوبات على إيران أو تعارض مصالحها الإقليمية عسكرياً، ويمكن لتصعيد مثل هذه الإجراءات أن يقود بسرعة إلى مواجهة عسكرية أوسع نطاقاً مع دول الخليج العربية والولايات المتحدة. وفي حالة السفينة “مايريسك تايغرس”، واجهت الزوارق الإيرانية السفينة على مدخل المضيق، وهو ما قد يعني أنها تمت السيطرة عليها على عجل في داخل المياه الدولية العمانية -فيما قد يكون إشارة مقلقة بشأن أوضاع الاستقرار الإقليمي. وحتى لو تبين أن هذه الحادثة كانت ثانوية نسبياً وذات تداعيات محدودة، فإن الحقيقة تبقى أن إيران تمتلك العديد من الوسائل للتسبب في مشكلات وانقطاعات كبيرة في حركة الشحن عبر الخليج في حال خرجت المواجهة في اليمن عن نطاق السيطرة، بما في ذلك زرع الآلاف من الألغام البحرية، والصواريخ المنصوبة على الشواطئ وبطاريات المدفعية، والزوارق الحربية السريعة المدججة بالسلاح، والغواصات الصغيرة. ويمكن أن تنجر الولايات المتحدة رغماً عنها إلى قتال يجري بين خصوم إقليميين قدماء، ولذلك، يجب عليها أن تكون مستعدة في حال كشفت طبيعة الخليج التي لا يمكن التنبؤ بها عن ألوانها المتغيرة.
ينبغي توخي منتهى الحذر في الأجواء فوق اليمن. وإذا ما أفضت أعمال قوات التحالف الذي تقوده السعودية إلى فقدان طائرة إيرانية، فإن الجمهورية الإسلامية سوف تستخدم ذلك بدون شك كانقلاب دعائي -وكذريعة لبدء طائفة من التدابير التي ستفضي إلى المزيد من زعزعة الاستقرار في الإقليم.

ترجمة علاء الدين أبو زينة – الغد الأردنية

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...