الرئيسية / قضايا و آراء / السوريون والخوف

السوريون والخوف

الرابط المختصر:

مدار اليوم – حسين العودات

يعيش السوريون خوفاً دائماً، يسكن فيهم ويلازمهم ملازمة الهواء والماء ويقلق عيشهم ونفسياتهم ويوتر أعصابهم ويضعهم خارج الحياة.

يخاف السوريون من القصف العشوائي الذي يطاول بيوتهم وممتلكاتهم، ليس فقط لأنه يهدد حياتهم وحياة أطفالهم بل أيضا لأنهً يهدد ما جنوه طوال عمرهم أو ما ورثوه أو ما وفروه لضمان مستقبل أطفالهم وضمان شيخوختهم، فهم لا يعرفون في أي لحظة تأتيهم القذيفة أو البرميل فتقصف أرواح ذويهم وأرواحهم أو تدمر ممتلكاتهم. كما يعيشون الخوف من استمرار العنف والتدمير في بلادهم إلى مدة غير محددة ، وبالتالي فهم يخشون بناء أي شيء أو تأسيس أي مشروع أو التخطيط ليوم غد، وأصبحوا بالتالي كعمال التراحيل في مصر أي يمررون يوم بيوم، ويخشون استمرار النظام الذي يعيشون في ظله والسلطة القمعية التي تديره وبالتالي فمعظمهم، على الأغلب، لايحلمون بأن يمارسوا الحرية يوماً أو يشهدوا الديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص وغيرها من معايير الدولة الحديثة، ويعتقدون أن نسبة البطالة الخيالية التي هم فيها ستزداد ارتفاعاً مع وجود مثل هذا النظام وأن الفساد والمحسوبية والرشاوى (والبلطجة) سوف تستمر مع استمراره، وحتى لو تحقق انتقال ديمقراطي للسلطة فإن الجيل الحالي لن يشهد تغييراً جذرياً لمثل هذه القيم والطقوس.

يخشى السوريون ليس فقط من الدولة الأمنية القائمة وسطوة أجهزة الأمن وإنما من استمرار هذه الأجهزة، حيث لايعرف السوري في أي وقت يستدعى للتحقيق أو يعتقل، وإن اعتقل لايعرف أهله أي جهة اعتقلته وهل هو ما زال حياً أم قتل أثناء التعذيب. وخشيته دائماً لا ترتبط بأن يكون معارضاً أم لا، وإنما قد يعتقل بسبب تقرير كتبه أحد من المختلفين معه وكل ما فيه كاذب ، ومع ذلك يدفع ثمناً غالياً، ولذلك يخاف السوريون بعضهم من البعض الآخر. ويخافون من الفصل من الوظيفة بدون سبب، وأحياناً استجابة لرغبة عنصر أمن أو لرغبة مسؤول يود أن يعيِّن بديلاً عنه في الوظيفة مما يعني قطع رزقه وانعدام دخله وتعرضه للبطالة .

أضيف خوف جديد للسوري وهو احتمال أن تحكمه الفصائل الإرهابية، وتطبق عليه قوانينها التي هي حصيلة اجتهاد فقهاء لايعرفون من الدين شيئاً ، فيحللون ويحرمون على مزاجهم ، وقد دهش السوريون  قبل أيام عندما علموا أن تنظيم داعش أعفى أحد القضاة الشرعيين الذي حكم على مئتي شخص بالإعدام وأعدموا وتبين بعد التحقيق أن 125منهم أبرياء كلياً، هذا بغض النظر عن مشروعية المحاكمة وإعدام من أعدم، ويسمع السوريون كل يوم تنفيذ أحكام بالإعدام أقل مايقال فيها أنها همجية وغير شرعية واجتهاد أميين بدليل أن هذا القاضي الذي أشرنا إليه لايحمل أي شهادة وكل إمكانياته أنه كان معتقلاً في سجن صيدنايا. ولاشك أن أحكام ما يسمى بالمحاكم الشرعية لاتختلف عن أحكام هذا القاضي، التي يمارسها قضاة ليسوا فقهاء ولا قانونيين. وتخضع جميع أحكامهم للمزاج والرأي الشخصي .

يخاف السوريون من أن مرحلة الإعمار المقبلة ستتم في مناخ الفساد الحالي وبالتالي سوف يستفيد منها من لم يتضرر أو تضرر جزئياً، أما المستحقين الذين لاسند لهم فلن يجدوا مستقبلاً لا العدالة ولا التكافؤ المطلوب. وعليه سيضاف قهر جديد إلى قهرهم فلن تكفيهم خسارة ما خسروا من أرواح وممتلكات بل سيحرمون من حقوقهم.

داهم السوريين خوف جديد هو أن انخفاض سعر الليرة ، مهما كانت أسبابه، أدى إلى ارتفع جنوني للأسعار، ويخشون أن الأسعار الحالية الخيالية ستبقى كما هي وسيبقى دخلهم بالمقابل متدنياً ، وعلى ذلك فإنهم يخشون أن يمضوا حياتهم الباقية في فقر وحرمان. ولن يتاح لهم سد حاجاتهم أو رغباتهم بيسر وسيبقون يركضون والرغيف يركض أسرع منهم.

وهكذا فحياة السوريين كلها خوف وخشية من الحاضر والمستقبل ويعيشون بلا أمل و( ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل ) .

يخاف السوريون عندما يفكرون بكل شيء، إنهم يعيشون الخوف الدائم، والهزائم الدائمة.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حشود للنظام تصل أطراف درعا….وفصائلها تقسمها لغرف عمليات

درعا _ مدار اليوم وصلت تعزيزات عسكرية “ضخمة” لقوات الأسد إلى محيط ...