الرئيسية / مقالات / السفح السلطوي للإشكالية الطائفية في سورية

السفح السلطوي للإشكالية الطائفية في سورية

الرابط المختصر:

منير الخطيب – الحياة اللندنية

تتصل إشكاليات الانقسام ما دون الوطني في سورية بالسوسيولوجيا المملوكية – العثمانية التي حكمت التاريخ العربي – الإسلامي زمناً مديداً، وما نجم عنها من أيديولوجيات وبنى رافضة لفكرة الدولة الحديثة. وأيضاً، تتصل، بمقدار أكبر، بالنهاجية السلطوية وما تفرع عنها في الحقبة البعثية.

إذ يمكن القول إن الإشكالية الطائفية الراهنة في سورية، والتي بدأت تأخذ طابعاً متفجراً، وترتبط إلى حد كبير، بممارسات وتوجهات سلطوية طيلة العقود الخمسة الماضية، كانت تهدف إلى هندسة الانقسامات ما دون الوطنية، بما يخدم آليات إخضاع «الشعب» السوري، ليس بوصفه شعباً، بل بوصفه مجموعة من الشقف الطائفية والإثنية المتراصفة. وحدّدت السلطة شكل ومضمون العلاقات التي تربط ما بين هذه الشقف أولاً، وكيفية ارتباطها جميعها بالمركزية السلطوية المطلقة ثانياً. ولقد كان الفعل السلطوي راجحاً في توليد وتفجير الإشكالية الطائفية الحالية، لأن الكيان السوري الحديث الذي تشكل في الحقبتين الكولونيالية والاستقلالية على أساس الفكرة الوطنية، وبالقطيعة النسبية مع التاريخ المملوكي – العثماني لبلاد الشام، كان يشهد في تلك الفترة نمواً في ثنائية مجتمع مدني/ دولة وطنية، وتراجعاً مطّرداً في العلاقات ما دون الوطنية. في حين، اغتصب الانقلاب البعثي السلطة اغتصاباً، وأجهض «جنين الدولة الوطنية»، وأعاد إنتاج العلاقات الطائفية والإثنية في الأطر والمؤسسات «الحديثة»، وذلك بعد أن عقد مصالحة أيديولوجية مع التقليد، وأسقط، كلياً ونهائياً، العلمانية والديموقراطية من فكره وممارسته، وأسس متعمداً، ابتداء من انقلاب 1966، نظاماً يستند إلى شكل من «المحاصصة» القسرية، زاوج فيه ما بين «ثوريته القومية والاشتراكية» شعاراتياً، وعصبويته الطائفية فعلياً، كعصبوية مقررة لنظام متعدد الصفات والوجوه. فرضت هذه «المحاصصة القسرية» انشطاراً في بنية «الدولة التسلطية»، حيث احتكر الضباط العلويون الهيمنة على وسائل العنف المادي (الجيش والأجهزة الأمنية)، فيما تركوا وسائل «الهيمنة الناعمة» (مؤسسات الدين الوضعية، الحزب القائد، المؤسسة الإعلامية، النقابات والاتحادات والجبهة الوطنية التقدمية…) لباقي طوائف «المجتمع» السوري وفئاته.

لم يكن بمقدور هذا النظام المنشطر توليد علاقات ذات طابع وطني، إن كان في حيز السلطة أو في المستويات المجتمعية الأخرى، فبات السوريون أمام بنية سلطوية مولدة للعلاقات الطائفية من الأعلى إلى الأسفل. ولم يكن بمقدور «قوى الهيمنة الناعمة « أو «قوى الهيمنة الرمزية» في النظام التأثير على نواته الصلبة، حيث كانت في موقع التبعية الذليلة والانقياد التام لتلك النواة. كذلك حكمت هذه البنية على النظام بعدمية القابلية للإصلاح في مرحلتي الأب والابن. والبنية ذاتها خيبت آمال المراهنين على تغيير سياسي ينتهي إلى وضع ديموقراطي في المرحلة السلمية للثورة.

لم تقتصر الإشكالية الطائفية المتولدة من هذا التركيب القسري لبنية السلطة، على اختلال موازين القوى اختلالاً ساحقاً لمصلحة هيمنة «قواها العنفية» ذات الطابع الطائفي الصارخ، بل تعدتها إلى توليد بنى وعلاقات طائفية في قيعان «المجتمع» السوري. فالأكثرية السنية التي وُضعت في موقع أقلوي سياسياً، وشعرت بالاستلاب الوجودي إزاء تواطؤ نخب دينية ومدنية سنية بإعطاء شرعية زائفة لنظام متعدد الصفات، لكن الصفة الطائفية هي الحاكمة على صفاته الأخرى، انسحبت كتل وازنة منها إلى الظل لتحتمي بالتقليد وما يفرزه من أيديولوجيات سلفية. إذ بدأت تتشكل على مدى عقود أرضية موضوعية لنمو قوى الإسلام السياسي المتطرفة، بفعل آليات اشتغال الاستبداد ذاته، الذي لم يكن له من هدف سوى الاستمرار في الاحتكار المطلق للسلطة والثروة.

ومما زاد من وتائر الانزياح الصامت إلى الظل لتلك الكتل الأكثروية بهدف الاحتماء بالتقليد وفق أكثر أشكاله انغلاقاً وظلامية، إضافة لنهج السلطة الطائفي في التعامل مع الانقسامات المجتمعية الداخلية، خاصة بعد مجزرة حماة الرهيبة عام 1982، انحياز النظام إقليمياً إلى مشروع التمدد الخميني في المشرق العربي، ودوره في تصفية الطابع الوطني للمقاومة اللبنانية وتحويلها إلى مقاومة مذهبية خالصة، وسقوط العراق تحت النفوذ الإيراني، واللعب الإيراني – السوري المشترك بالتنظيمات القاعدية خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق، والدور المؤكد لمحور المقاومة في اغتيال رفيق الحريري.

فنهاجية السلطة داخلياً وإقليمياً نقلت الإشكالية الطائفية، خلال العقود الماضية، من مستوى التساكن، الذي كان يحمل إمكانية الانفتاح على الاندماج الوطني إلى مستوى التفجّر الحالي، الذي ينذر باحتمالات عدة لمصير الكيان السوري.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيصل عابدون يكتب: ميثاق الهجرة العالمي

فيصل عابدون تشكل مصادقة قمة الأمم المتحدة في مراكش اليوم على الميثاق ...