الرئيسية / آخر الأخبار / سورية بين الدلف والمزراب

سورية بين الدلف والمزراب

الرابط المختصر:

مدار اليوم- حسين العودات

بدأ الاستحقاق السوري يثير قلقاً حقيقياً على مستقبل سورية برمتها دولة وشعباً وعلى وحدة أراضيها، وذلك بعد الانتصارات العسكرية التي حققتها قوى المعارضة المسلحة والتراجعات الكبيرة التي اضطرت لها قوى السلطة، سواءً في الشمال (إدلب وسراقب) أم في الجنوب (بصرى الشام وبصرالحرير ومعبر نصيب)، ويبدو أن بعض القوى الإقليميةاتفقت على أمرين هامين : أولهما تزويد قوى المعارضة المسلحة بأسلحة جديدة تساعدها على التغلب على قوى النظام العسكرية وميليشياته المتعددة وقوى الدفاع الوطني التي جندها، وهذا ما صرح به أكثر من طرف من قوى المعارضة المسلحة واعترف بوصول هذه الأسلحة الحديثة ، والأمر الثاني، كما يشاع، أن القوى الإقليمية اتفقت على تحقيق حظر جوي في شمال سورية وجنوبها سواءً بشكل مباشر وإنذار مسبق لقوى السلطة أم بتزويد قوى المعارضة بصواريخ مضادة للطيران بحيث يصبح الحظر الجوي واقعاً،  ومن شأن هذين الأمرين أن يحققا شرطاً موضوعياً لتقدم قوى المعارضة المسلحة وتراجع قوى السلطة العسكرية ، مما لايبقي معها سوى بقع ومراكز ومدن محددة، ويلزم أهل النظام بقبول التسوية السياسية والجلوس على مائدة المفاوضات معترفين بندية المعارضة ، وبالتالي يقبلون مقررات مؤتمر جنيف الأول، وخاصة منها ما يتعلق بالحكومة الانتقالية وصلاحياتها الواسعة جداً التي تتضمن صلاحيات الرئيس التي نص عليها الدستور الحالي، وتؤهل الحكومة الانتقالية لإعداد ميثاق وطني ودستور وعرضه على الاستفتاء وانتخاب مجلس تشريعي جديد ورئيس جمهورية جديد ، وتبدأ مرحلة استقرار تمكن سورية من إعادة الإعمار وتحقيق جوانب التنمية المختلفة.

  هذا ما تسرب من أهداف الاتفاق الإقليمي ، ومن المؤكد أنه يرتبط بأمور عديدة جداً حتى يتم تحقيقه، منها انتهاء المشكلة اليمنية وموافقة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض دول الإقليم الأخرى على هذه الخطة، وإقناع الروس والإيرانيين بأن مصالحهم لن تتأذى جراء تطبيقها، وفي الخلاصة فإن تحقيق مثل هذه الخطة هو احتمال قابل للتحقيق بين احتمالات عديدة. ولكن يبرز سؤال عريض وهام ومصيري وهو ماذا إذا انهار النظام قبل   المفاوضات ، ومن سيحكم سورية في هذه الحالة، هل هي المنظمات الإرهابية (مثل داعش والنصرة) أم المنظمات المسلحة الإسلامية ( مثل جيش الفتح وجيش الإسلام) وفي الحالات كلها لن يكون للقوى الديمقراطية المدنية نصيب في حكم سورية، ولأن هذه المنظمات جميعها لها إيديولوجيات متطرفة تعتمد بمعظمها على تعليمات الفقه لا على تعليمات الدين، فمن المؤكد أن الشعب السوري سينتقل (من تحت الدلف إلى تحت المزراب) وسيكون (كالمستجير من الرمضاء بالنار) ولن يكون له نصيب بإقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي يحقق له الحرية والكرامة ولدولته معاييرها الحديثة كما كانت أهداف الانتفاضة عند انطلاقتها.

المشكلة أن السلطة السورية القائمة لا ترى أبعد من أنفها وترفض أي مفاوضات تمهد لتسوية وطنية شاملة وديموقراطية وتراهن على انتصار عسكري لن يتحقق وتعرّض بالتالي مستقبل سورية للدمار ، ويستبعد عسكريوها، بدون تبصر، إمكانية الهزيمة العسكرية، واحتمال انهيارهم العسكري وهو احتمال مطروح على أي حال ، وإن كانت  نسبة نجاح الاحتمال ضئيلة  فإنها قد ترتفع وتصبح لها الأولوية، ولنتذكر أنه عندما نضجت الشروط الموضوعية انهار الاتحاد السوفييتي (العظيم) وأنظمة الدول الاشتراكية الأخرى خلال ساعات بما لم يكن معظم المحللين يتوقعونه. والمشكلة الأخرى هي أن فصائل المعارضة وتياراتها ما زالت تتصارع على كسب ود هذه الدولة أوتلك وتضع المكاسب الذاتية على رأس أولوياتها على حساب القضايا الوطنية الأساسية ، وخاصة منها الاتفاق على ميثاق وطني وخارطة طريق وإقناع دول الجوار والدول الإقليمية فضلاً عن العالمية بضرورة الانتباه للخطر الداهم . ولعله ينبغي على المعارضة السورية الداخلية والخارجية والدول الإقليمية والعربية أيضاً فضلاً عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تتوقف قليلاً لتفكر بمستقبل سورية وتغربل احتمالات تطورها المقبل قبل أن تُدمر سورية الدولة والشعب.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

واشطن تفرض عقوبات على بكين لشرائها أسلحة من موسكو

وكالات – مدار اليوم فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على الصين بسبب ...