الرئيسية / مقالات / أيام حزب الله الأخيرة

أيام حزب الله الأخيرة

الرابط المختصر:

الشيعة في عهدة إيران وحرسها الثوري وحزبها الإلهي يسيرون إلى حفرة التهلكة، وكأنهم في حاجة إلى حمايتهم من قيادتهم قبل حمايتهم من خصومهم 

أحمد عدنان – العرب اللندنية

كلمة أمين عام ما يسمّى بـ(حزب الله) في “يوم الجريح المقاوم” ملفتة بكل ما للكلمة من معنى. فالسيد ألغى تماما شعار مقاومة العدو الإسرائيلي لصالح محاربة التكفيريين. كما أن السيد سطّح معنى الصراع في بعده العربي – الإيراني وبعده ضد الاستبداد في سوريا لصالح حرب وجودية تستهدف الشيعة كلهم ووحدهم لا ما يسمّى بـ(حزب الله) فقط. وفي سبيل ذلك أعلن السيد عن احتمالية إعلان التعبئة العامة والقتال في كل مكان، مع الاستعداد للتضحية بنصف شيعته ليعيش النصف الآخر بكرامة، خصوصا بعد تحالف السعودية وقطر وتركيا ضده.

ومن حسن الحظ، أن السيد أثبت – من حيث لا يدري – انتماء حزبه إلى منطق الإرهاب حين أعلن بأن كل من لا يوافقه الرأي أو يثبط عزيمة جمهوره “غبي وأعمى وخائن”. شكرا لحسن نصرالله لأنه أثبت تماثله مع داعش والنصرة وتنظيم القاعدة، هو إلغائي مثلهم، ويشرع وجودهم كما يشرعون وجوده، وبالتالي يستحق الفناء معهم. معنى كلمات السيد واضح لا لبس فيه، إننا أمام حالة امتزج فيها فقد الاتزان مع جنون العظمة والعجز عن تقدير الذات وتقدير الموقف، إضافة إلى شطط الفعل ورد الفعل. إنه تماما حال من لجأ إلى الانتحار خوفا من الهزيمة أو رعبا من الحياة، أو حال ذلك الذي خشي تيه البحر فالتجأ إلى الغرق.

السيد حسن نصرالله يعيش ورطات متوالية منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري والخروج البعثي المذل من لبنان، فالبندقية التي تشدقت بشرف مقاومة إسرائيل انكشفت تبعيتها الخارجية حين توجهت رصاصاتها إلى صدور اللبنانيين باغتيال شهداء ثورة الأرز ثم أحداث أيار 2008، وبعدها تمادت البندقية غيا وطغيانا حين اصطفت ضد عمقها العربي سوريا وعراقيا ويمنيا وخليجيا واصطفت ضد هويتها الإسلامية بمحاربة السنة، البندقية التي باهت بحماية لبنان تستجدي حمايتها من إيران ومن الطائفة بعد أن فقدت رصيدها الوطني والعربي، والأدهى أن سيد المقاومة، الذي ارتفعت صوره فخرا في العالم العربي كله، أضحى رمزا للصدق وللشرف، انتهى أيقونة للكذب وللعمالة، لم يكن جمهور العرب مباليا بشيعية نصرالله في المحيط السني، إلا أنه اليوم لا يبالي به مطلقا، فمن كان خطا أحمر لا يمس آل مسبة عند العوام والخواص، معشوق الجماهير صاحب الكلمة المسموعة، انتهى منبوذا ومختبئا تحت الأرض. لم تنته الكوارث عند هذا الحد، فحلفاء القضية صاروا حلفاء المصلحة وأصبح الحزب الإلهي عرضة للبيع وللشراء.

كل ذلك حوّل سيد الانتصارات إلى سيد الهزائم، وطائفته تعلم ذلك قبل غيرها، فسياسات الحزب وسيدته الإيرانية زادت من عزلة الطائفة وأجّجت منسوب الكراهية ضد الشيعة. غدا الشيعي – أيا كان انتماؤه السياسي للأسف – عدوا أو مشبوها أو متهما بعد أن كان محترما أو عاديا. الشيعة في عهدة إيران وحرسها الثوري وحزبها الإلهي يسيرون إلى حفرة التهلكة، وكأنهم بحاجة إلى حمايتهم من قيادتهم قبل حمايتهم، ولا بصيص أمل إلا عند النخبة الشيعية العلمانية التي تتوزع بين العروبة والليبرالية، لذلك لم ترحم إيران وتابعها الذي يسمىّ بـ(حزب الله) تلك النخب حفاظا على السلطوية والوصاية، ولم يتوقف نصرالله عن استهدافهم والتشنيع عليهم في كلمته الأخيرة حين وصفهم بـ”شيعة السفارة الأميركية”.

لا يبالي نصرالله وحزبه وجمهوريته الإسلامية الإيرانية بأرواح جمهورهم وهم يريدون التضحية بنصفها، ولا يبالون بالجوار ولا بالمستقبل وهم يريدون مقاتلة الجميع وفي كل مكان. إذا أراد حماية لبنان من شظايا الصراع السوري، بإمكانه الموافقة على نشر قوات دولية بين البلدين، لكنها كلمة الحق التي أراد بها الباطل.

يصور (حزب الله) جمهوره الشيعي وحلفاءه من الأقليات ضحية وحيدة للتكفير، مع العلم أن الضحايا السنة أكثر من الجميع. ويصور الحزب نفسه المحارب الوحيد للإرهاب، مع أن راية الحرب على الإرهاب معقودة ﻷغلب الدول العربية وعلى رأسها محور الاعتدال: السعودية، الإمارات، الأردن ومصر.

ليس صحيحا أن الشيعة مستهدفون ﻷنهم شيعة، بل المستهدف هو المشروع الإيراني الذي لا يقل عنصرية وخطرا عن المشروع الإسرائيلي، وبالتالي فالمستهدف أيضا هم عملاء إيران الأكثر دموية من عملاء إسرائيل، وكأن إيران وأتباعها يخدمون إسرائيل بتجميلها وقبول وجودها حين يتجاوزونها إجراما وبشاعة.

لعل أحد من يحفظ تاريخ الحزب الإلهي ضد إسرائيل قبل عام 2000 ينصح السيد حسن نصرالله وحزبه بالعودة إلى الهوية العربية واللبنانية من العمالة الإيرانية، وإلى الجامع الإسلامي بدلا من التناحر الطائفي، وإلى منطق الدولة بدلا من إجرام الميليشيا، وإلى روح الاعتدال بدلا من بغي الإرهاب، وإلى الحذر من إسرائيل بدلا من حرب إخوة الدم والوطن والهوية والدين. وعلى الجميع إدراك أن بعض المناسبات من يصلها متأخرا كمن لا يصلها أبدا.

السيد يراهن الآن بكل ما يملك وكل ما يملك في الانتحار لا في النجاة، وخطاباته وسياساته منذ انطلاق العملية العربية (عاصفة الحزم) بقيادة السعودية، خصوصا كلمته في بداية العاصفة وكلمته في “يوم الجريح المقاومة” بمثابة أوراق نعي لحزبه وللمشروع الإيراني، فمن يتجاوز حجمه المحدود يقفز – قطعا – إلى الموت المحتوم.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد علي فرحات يكتب: كعب أخيل اللبناني

محمد علي فرحات لا موعد واضحاً لتشكيل الحكومة اللبنانية، ولا تقدير لأهمية ...