الرئيسية / مقالات / أوروبا جديدة.. دون بريطانيا؟

أوروبا جديدة.. دون بريطانيا؟

الرابط المختصر:

باسكال نونيفاس – الاتحاد الاماراتية

باسكال نونيفاس

لقد كان الانتصار الذي حققه «المحافظون» في الانتخابات التشريعية البريطانية عريضاً بقدر ما كان مفاجئاً أيضاً. فقد حصلوا على مئات من المقاعد البرلمانية متفوقين على حزب «العمال» بفارق كبير، في وقت كانت فيه كل مراكز استطلاع الرأي تقدم الحزبين كفرسي رهان، متقاربين للغاية. وفي النهاية كانت الكلمة الفصل للحالة الاقتصادية، ولا جدال في أنها عموماً جيدة: فمعدل البطالة لا يتجاوز 5,5%، ونسبة النمو 2,6% في عام 2014. وهذا ما لا تحلم به أغلبية البلدان الأوروبية الأخرى.

والسؤال الآن، ما دام الأمر على هذا النحو، فما الذي دفع للشك أصلاً في احتمال فوز ديفيد كاميرون؟ ثمة عقدة إشكالية: تنامي واتساع فجوة التفاوت الاجتماعي في الدخل التي راحت تتعمق، ومخاوف تراجع الدخل والمكانة التي تؤرق وتقلق عدداً غير قليل من البريطانيين. وكذلك تراجع مكانة وتصنيف البلاد على المسرح الدولي أيضاً. ومن هنا فإن إبقاء كاميرون في السلطة يمكن أن تكون له تداعيات مصيرية: خروج ممكن، إن لم يكن يزداد احتمالاً، للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. ومع فوز الاستقلاليين الإسكتلنديين بـ 56 مقعداً من المقاعد الـ59 الخاصة بأسكتلندا، يبدو الموضوع محل أخذ ورد.

وقد تعهد ديفيد كاميرون بتنظيم استفتاء حول بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من هنا وحتى 2017. وفي جو عام من الإعياء والسأم من هموم الاتحاد في داخل دوله، ثمة ما يدعو حقاً للتفكير في أن بلداً، كبريطانيا، ظل دائماً من نسيج مختلف، وذا خصوصية تميزه عن بقية القارة، ستكون فيه «لا» لأوروبا، هي من سيكسب الرهان، في النهاية.

ولا تقصّر الصحافة البريطانية، في الأغلب الأعم، حيث تنفخ هي أيضاً بقوة في رماد المشاعر المناهضة لأوروبا. فالبريطانيون يرون في أوروبا مخاطر تدفق المهاجرين بشكل كثيف، والركود الاقتصادي، وفقدان الهوية الوطنية. وإذا كان حزب الاستقلال البريطاني، المناهض لأوروبا، قد مُني بهزيمة ساحقة في الانتخابات، فما ذلك في جانب كبير منه إلا لأن كاميرون نفسه قطع العشب من تحت أقدام ذلك الحزب اليميني المتطرف، وانتزع جمهور ناخبيه، وذلك من خلال تبنيه هو -وتغذيته- لمواقف مناهضة لأوروبا.

ولكن على رغم كل شيء، ألا يدعو هذا الأمر إلى الارتياح؟ وطالما أن لندن قررت عدم لعب دورها المحرك في البناء الأوروبي، أليس من الأفضل القطع مع بلد متراجع وتضغط ظروفه وأحواله على المكابح؟ ألا يتيح ذلك فرصة إعادة إطلاق أخرى قوية للمشروع الأوروبي؟

وإذا كان كاميرون قد أحرز نجاحات على الصعيد الاقتصادي، فقد أخفق بشكل ذريع على الصعيد الدولي. فمن دونه تمكنت أنجيلا ميركل وفرانسوا أولاند من التوصل إلى اتفاق مينسك مع روسيا وأوكرانيا، وكان في ذلك انتصاراً دبلوماسياً كبيراً لأوروبا. وقد رفض مجلس العموم أيضاً في عام 2013 السماح بمشاركة القوات البريطانية في أي تدخل عسكري في سوريا، كما تكبدت وزارة الخارجية تخفيضاً في الإنفاق وكذلك ميزانية الدفاع التي انخفضت إلى ما تحت خط الـ2% من الناتج المحلي الخام، وقد بلغت الأمور حداً دفع قائد أركان الجيش الأميركي لإطلاق تعليقات علنية سلبية حول ما يشهده الجيش البريطاني من تغيير وضمور.

وفوق ذلك لم يعد يُنظر إلى بريطانيا العظمى من واشنطن، باعتبارها حليفاً موثوقاً، كما كان عليه الحال في الماضي. بل إن الثقة أصبحت موجهة لألمانيا لاعتبارات اقتصادية، ولفرنسا لدواعٍ استراتيجية، وقد صار هذان البلدان هما الشريكان المفضلان في واشنطن.

والحال أن كاميرون قد قلص قوة النفوذ البريطاني في أوروبا. فقد تراجعت قدرتها على التأثير وتآكلت أيضاً قدرتها على إلحاق الضرر. وكان كاميرون عارض دون جدوى تعيين جان- كلود يونكر على رأس المفوضية الأوروبية. وقد غادر حزب المحافظين الكتلة السياسية الأهم أوروبياً، وجني بسبب ذلك ثمار عزلة مطبقة، وصورة غير مشرقة، ولا تدعو للفخر والاعتزاز.

وقد لقيت دعوات كاميرون لإعادة تموضع وتموقع بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي هي أيضاً صداً وأخذاً ورداً. وبطبيعة الحال فالخروج من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يكون أفدح ثمناً للمملكة المتحدة نفسها منه لأوروبا. وكاميرون بإطلاقه تعهد تنظيم استفتاء حول الخروج أطلق مساراً لن يكون قادراً في المستقبل على التحكم فيه أو كبح جموحه، وسيخرج عن سيطرته.

ويا لتردّي الوضع حقاً مقارنة مع ما كان متوقعاً في بداية هذا القرن! فتوني بلير، كان، وهذا ما ينبغي تذكره، يريد تبني بلاده للعملة الأوروبية الموحدة «اليورو»، وبطريقه الثالث، ظل دون مراء قائداً من قادة أوروبا الاشتراكية- الديمقراطية، مع نظرائه الفرنسي، والألماني، والإسباني والبرتغالي. وكانت له أيضاً دالّة ونفوذ أكبر من كل هؤلاء على الولايات المتحدة.

وكانت بريطانيا العظمى ذات دور وحضور ونفوذ في أوروبا، وفي الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. وهي اليوم تفتقر إلى التأثير في كلا جانبي المحيط. ودون شك فهذه إحدى نتائج القرار الكارثي بالانخراط في الحرب ضد العراق في 2003. فمن هناك بدأ التراجع الحالي لبريطانيا العظمى على المسرح الدولي، وهي حالة التراجع والكسوف التي يمكن للخروج من أوروبا أن تكملها، ويضع آخر لبنة من لبناتها، في النهاية.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اياد أبو شقرا يكتب: أزمة اللجوء والنزوح… محاولة للفهم

اياد أبو شقرا تدريجياً سقطت المحظورات. ما عاد «عيباً» الكلام العنصري في ...