الرئيسية / مقالات / جيش موحد للعالم العربي؟

جيش موحد للعالم العربي؟

الرابط المختصر:

حسين إيبش – الغد الأردنية

عندما أعلنت الجامعة العربية في اجتماع القمة العربية الذي انعقد في آذار (مارس) أنها تعتزم إنشاء قيادة موحدة لقوة عسكرية عربية مشتركة، نظرت العيون بعجب. فنظراً لمدى التقسيم الذي تعاني منه الدول العربية، ومدى السوء الذي انتهت إليه معظم الجهود التاريخية للتنسيق العسكري العربي، ساد افتراض واسع النطاق بأن هذه مجرد بادرة بلاغية فارغة أخرى.
لكن الحكومات العربية تصر على وضع حجر الأساس لهذه القوة المشتركة. وفي 22 نيسان (أبريل)، اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية في القاهرة للبدء في إضفاء الطابع الرسمي على تكوينها الدقيق، وقواعد الاشتباك والميزانية. وتقرر أن يصادق رؤساء الدول على مقترحاتهم في غضون ثلاثة أشهر.
ورغم مدى الطموح الذي ينطوي عليه هذا البرنامج، والعديد من المزالق التي يمكن أن تعرقله أيضاً، فإن الدول العربية تبدو مصممة على العمل من أجل إنجاحه. وإذا ما ظهرت مثل هذه القوة حقاً، حتى لو كان بالوسع نشرها في ظروف محدودة فقط، فإنها ستقوم بتحويل المشهد الاستراتيجي الإقليمي، وبإعادة تعريف العلاقات بين الدول العربية.
يتأسس الدافع لتشكيل قوة مشتركة في توق قديم إلى مزيد من الوحدة العربية، والذي لازم الثقافة السياسية في الشرق الأوسط منذ قام الفرنسيون بسحق المملكة العربية قصيرة العمر في سورية في العام 1920، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. كما ينطوي وجود قوة عربية موحدة أيضاً على الوعد بالجمع بين الموارد المالية من دول الخليج وبين القوى العاملة من مصر والأردن والمغرب. ويستجيب ذلك لمشاعر الإحباط العربية التقليدية الناجمة عن فصل عدد كبير من السكان عن عائدات النفط الرئيسية (باستثناء العراق).
ثمة قبول عميق باحتمال ضم القوات الجوية المتطورة والأسلحة عالية التقنية من دول الخليج، إلى وحدات المشاة والوحدات الآلية المصرية، إلى القوات الخاصة الأردنية، للدفاع عن المصالح العربية. لكن هذه الخطة تجيء في المقام الأول استجابة لتطورات أخيرة مخصوصة.
عمل صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” -بل وربما الأكثر إثارة للمخاوف، توسع النفوذ الايراني في العالم العربي من خلال العملاء والوكلاء في العراق وسورية ولبنان واليمن وغيرها- على خلق توافق نادر بين الحكومات العربية السنية. وهي متفقة على أنها تواجه أزمة لا يمكن تحملها، وأنه لم يعد يمكنها الاعتماد على التدخل الأميركي. ويبدو أن الدول العربية خلصت إلى أنها إذا لم تتحد لمواجهة هذين التحديين التوأمين، فإنها يمكن أن تجد نفسها وقد أصبحت تحت رحمة الجهاديين المتطرفين، أو الإمبرياليين الفارسيين، أو كليهما معاً.
وهكذا، لقيت فكرة القوة العربية المشتركة التأييد من المملكة العربية السعودية، التي قادت تدخلاً في اليمن، ومن مصر التي تركز على ليبيا والإرهاب في سيناء. وكانت وكالة “أسوشيتد برس” قد ذكرت في تشرين الثاني (نوفمبر) أن هاتين الحكومتين، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت، كانت تناقش الخطة فعلياً. وكانت كل من الرياض والقاهرة قد أعربتا، كل على حدة، عن عدم رضاهما عن السياسات الأميركية، وتحدثتا عن الحاجة إلى تجاوز الاعتماد على حماية واشنطن.
مع ذلك، وصف وزير دفاع الولايات المتحدة الأميركية، أشتون بي. كارتر، الاقتراح بأنه “شيء جيد”. وكما قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، فإن القوة ستقوم بتنفيذ “مهام سريعة وفعالة” بإذن من الحكومة الوطنية ذات الصلة. وبذلك، يبدو أنها تستهدف الجهات الفاعلة من غير الدول في المقام الأول، مثل “الدولة الإسلامية” أو المتمردين الحوثيين في اليمن.
لكن العقبات أمام عمل هذه القوة تبقى هائلة مع ذلك. وسوف يكون تحقيق التنسيق والتكامل صعباً، بالنظر إلى الفروقات عند كل مستوى، سواء في نظم الاتصالات، أو الخدمات اللوجستية، أو المذاهب العسكرية، أو الإجراءات، أو حتى المستلزمات الأساسية والذخيرة المستخدمة من قبل مختلف الجيوش العربية. ومع ذلك، ظلت مصر ودول الخليج تحاول التغلب على ذلك لأكثر من عام من خلال إقامة تمارين عسكرية مشتركة على الحدود السعودية العراقية، وكجزء من التدخل الجوي والبحري بقيادة العربية السعودية في اليمن.
لكن الأسوأ هو أن الدول العربية منقسمة حول العديد من القضايا الأساسية، وهو ما قد يحد من فعالية مثل هذه القوة. ولا تتقاسم مصر والسعودية موقفاً مشتركاً بشأن الصراع السوري. وتتخذ كل من سلطنة عمان وقطر مواقف متمايزة من إيران وجماعة الإخوان المسلمين، والتي تختلف بشكل كبير عن وجهات نظر أعضاء آخرين في مجلس التعاون الخليجي. حتى أن الدول العربية لا تتقاسم تعريفاً عملياً لماهية الإرهاب (الذي يفترض أن يكون الهدف الرئيسي للقوة المشتركة): ما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين، على سبيل المثال، مجموعة إرهابية أم لا.
سوف يترتب على الدول العربية أيضاً أن تتغلب -ليس على الخلافات السياسية فقط، وإنما على نقص جوهري في الثقة، والذي أبقى عليها طوال عقود. وحتى في هذه المرحلة المبكرة من الحديث عن القوة المشتركة، أعرب العراق؛ الدولة ذات أغلبية شيعية والتي تحتقظ بعلاقات قوية مع إيران، عن القلق العميق إزاء هذا الاقتراح. وكان أحد أهم مكامن الاعتراض واسع النطاق هو الخوف من أن تكون هذه القوة ذات غالبية سنية بشكل حتمي، مما يفاقم التوترات الطائفية في المنطقة.
سوف يتطلب تشكيل وتفعيل هذه القوة حدوث تحول كبير في العلاقات بين الحكومات العربية. وبخلاف ذلك، كما لاحظ الهازلون مسبقاً، فإنه يمكن أن ينظر إلى القوة العربية المشتركة بوصفها “تناقضاً لغوياً ثلاثياً”: ليس “مشتركة” بسبب الانقسامات بين أعضائها؛ ولا “عربية”، بسبب الخلافات الطائفية، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من القوات غير العربية، مثل القوات الباكستانية والتركية وغيرها؛ ولا “قوة” إما لأنه قد لا يمكن نشرها، أو أنها ستثبت كونها غير فعالة.
مع ذلك، وحتى لو لم يكن بالوسع تنفيذ الخطة على الفور، فإن سعي الدول العربية الرئيسية إلى تنفيذها يبين مدى الخطر الذي تستشعره هذه الدول على أوضاعها الاستراتيجية. وبعد أن أصبحت مفرطة في اعتماديتها على الولايات المتحدة، تخشى هذه الدول الآن أن الشرق الأوسط مقبل على فترة “ما بعد أميركا”. ولذلك، يترتب عليها أن تتحرك بسرعة في محاولة للدفاع عن مصالحها.
العديد من المعلقين العرب خلصوا إلى أن التكامل العسكري العربي سيكون حتمياً، بما أنه “لا يوجد بديل”. وتبدو الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية جادة في المحاولة بكل وضوح. أما إذا كانت ستتمكن من إنشاء ونشر قوة عسكرية مشتركة، فذلك ما سيكشف عنه قادم الأيام.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...