الرئيسية / مقالات / صراعات الاستبداد

صراعات الاستبداد

الرابط المختصر:

ناصر الرباط – الحياة اللندنية

عندما كتب عبدالرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» عام 1902 لم يكن بإمكانه تخيل أن الاستبداد الذي شخصه كآفة الآفات في مجتمعه العربي الخاضع للسلطنة العثمانية سيكون المعيار المسيطر على كل المجتمعات العربية من دون استثناء بعد أكثر من قرن على كتابه. بل لم يكن بإمكانه تخيل أن الآراء الجريئة التي أوردها في كتابه ذاك عن الاستبداد، على تواضعها المعرفي والتاريخي، ستبقى لزمن طويل مقلقة للمستبدين من أبناء جلدته، كما حصل مع القاص السوري المشهور زكريا تامر الذي فقد وظيفته كرئيس تحرير لمجلة «المعرفة» السورية واضطر إلى مغادرة بلده إثر نشره مقطتفات من كتاب الكواكبي كافتتاحية عدد نيسان (أبريل) 1980 في ذكرى تأسيس حزب البعث. لكن ما لم يكن من الممكن التفكير به قبل أكثر من قرن صار واضحاً اليوم: فقد تبين أن داء الاستبداد معشش في الثقافة بمجملها. وهو اليوم أصبح، بعد أربع سنوات على انطلاق الثورات في العالم العربي، الرافعة الرئيسة للحاكم المستبد ولمقاومه المستبد أيضاً. فكما لو أن مصارعة الاستبداد التي أججت هذه الثورات وألهمت مسمى الربيع العربي في المقام الأول قد أُسقطت من خيارات من تبقى من هؤلاء الثائرين جميعاً لتحل محلها مبررات استبدادات متنوعة، سياسية ومالية وعرقية وطائفية وقبلية وأصولية دينية، مما يعيد طرح السؤال القديم ذاته: هل طغيان الاستبداد في العالم العربي اليوم نتيجة إخفاق سياسي محدد بسياق تاريخي واضح أم دليل خلل ثقافي أعمق وأوسع استشراءً؟

بعد تشخيصه للداء استخدم الكواكبي في اقتراحه للدواء انزياحين معرفيين اثنين: واحد تاريخي والآخر ثقافي/حضاري، ما زالا يشكلان حتى اليوم للأسف أساسين مرجعيين للنقاشات العديدة عن أسباب التعثر، إن لم نقل التخلف، العربي بعد انقضاء أكثر من قرن على انطلاق دعوة النهضة والالتحاق بركب الحضارة العالمية والغربية أساساً.

الانزياح التاريخي هو تقرير أن العودة إلى مبادئ فترة الحكم الإسلامي الذهبية على عهد الرسول وصحابته الأُول تحمل في طياتها درءاً للاستبداد حيث يجادل أصحاب هذا الرأي بأن القرآن والحديث وسنّة الرسول في حياته كلها تحث على الأخذ بالشورى وتغليب العقل والمعرفة في تقرير أحوال المجتمع وسياسته، مما يسمح للخلف بالتخلص من الاستبداد باتباع نموذج السلف الصالح. أما الانزياح الثقافي/الحضاري فيتمثل في التعلم من منجزات الغرب السياسية والثقافية التي أتاحت لدوله التخلص من الاستبداد، وإن كان فهم الكواكبي ومعاصريه الذين أعجبوا بحضارة الغرب لدلالات هذا الانزياح تبسيطياً وبريئاً إلى حد كبير. فهو بضربه المثل بالفرنسيين والإنكليز في عصره وفي إدارتهم لشؤون أممهم وفق مبادئ المراقبة الشعبية والسياسة الانتخابية والتمثيلية، لا يعود أبداً إلى أسس ظهور الدساتير الوضعية والحكومات المدنية بعيد الثورة على سيطرة الدين على الحياة العامة. بل هو يراوح في حديثه بين الشواهد الفقهية والقرآنية على صحة طروحاته وبين بيان تطبيقها في الغرب غير المسلم أصلاً. وهذا التناوس طبع فكر الكثير من مفكري النهضة العربية في بداية القرن العشرين وتابعيهم فيما بعد، ولم يؤد إلى حل أي من التناقضات المعرفية بين نظام قائم على إلهام إلهي دور الناس فيه هو الطاعة، وإن كانت واعية وعاقلة، ونظام قائم على الذات الواعية والمستقلة معرفياً والمقررة لشؤونها فردياً وجماعياً وفق الدستور والقانون والسياسة والاجتماع التي تبلغ بالعلم وتتطور بتغير الأزمنة وتوسع المعرفة.

من هنا فاستبداد الأنظمة العربية التي تسربلت بالعلمانية في النصف الثاني من القرن العشرين، والذي كان في ظاهره بعيداً من الدين، لم ينعتق إطلاقاً من الدين. وأنا هنا لا أقصد العبادات، التي رآها الكواكبي أيضاً كأسهل مظاهر الدين تطبيقاً وأقلها خطراً على الحاكم المستبد الذي مارس العبادات علانية لإثبات انتمائه الديني (حتى بشار الأسد لا يغيب عن صلاة عيد قط)، ولكن الإطار المعرفي ذاته الذي تغلغل فيه الدين كأساس للتنظير والتأويل وكمصدر للفكر معبر عنه باقتباسات من القرآن والحديث والعبارات الفقهية المأثورة كحاملات للمعنى وإثباتات للمغزى، تماماً كما فعل الكواكبي في كتابه، وتماماً كما فعل العديد من المفكرين الإصلاحيين العرب طوال القرن الماضي، من دون الانتباه إلى الاختلاف العميق بين الأرضية المعرفية التي يتكئون عليها والسياق العلماني الذي نشأت في ظله فكرة الوطنية والدولة ذات الحدود الواضحة والمعترف بها دولياً والأحزاب السياسية والحكومات والهيئات التشريعية المنتخبة والمحاكم الدستورية وما إليها من أدوات الدولة الحديثة، العلمانية بالصيرورة.

وأنا هنا استخدم العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة، كما حاول بعض مفكري النهضة العربية فعله على استحياء في بدايات القرن العشرين قبل أن تجرفهم وأفكارهم الموجة الشعبوية التي طغت على المشهد السياسي العربي منذ منتصف القرن، والتي أنتجت لنا المسخ السياسي المعهود في نهايات القرن: حكم شمولي طاغ يستخدم الدين والدنيا سوية في تثبيت استبداده ويتحرك ضمن نطاق الدولة-الوطن، وإن كان لا يفهم مسؤوليات الدولة وحقوق المواطن. من هنا أيضاً ظهرت المعضلة التي تواجهها السياسة العربية اليوم في مواجهة «الإرهاب» الصاعد، وفي شكل خاص إرهاب تنظيم «الدولة الإسلامية». فالإثنان يستخدمان الاستبداد في إرساء شرعيتهما: استبداد الدولة الهجينة حداثياً في مواجهة استبداد العصبة التي صارت دولة لا تاريخية بل عكس تاريخية، إذ أنها تروم العودة بالزمن. والإثنان يستندان على المصادر الإسلامية نفسها في تبرير توجهاتهما وأفعالهما الاستبدادية، وإن كان ذلك يتم بتأويلات مختلفة وبفهم مختلف.

هذه التأويلات، كما لاحظ غرايم وود في مقال لاقى شهرة كبيرة مؤخراً، هي أكثر انسجاماً مع إطارها العقائدي في حالة تنظيم «الدولة الإسلامية» منها في حالة الأنظمة العربية. فـ «الدولة الإسلامية» على استعادتها للحظة الإسلامية الأولى والنقية (من وجهة نظر الجميع)، تقرأ هذه اللحظة وإطارها التشريعي قراءة ظاهرية بالمعنى الفقهي وقراءة لا تاريخية بالمعنى الانساني. فهي تؤول النصوص على ظاهرها ولا تعتد إطلاقاً بالتراكم المعرفي الهائل الذي جمعته هذه النصوص حولها خلال خمسة عشر قرناً من الشرح والاستنباط (وإن كانت ترجح مدارس محددة أحياناً). وهي في هذا منسجمة مع لاتاريخيتها أكثر بكثير من انسجام الدول العربية المعاصرة مع تاريخيتها المهزوزة والمزورة أحياناً.

هنا تبدو لي جلية حقيقة أن الصراع مع الاستبداد الذي حاولته الثورات العربية قبل أربع سنوات، هو في أساسه صراع معرفي، صراع يروم إعادة التاريخ إلى تاريخيته والتعامل مع الحاضر بآنيته والتطلع إلى المستقبل على أنه تطور متراكم عن سابقيه.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رضوان زيادة يكتب: سوريا بلد الذل والأغلال

رضوان زيادة ما زال للصورة سحرها، فبالرغم من أن كل سوري يعرف ...