الرئيسية / مقالات / القوة العربية المشتركة وآلام الولادة

القوة العربية المشتركة وآلام الولادة

الرابط المختصر:

رغيد الصلح – الحياة اللندنية

تثير المشاريع والاقتراحات التي تتعلق بالتعاون الإقليمي، في أي منطقة من مناطق العالم، نوعين من ردود الفعل يصعب التمييز بينهما. النوع الأول يصدر عن الذين يتعاطفون مع الأهداف التي تستهدفها هذه المشاريع. وتشمل ردود الفعل هذه عادة ملاحظات نقدية ترمي إلى إغلاق بعض الثغرات فيها ولفت الأنظار إلى العثرات التي قد تعترضها في المستقبل، وأخيراً إلى المساعدة على تطويرها. النوع الثاني من ردود الفعل يصدر عن جهات تناهض المرامي التي تستهدفها هذه المقترحات والمشاريع. بعض هذه الجهات يعرب عن معارضته هذه المشاريع بوضوح فيقول إنه يعارضها لأنه يعارض أساساً الأهداف التي تسعى إلى خدمتها، بينما يوحي البعض الآخر أنه يعارض بعض الاقتراحات الفرعية المنبثقة عن هذا المشروع لأنها تتعارض مع أهدافه.

ففي إطار الصراع بين أنصار الاتحاد الأوروبي ومناهضيه، نجد كثيرين ممن يعلنون معارضتهم بعض مشاريع الاتحاد، لأنها سوف تؤدي إلى تقريب فكرة الفيديرالية الأوروبية. لذلك عارض هؤلاء بصراحة اقتراحات توحيد العملة الأوروبية (اليورو) وتشكيل قوة «اليوفور»، أي قوات التدخل الأوروبي السريع. إلى جانب هؤلاء المعارضين للفكرة الأوروبية، نجد كثيرين لا يعلنون معارضتهم إياها صراحة، إنما يعارضونها مداورة، أي من طريق معارضة كل اقتراح ترمي إلى تحقيقه، بحجة أنه «غامض» و «غير واقعي»، ومن ثم فإنه لا يخدم الأهداف المتوخاة من وراء تأسيس المشروع الأوروبي.

هذا النوع من المعارضة يتكرر في المنطقة العربية حيث يواجه كل اقتراح للتعاون بين الدول العربية بأسئلة وملاحظات متقاربة من حيث المضمون، ولكن ليس من حيث الأهداف والحوافز. فعندما أطلق مشروع تأسيس قوات عربية مشتركة لمواجهة المعضلات الأمنية المتفاقمة والعابرة للأقطار في المنطقة العربية، ذكّر كثيرون بالتجارب التي عرفتها المنطقة على هذا الصعيد، ودعوا إلى الاستفادة منها. هذه الدعوة في حد ذاتها عبرت أحياناً عن نظرة متشائمة إلى العمل المشترك، وأحياناً أخرى عن نظرة متفائلة إلى هذا النهج.

أصحاب النظرة الأولى دعوا إلى التوقف أمام بعض التجارب التي كانت موضع جدل واسع في مجال تشكيل القوات العربية المشتركة، وركزوا بصورة خاصة على قوات الردع التي تأسست بهدف إعادة السلام إلى لبنان، فبدأت عربية ثم تحولت إلى قوات سورية وباتت عرضة لانتقادات واسعة بسبب هذا التحول.

أصحاب النظرة الثانية دعوا إلى الإفادة من تجارب أخرى في مجال بناء القوات العربية المشتركة ومنها تجربة قوات الأمن العربي التي شكلتها الجامعة العربية للمساهمة في حماية حدود الكويت خلال صيف عام 1961 من التهديدات العراقية. ويلفت أصحاب هذه النظرة إلى النجاح الذي حققته هذه القوات خلال تلك الفترة، وإلى الدور الذي اضطلعت به، حسب تقديرهم، في إقناع عبد الكريم قاسم، حاكم العراق آنذاك، بصرف نظره عن مشروعه إلحاق الكويت بالعراق، وكذلك في إبطال مبررات استمرار تمركز القوات البريطانية في الإمارة العربية.

في الحالتين، الكويتية واللبنانية، لم يكن تكوين وتفعيل القوات العربية المشتركة أمراً هيناً، وهي تجربة تجر الصعاب على المشاركين فيها في أمكنة عديدة من العالم. وكما كان الأمر صعباً في السابق، فإنه سوف يكون صعباً اليوم في ظل تفكك الدول العربية وبروز عناصر الصراع بين الفئات الإثنية والدينية والمذهبية والجهوية المختلفة التي تزخر بها المجتمعات العربية.

على رغم هذه الصعاب ومن دون المبالغة في التوقعات المتفائلة، يمكن القول إن إنجاز مشروع بروتوكول القوة العربية المشتركة، وعقد اجتماع رؤساء الأركان العرب خلال البرنامج الزمني التحضيري لتأسيس القوات، وإعلان المشروع على الرأي العام عبر الإعلام، بحيث يتاح للمواطنين المهتمين الاطلاع عليه ومناقشته، وتحديد موعد قريب لإنجاز البروتوكول بصورته النهائية تمهيداً لعرضه على القمة العربية، كل ذلك يشكل خطوات تستحق التنويه، ولا تلغي الحاجة إلى مناقشة المبادرة والبروتوكول وإبداء الملاحظات حيالهما.

على هذا الصعيد، من المستحسن أن يتضمن البروتوكول المزيد من التوضيح للنقطتين الرئيسيتين التاليتين:

أولاً: العلاقة بين مؤسسات القوة المقترحة ومؤسسات جامعة الدول العربية. فالبروتوكول يميز بين الدول الأعضاء (الأطراف) وبين غيرها من الدول الأعضاء في القوة العربية. أي أنه ليس هناك تطابق كامل بين القوة المشتركة وبين الجامعة العربية بحيث يمكن القول إن القوة المشتركة تنفذ القرارات الصادرة عن الجامعة. وفي غياب هذا التطابق، قد ينشأ بين مؤسسات الجامعة ومؤسسات القوة المشتركة تباين في تقدير الأوضاع السياسية والعسكرية في دول المنطقة.

إن البروتوكول ينيط بالمجلس الأعلى للقوات «الاضطلاع بجميع الشؤون العسكرية والسياسية المتعلقة بتنفيذ البروتوكول»، ومنها «التدخل السريع لمواجهة التحديات والتهديدات، بما فيها تلك التي تصدر عن التنظيمات الإرهابية». إن الجامعة قد تقرر أن الأولويات الإقليمية تفرض التدخل في اليمن، بينما يقرر مجلس الدفاع الذي يرسم سياسة القوة المشتركة أن الأولوية ينبغي أن تعطى لتهدئة الأوضاع في ليبيا، فكيف يمكن حسم هذا التباين والخروج بسياسة واضحة حول أمن المنطقة ودولها؟

لقد واجهت الأمم المتحدة مثل هذه العقبة في مرحلتها التكوينية وبعد فترة من ولادتها، ففي المرحلة التأسيسية، أي عندما خرجت الدول العظمى من الحرب العالمية الثانية متفقة على هيكل الأمم المتحدة، اتفق الزعماء الكبار على أن يتولى مجلس الأمن أمر السلم العالمي واتخاذ التدابير كافة لصيانته من التهديدات. وعبّر عن هذه الرغبة المشتركة بتشكيل اللجنة العسكرية المشتركة التي كانت تضم رؤساء أركان قوات الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لكي تضطلع بتنفيذ قرارات المجلس بصدد تحريك القوات المسلحة. استمر هذا الترتيب لفترة قريبة لكنه انتهى وتعطلت اللجنة العسكرية بعد بدء الحرب الباردة. وفي المنطقة العربية هناك شتى أنواع الحروب، وكل منها جدير بأن يعطل العمل الجماعي لرؤساء أركان الجيوش العربية، فهل من المستطاع، على رغم هذا المحظور، ضمان استمرار عمل القوة العربية المشتركة؟

ثانياً: تشكيل القوة وإشكالياته. يحدد البروتوكول طريقاً واحداً لتشكيل القوة، وهو أن تساهم كل دولة طرف بعناصر برية وبحرية وجوية، أي أن تساهم كل دولة بالجنود الذين تضمهم القوة. ويحدد البروتوكول أن العناصر التي تتكون منها القوات سوف تتمركز في بلادها ريثما تنشأ حاجة إلى تحريكها خارج أراضي بلادها. وهذا أمر بديهي ونشهده في المناطق كافة التي تشكلت فيها قوات إقليمية. ولكن هذا وجه من وجوه تشكيل القوات المشتركة وتمركز أفرادها بحيث يسأل البعض عما إذا كانت هناك طرق أخرى للمساهمة في تشكيل القوة.

من طرق تشكيل قوات التدخل السريع والقوات المتعددة الهوية فتح الأبواب أمام الأفراد للانضمام إليها. المثال الأبرز لهذا النوع من القوات هو الفرقة الأجنبية التابعة للجيش الفرنسي. فهذه الفرقة تقبل الأفراد الذين ينضمون إليها كمتطوعين. وكانت السياسة المتبعة تجاه هذا النوع من التجنيد هي التغاضي عن ماضي المتطوع، بحيث أصبحت الفرقة ملاذاً لشتى أنواع «الهاربين من وجه العدالة»، كما جاء في صحيفة «الدايلي تلغراف» البريطانية، ولكن هذه الصورة تغيرت الآن، فلم تعد الفرقة بيتاً لهذا النوع من النزلاء والمجندين، وتغير طابعها، خصوصاً بعد أن انتهى دورها في قمع حركات التحرر الوطنية وأصبحت تعمل في أطر حفظ الأمن الداخلي والقاري الأوروبي كما فعلت في البوسنة.

إن السماح للأفراد من الدول العربية بالانضمام إلى القوة العربية المشتركة سوف يساعد على ضمان توازن عددي وديموغرافي داخل هذه القوات، كذلك يساعد على تأكيد طابعها الإقليمي العربي، إلا إذا كانت الأكثرية الكبرى من المجندين تنتمي إلى بلد واحد، هو بلد المقر، على الأرجح، فإنها سوف تفقد طابعها المميز كقوات ذات طابع إقليمي ومعنية بأوضاع الإقليم بصورة عامة. إن إضعاف الطابع الإقليمي والعربي لهذه القوة قد يريح البعض، ولكنه يحد من الأثر الإيجابي لمشروع ينطلق من إدراك أهمية التعاون الإقليمي وجدوى التحالفات في السياسة الدولية.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وجيه قانصو يكتب: تظاهرات إدلب:الرسالة وصلت

وجيه قانصو خرج الناس في إدلب يتظاهرون، شباباً ورجالا وكهولا ونساءاً، يرددون ...