الرئيسية / مقالات / إرهاب حلال إرهاب حرام

إرهاب حلال إرهاب حرام

الرابط المختصر:

صحيح أن العراق وسوريا ودول المنطقة الأخرى لم تكن جنان الله على أرضه، ولكنها أصبحت خرابة محترقة، من أول أيام النصر الإلهي الذي جاء بالخميني على رأس الوليمة.

إبراهيم الزبيدي – العرب اللندنية

بعض القراء لا ينفع معه حوار، لأنه مصمم على عدم الاستماع إليك، ومصر على عدم تصديق إلا ما يرى أنه الصحيح. ولذلك فهو يمسك دائما بقشرة مقالك ويترك لبابه. فحين تتحدث عن إيران وميليشياتها والبلاوي الزرق التي جلبتها لنا وللمنطقة منذ انتصار الخميني، ولم تكن موجودة من قبل، يرد بعصبية، “لماذا لا تكتب عن حقيقة إرهاب السنة التكفيريين والسلفية وكل من يدعمهم، ابتداء من داعش والقاعدة وحماس والإخوان إلخ، ودور العرب وقطر وتركيا والدول الأخرى؟ من فضلك اعمل إحصائية عن إرهاب الشيعة وإرهاب السنة وقل أيهما أكبر مصدر للإرهاب والقتل، الشيعة أم السنة، ضعهم في الميزان، ولكن دون تحيز أو محاباة”.

وبهذا التعليق يثبت هذا القارئ أنه واقفٌ عند آخر حلقة من المسلسل الدامي الطويل، ولا يريد أن يعود إلى حلقاته السابقة لتكتمل عنده الفكرة وتصح الرؤية ويعدل الحكم.

أي فرق بين إرهاب وإرهاب؟ وهل القتل بالمفخخة يختلف عن القتل بالسكين؟ وهل هناك فرق بين قاتل يصلي ويداه مسبلتان، وآخر يصلي ويداه معقوفتان على صدره؟

الإرهابي، أيها القارئ المعترض، إرهابي مهما كان لونه وجنسه وشعاراته، سواء كان بقبعة أو بربطة عنق أو بعمامة. لا فرق بين سني وشيعي يحمل مفخخة خارج الدولة والقانون. ولا فرق بين شيعي وسني يَسقط ضحية قنبلة أو دبابة أو برميل متفجر يأتيه من السماء. وإذا كان السني إرهابيا وتكفيريا، هل يصبح الإرهابي الشيعي فاعل خير ومجاهدا في سبيل الله ورسوله وأئمته؟

تعالوا لنتعرف على أول من اخترع فكرة الجهاد بالميليشيات واعتمد عليها لتحقيق أهدافه السياسية، بدفَعها إلى انتزاع السلطة في بلدانها، أو تعطيل حياة أهلها وتخريبها، بقوة السلاح، كما حدث ويحدث في لبنان والعراق وسوريا واليمن والبحرين وفلسطين.

فقد دفعت إيران بوكلائها العراقيين في المعارضة العراقية السابقة إلى الحضن الأميركي من أوائل 1991، لتستغل قوة أميركا وتسخن عزمها على غزو العراق، وتستعين بها على النظام الذي أنهكها وأوقفها عند حدها، وعجزت عن النيل منه بعساكرها وميليشياتها المدججة بالمظلومية وحرسها الثوري وأموالها وأسلحتها. وصدام جاء إلى الحكم مع الخميني في نفس العام. ويعرف أيضا وقائع الحرب التي اشتعلت بينهما، ويعرف أيضا كم سحقت وهجَّرت وغَيَّبت من شباب العراق وإيران، وكم مدينة وقرية ومدرسة أحرقها صدام حسين في إيران، أو دمرها الخميني في العراق. ويعرف عدد المفخخات والاغتيالات التي نفذها الوكلاء العراقيون بأوامر إيرانية، داخل العراق أو ضد سفاراته في الخارج، والتي راح ضحيتها الأبرياء ولم تهز شعرة من رأس النظام. وكم من الاعتقالات والإعدامات وحملات التهجير التي نفذتها مخابرات صدام بالمقابل خوفا من تدخلات الخميني. بماذا يصفها المعترض إرهاب أم جهاد؟

ولا ينسى المنتفضون العراقيون أن إيران أفشلت الانتفاضة عام 1991 حين أقدمت على استغلالها، وضخت فيها المئات من مجاهدي حرسها الثوري وشعاراتها وراياتها السوداء والخضراء وصور الإمام، الأمر الذي جعل أميركا والسعودية والدول المتحالفة معها في عاصفة الصحراء تتراجع عن دعم المنتفضين، والموافقة على السماح لصدام بسحقها. أما وصلت جيوش جورج بوش الأب إلى أبواب العاصمة وأوشكت أن تدخل بغداد وتسقط النظام؟ ولكن ألف شكر لله على فشلها. فلو نجحت لكنا عشنا تحت رحمة هادي العامري وقاسم سليماني ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري وموفق الربيعي وعزت الشابندر ومشعان الجبوري ونعيم عبعوب وحنان الفتلاوي من ربع قرن بالتمام والكمال.

ثم سقط النظام في 2003. وقبل سقوطه بسنوات كان الفريق الإيراني العراقي مجهزا، إيرانيا وأميركيا، لتسلم السلطة، وإقامة نظام مناسب لإيران، بالدرجة الأولى، وليس للعراق ولا للعراقيين. ولولا سطوة النظام الإيراني لكانت أقيمت في العراق دولة مؤسسات وقانون ديمقراطية، ولكان إبراهيم الجعفري لم يحلم إلا بوظيفة طبيب في مستوصف، ونوري المالكي بوظيفة معلم أو رادود في حسينية، ولكنهما أصبحا قائدين للعراق اليتيم، وأمسكا بخناق أهله المطاريد وامتلكا جيوشه، وأنفقا ثرواته كلها حتى أفلس، لا من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وإعمار الوطن وإسعاد المواطنين، دون تمييز ولا تهميش، بل من أجل تعميق الضغينة وإيقاظ الأحقاد المذهبية وإدخال الوطن في حروب المفخخات والاغتيال.

ويكفي أن أول ظهور علني لميليشيا مسلحة في العراق، كان لفيلق بدر وحزب الدعوة والتيار الصدري، أوائل مايو 2003. ومن يومها أصبح الانتقام والإقصاء والاعتقال سياسة الدولة الثابتة. وقد أطلق نظام الحكم الإيراني العنان لميليشياته العراقية لاحتلال الشوارع والمؤسسات، واحتكار القرارات والأوامر، وتعيين الوزراء والسفراء والفراشين. هل تُنسى عمليات التهجير الطائفي في بغداد والمدن المحيطة بها في 2005 و2006 وبعض 2007؟

ونسأل، ألم تتوقع إيران ووكلاؤها العراقيون أن تلجأ المكونات المقموعة إلى العنف لمقارعة العنف، وإلى الإرهاب لمواجهة الإرهاب؟ أم أنها أرادت ذلك وسعت إليه؟ وهكذا كان، ومن يومها والمفخخات السنية تلاحق المواطن العراقي في كل مكان.

وقد حولت إيران الدولةَ العراقية إلى حسينية، لا شغل لجيشها وقوى أمنها سوى حراسة القوافل الماشية على الأقدام إلى النجف وكربلاء. أما تكاليف هذه المسيرات وحراساتها وتموينها، فمستقطعة من البطاقة التموينية، ومن الخدمات الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية والأمنية.

ومما لا جدال فيه أن قادة الفريق الإيراني، وعبدالعزيز الحكيم أولهم، هم الفاعلون الحقيقيون الذين فرضوا على حلفائهم الأميركان جريمة إلغاء الجيش العراقي، بحجة الخوف على الديمقراطية الوليدة من ضباطه وجنوده الصداميين. وكان ممكنا إبقاؤه والاستفادة من خبراته في حماية الأمن الوطني والسيادة، بعد تطهيره من غلاة البعثيين الذين يدينهم القضاء المدني والعسكري بجرائم ومخالفات. ولكنهم اخترعوا قانون “اجتثاث البعث” وطبقوه بكل انتقائية، بل جعله بعضُ المكلفين بتنفيذه وسيلة انتقام ممن قاتل إيران في الثمانينات وأداة ابتزاز وتجارة واختلاس.

ويعرف الجميع، عراقيين وأميركيين، أن جماهير الرمادي وتكريت وسامراء والموصل صفقت لسقوط النظام الدكتاتوري الذي ذاقت على يديه ظلما لا يقل عن ظلمه لغيرها، ولم تطلق رصاصة واحدة في هذه المدن على قوات الاحتلال، أملا في أن يرحل الاحتلال سريعا، ثم يبقى الوطن سالما حرا آمنا مزدهرا يعوضهم عن أيام الجوع والخوف والظلم السابقة. ولكن أجواء الانتقام والتهميش والاضطهاد منحت البعثيين، وعصابات الزرقاوي وباقي شلة الإرهابيين، فرصا لاستثمار حالة الإحباط والإحساس بالظلم في الشارع السني. ويمكن القول إنها وحدها التي تتحمل مسؤولية ظهور مئات وألوف من متطرفين طائفيين إرهابيين سنة لا يقلون عن ميليشيات قاسم سليماني عنفا ودموية.

سؤال آخر، حين انطلقت المقاومة السنية لمقاتلة الاحتلال ألم تقم إيران ونظام الأسد بإيواء (مجاهدي تلك المقاومة) من البعثيين الهاربين، والقاعديين، والطائفيين المتطرفين الآخرين، وتمويلهم وتسليحهم، وإعادة إرسالهم إلى العراق لإفشال المشروع الأميركي الذي أعلنه بوش الابن أكثر من مرة، والداعي إلى تحويل العراق واحة تفيض ديمقراطية على دول المنطقة، وهو ما يهدد إيران وسوريا أكثر من غيرهما من دول القمع والفساد؟

ألم يتسبب الفريق الإيراني العراقي في جعل العراق مقصدا لكل من هب ودب من الإرهابيين العرب والأجانب الوافدين عليه من أرجاء الدنيا، بعد أن كان اجتياز أحدهم لحدوده أشبه بالانتحار؟ هل فعلت حكومة بغداد الإيرانية شيئا جادا لضبط الحدود وحماية أرواح العراقيين وأرزاقهم؟ ماذا قدمت لتجفيف الحاضنة التي وجد فيها البعثيون والقاعديون والتكفيريون والسلفيون ملاذا آمنا يمدها بالمال والسلاح والمقاتلين؟

وحين حدثت الاعتصامات، وتأكدت إيران من أن داعش والقاعدة وعصابات عزة الدوري تتوالد داخل مخيماتها، (هكذا زعموا) ماذا فعلت وفعل وكيلها المالكي لتنفيذ المطالب المشروعة للمعتصمين، وسحب البساط من تحت أقدام الذين يتسترون بشعاراتها ويتاجرون بمطالبها العادلة؟ ألم تقم قوات المالكي باقتحام المخيمات بدباباتها، وتقتل وتعتقل المئات من المتظاهرين؟ وهل تُنسى مجازر الحويجة والفلوجة والرمادي وتكريت؟ وألم تطلق الحكومة في العام الماضي المئات من المعتقلين لم تثبت على أحد منهم أي تهمة؟

ألم تفتح الهيمنة الإيرانية على العراق أبواب جهنم على سوريا وشعبها وجيرانها؟ فحين خرجت مسيرات الجماهير في أغلب المدن والقرى السورية مطالبة بالعدل والحرية، سلمية دون سلاح، هل كانت داعش هناك؟ وهل قادت القاعدة تلك المسيرات؟

وحين قابلها الدكتاتور بشار بمدافعه وطائراته، ألم تضع إيران ترسانتها العسكرية وخزائنها المالية لتشجيعه على مواصلة مجازره؟ وعلى امتداد سنتين من مجازر الدكتاتور في سوريا هل كان داعش قد ظهر؟ وهل كانت النصرة تحاصر دمشق؟ ألم يكن ما يحدث في سوريا إرهابا طائفيا يمارسه النظام وحزب الله وعصائب أهل الحق وعصابة أبي فضل العباس والحرس الثوري وقاسم سليماني ضد مدن وقرى سورية مسالمة آمنة؟ ومتى ظهرت الجماعات الإرهابية المسلحة السنية في حمص وحماة وحلب ودرعا والقصير والقلمون ودمشق؟

ألم يسارع كبار الملالي المستشارين المقربين من الولي الفقيه إلى مباركة انقلاب الحوثيين على الدولة واحتلالهم صنعاء، وزحفهم إلى باب المندب، واعتبروا ذلك نصرا إلهيا لدولة الولي الفقيه يضيف إلى امبراطوريتهم عاصمة عربية أخرى محررة من أهلها؟ وشيء آخر، من سنوات وحكومة البحرين تحاول التفاهم مع المعارضة البحرينية الشيعية، وتعد بتنفيذ مطالبها المشروعة، ألم يكن النظام الإيراني المحرك الوحيد لعمليات الحرق والقتل والتمرد؟

من الذي سهل لداعش الانتشار في سوريا، ومن تركه يحتل مدنها وقراها بسهولة؟ وفي العراق من الذي سحب جيوشه من الموصل ليحتلها داعش بـ300 مقاتل ويستولي على أحدث أسلحتها وعتادها؟ ومن الذي هرب من الرمادي وترك لداعش قناطير مقنطرة من السلاح الأميركي والإيراني الحديث؟

وحين قامت ميليشيات الحشد الشعبي بتحرير مدن في ديالى وصلاح الدين من داعش، هل سمحت لهم بالعودة إلى منازلهم، أم بقي الحال على حاله، واستُبدل الاحتلال الداعشي باحتلال الجارة العزيزة إيران؟ وحين هرب الأنباريون، بمئات الألوف من داعش، هل سمحت لهم إيران بدخول عاصمتهم، عاصمة جميع العراقيين؟

صحيح أن العراق وسوريا ودول المنطقة الأخرى لم تكن جنان الله على أرضه، ولكنها أصبحت خرابة محترقة، من أول أيام النصر الإلهي الذي جاء بالخميني على رأس الوليمة.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...