الرئيسية / مدار / دليل الحرب الأهلية للمبتدئين

دليل الحرب الأهلية للمبتدئين

الرابط المختصر:

مدار اليوم – عمر العبدالله

كثيرا ما نسمع عن علم النفس الاجتماعي (Crowd Sociology)، وكثير من الناس يرون في هذا العلم أنه دجل وشعوذة تتحدث عن السيطرة على العقل الباطن للمجتمع ككل وعن تنويمه مغنطيسيا لتسهل عليها عملية التحكم به. لكن بعد ما رأينا ما يجري في الشرق الأوسط عموما وفي سوريا خصوصا، أصبح واضحا أن علم النفس الاجتماعي حقيقة قائمة على تقنيات علمية نفسية مدروسة تؤدي الى سيطرة شخص أو فئة على عقول المجتمع، وهو ما يجعل الناس تتكلم بطريقة غير منطقية وبشكل جمعي، ولا يستثنى من هذا الكلام أحد لا في الموالاة ولا في المعارضة.

هذا الأمر الذي يجعلك ترى شخصا تعرف عنه اللطافة والدماثة قد يبكي إذا رأى قطة صدمتها سيارة في الشارع، تراه يدعو الى ذبح فئة كاملة من المجتمع، سواء كانت هذه الفئة طائفة دينية أو عرقية أو حتى حزب سياسي. أو أن ترى أحد أقربائك أو اصدقائك يعمل على تسليمك الى من قد يصفيك جسديا. حالة من الجنون الجمعي يمكن تسميتها بالاستبداد المجتمعي.

هذه الحالة يصل إليها المجتمع عبر خمس مراحل، يمكن أن يمر بها بشكل عفوي، ويمكن أن تمارس بشكل متعمد من قبل الكثير من الجهات، سواء كانت سلطة قائمة أو تنظيم سياسي أو حتى أفراد، وتنتهي هذه الحالة بحرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر.

المرحلة الأولى: نحن و هم

تبدأ مراحل تشكيل العقل الجمعي للناس بمرحلة التقسيم، أقنع مجموعة من الناس أنهم أرقى وأسمى واذكى من الأخرين ثم شاهد ما سيحصل، ببساطة شديدة المجموعة الأولى ستبدأ باضطهاد المجموعات الأخرى. بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ، قامت مدرسة أمريكية بإجراء تجربة على تلاميذ المرحلة الابتدائية، في محاولة منها أن توصل رسالة للاطفال أنه من السيء أن تحكم على الناس من مظهرهم ولون بشرتهم، فقامت المدرسة بطرح فكرة أن أصحاب العيون الزرقاء أذكى وأسمى من أصحاب العيون البنية، وأن أصحاب العيون البنية لا يحق لهم اللعب أو الكلام مع أصحاب العيون الزرقاء، لم تمض دقائق حتى كانت غرفة الصف منقسمة الى ثلاثة أقسام، قسم لأصحاب العيون الزرقاء وقسم لأصحاب العيون البنية والقسم الثالث لبقية ألوان العيون.

لو عدنا الى المجتمع السوري ما قبل الثورة، سنراه مقسما بذات الطريقة تقريبا، أهل حمص مجانين، أهل دمشق مصلحجين، أهل حلب نصابين، أهل المنطقة الشرقية بدو، ولو دخلت الى المدينة الواحدة ستجد فيها تقسيمات كثيرة، وحتى في الثورة كان ذات الأمر، فهتاف الشعب والجيش أيد واحدة، يعني أن الجيش ليس من الشعب، وهذا يعني أن هناك شعبين يعيشيان على ذات الأرض، شعب يرتدي الزي العسكري وشعب لا يرتدي الزي العسكري، ثم تطور الأمر، ثوار وشبيحة، ثم سنة وعلويين، ثم إسلاميين وعلمانيين، فوصلنا الى مجتمع فيه أكثر من مجتمع، قائم على فكرة نحن وهم، وهي بداية الطريق نحو الحرب الأهلية. الأخطر من تقسيم المجتمع الى فرق، هو تحويل المجتمع الى فرق من الجمهور النفسي.

الجمهور النفسي الذي وصفه غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجيا الجماهير، هو مجموعة من الاشخاص المتشابهين في الظروف الحياتية، تحولهم هذه الظروف الى كائن جديد بصفات مختلفة عن صفاتهم كأفراد، وأبسط مثال على ذلك المتظاهرين أو جمهور مباراة كرة القدم أو عناصر تنظيم مسلح.

أهم صفات الجمهور النفسي هي أنه يفكر بطريقة لا واعية، فلو ناقشت أي من اعضاء هذا الجمهور النفسي منفردا ستجده شخصا عاقلا، لكن لو تطرقت الى جمهوره النفسي وما يؤمن به فستراه يتحدث بكثير من الترهات والسخافات، ومثال تقبيل الحذاء العسكري عند مؤيدي النظام أو مثال اقتناع المعارضين أن النظام يترنح أبسط أمثلة على التفكير اللاواعي. وفي هذه المرحلة يكون من السهولة بمكان التحكم بالعقل اللاواعي للجمهور النفسي من قبل جهة ما.

الصفة الثانية من صفات الجمهور النفسي، هي عدم قدرته على التعلم من تجارب الآخرين، فهذا الكائن يتصرف كالطفل الذي لن يدرك أن النار مؤذية حتى يضع يده فيها، فترى المجتمع ينقاد الى نهايات سوداوية، ومهما حاولت أن تقنعه بخطورة الطريق الذي يسير فيه، فإنه لن يتعلم حتى يجرب بنفسه، وببساطة فإن حمام الدم الذي نسير إليه لن يتوقف حتى يجربه الجميع ويقتنع الجميع بأنه خطأ.

مشاعر الجمهور النفسي تكون مشابهة له، عفوية بسيطة مباشرة، ليس فيها تعقيدات، وهذا ما يبرر قيام جماعة ما بارتكاب مجزرة بحق جماعة أخرى، ولو أنك سألت من شاركوا بارتكاب المجزرة فرادى عن أسباب ارتكاب المجزرة فثق تماما أنهم لا يمتلكون إجابة، ولو سألتهم عن ذلك مجتمعين سيكون لديهم إجابة سريعة ومباشرة عن سبب المجزرة، إضافة الى التناقض المطلق في تصرفات الجمهور النفسي، وهو ما يقول عنه لوبون في سيكولوجيا الجماهير أن الجمهور النفسي يمكن أن يقوم بأنبل الأفعال وأحقر الجرائم في ذات الوقت.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة سبأ الآية 46: “قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد”، وهي دعوة صريحة من الله سبحانه وتعالى الى تجنب الجمهور النفسي، فالايمان لا يتشكل بالعقل الجمعي للمجتمع، إنما يتشكل بشكل فردي، ثم تأتي العبادات لتكون نتيجة جماعية للايمان الفردي.

وبهذا يصبح لدينا أساس متين لاشتعال حرب طاحنة بين فرق الجمهور النفسي المختلفة عن بعضها، والتي ستمر بالمراحل المتبقية للوصول الى الحرب الأهلية.

المرحلة الثانية: طاعة الأوامر:

بما أن الجمهور النفسي هو جمهور بسيط في تفكيره، مباشر في تنفيذ الأوامر، فيسكون من السهل إصدار أية أوامر من أي جهة لهذا الجمهور النفسي لتنفذ مباشرة، مع العلم أن الانسان يتميز بميله العام الى تنفيذ الأوامر، وخصوصا إذا كانت هذه الأوامر صادرة عن سلطة ما، وهو ما أثبته عالم الاجتماع ستانلي ميلغرام في تجاربه على ركاب ميترو واشنطن، توجه ميلغرام الى أحد الركاب طالبا منه أن يترك له مقعده دون أي سبب، تفاجأ ميلغرام بأن خمسين في المائة من الركاب الذين خضعوا للتجربة وافقوا على ترك أماكنهم، أعاد ميلغرام التجربة مع وجود رجل شرطة برفقته، وكانت النتيجة صادمة أن مائة في المائة من عينة التجربة تركوا أماكنهم مباشرة دون حتى أدنى نقاش.

أثبت التاريخ أن أبشع الجرائم جاءت نتيجة لتنفيذ الأوامر، مذابح رواندا، قنبلتي هيروشيما وناكازاغي، حرب البوسنة والهرسك وغيرها كثير، فمن ينفذون الأوامر هم أخطر بكثير من الخارجين على القانون. فيكفيهم أن يتلقوا أمرا من المحرض، ليقوم هذا الجمهور النفسي بتنفيذ الأوامر بدون تردد. وهذا ما يطلق صافرة إنذار كبيرة بأن الجماعات المسلحة خصوصا الجيوش لا تنفع للحكم، فالجيوش ليس فيها عصيان للأوامر، فعقيدة الجيش السوري على سبيل المثال نفذ ثم اعترض، خصوصا أن التردد في تنفيذ الأوامر أو عصيانها ثمنه رصاصة في الرأس. ذات الأمر ينطبق على الجماعات القائمة على بيعة السمع والطاعة، فأعضاء هذه الجماعات غير مسموح لهم بالنقاش أو التفكير، فالأمير هو المسؤول عن هذه الأفعال.

لذلك يحتاج المجتمع الى وضع ضوابط لعمل المجموعات المسلحة كالشرطة والجيش ومنعهم من الوصول الى سدة الحكم، لأن وصول هذه الجماعات يعني قيادة البلاد الى الهاوية.

المرحلة الثالثة: إلحاق الأذى:

لو طلب منك شخص مجهول أن تقوم بإيذاء شخص ما دون أي سبب، ربما ستقوم بذلك وربما لا، لكن لو طلب منك ذات الشخص أن تؤذي شخصا ما من أجل المصلحة العليا للبلاد أو العلم فتأكد أنك ستبدأ بالتفكير بفعل ذلك إن لم تكن قد فعلت أصلا.

ستانلي ميلغرام مرة أخرى، يجري تجارب ذات نتائج صادمة، عرفت هذه التجارب باسم اختبار ميلغرام، اختار ستانلي عينة عشوائية لتجاربه، مدعيا أن التجربة من أجل قياس مدى تأثير العقوبة في عملية التعلم، صرح ميلغرام للمشاركين أنه المسؤول الوحيد عن موت الشخص المجهول (الممثل المشارك في التجربة) في التجربة. تقوم التجربة على وصل شخص مجهول بتيار كهربائي ثم يقوم المشارك بتلقين هذا الشخص المجهول مجموعة من الكلمات ثم يطلب منه تكرارها، ومع كل خطأ كان التيار الكهربائي يسير في جسد الضحية ابتداء من 45 فولت وصولا الى 450 فولت. كان ستانلي يضغط على المشاركين للاستمرار بالتجربة مهما بلغ صراخ الضحية مستخدما كلمة “التجربة تحتاج لك”، ولو قارنا استخدام المستبدين لهذه الطريقة فسنرى أن جميع الطغاة دون استثناء يقول أنه مسؤول عن نتائج ما يحصل، وأن الوطن يحتاج الى ابناءه.

لاحظ ستانلي ميلغرام أن خمسين في المائة من المشاركين وصلوا الى الحد الأقصى للتيار الكهربائي، أعاد ستانلي التجربة مع عينة جديدة، لكنه هذه المرة أخذ يصف الشخص المجهول بصفات ابعدت عن الضحية أي صفة بشرية، لاحظ ستانلي أن التيار الكهربائي تصاعد بشكل سريع للغاية قارب 600 فولت. كان المشاركون يظنون بأنهم يوجهون صعقات كهربائية الشخص المجهول. لكن في واقع الأمر لم تكن هناك أي صعقات كهربائية، بل كان هناك تسجيل صوتي معد مسبقاً بصوت الممثل يصدر فيه صرخات بالتناغم مع صوت الصعقات الكهربائية. بعد عدة زيادات في شدة الصعقة يبدا الممثل بالضرب على الجدار الفاصل بينه وبين المشارك عدة مرات ويشتكي من الوضع الصحي لقلبه.

تحتاج الى تجييش الجمهور النفسي الى إخافة فريق من الجمهور من الفرق الأخرى على اعتبار أنهم وحوش قتلة مجرمين سفاحين آكلي لحوم بشر، وهذا ما حدث ويحدث في كثير من مناطق العالم، في رواندا مثلا نشأت إذاعة RTLMC الخاصة، التي اشترتها الحكومة الرواندية وبدأت من خلالها بإثارة خوف الهوتو من التوتسي عبر الترويج لفكرة أن التوتسي عبارة عن متوحشين سيقومون بتقطيع الهوتو وأكلهم أحياء، وهو ذات الخطاب المستخدم اليوم في مصر من قبل إعلام الانقلاب ضد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وذات الخطاب المستخدم من قبل النظام السوري ضد المعارضة المسلحة ومن المعارضة ضد النظام.

ثم تأتي المرحلة الثانية لتبدأ من خلالها بتحريض هذا الجمهور النفسي ضد الفريق الآخر وبنزع الصفات الانسانية عنه وتشبيبه بالحيوانات، وهذا ما فعلته حكومة رواندا بالتحريض المباشر ضد التوتسي، على اعتبار أنهم جرذان أو صراصير يجب قتلها، وأن الأهم هو قتل الأطفال فلا أحد يقتل جرذا ويتركه صغاره أحياء. وهو ذات الخطاب المستخدم في مصر اليوم بإطلاق اسم الخرفان على أعضاء الإخوان المسلمين وعائلاتهم إضافة الى الدعوة الى إعدامهم (الإعلامي أحمد موسى برفعه شعار عبر برنامج التلفزيوني يقول الشعب يريد إعدام الخرفان)، أو اسم الخنازير في سوريا على الموالين للنظام والمعارضين له في ذات الوقت، والجرذان في ليبيا ضد الثوار أيام القذافي.

بعد انتهاء حرب رواندا، والتي تعتبر أكبر إبادة جماعية حصلت في العصر الحديث، أصدرت المحاكم الرواندية الحكم بالسجن مدى الحياة على مدير الإذاعة والمذيعين فيها على اعتبارهم مسؤولين من الدرجة الاولى عن التحريض على الابادة بحق التوتسي.

وبهذا يكون لدينا مجموعة من فرق الجمهور النفسي المقسمة ضد بعضها، خائفة من بعضها وحاقدة على بعضها، ويكون قطار الحرب الأهلية جاهزا للانطلاق.

المرحلة الرابعة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

في هذه المرحلة لا يمكن لإي جهة مهما بلغت قوتها أن تؤثر في قطار الحرب الأهلية الذي انطلق، ولا يمكن أن توقف الحرب المقبلة. وفي هذه المرحلة لا يمكن لأي أحد أن يتحدث عن الحرية والديموقراطية، والحديث عنها سيكون ضربا من الخيانة، ولا مجال للحديث إلا عن الحرب، وهو ما يمارسه النظام السوري والنظام المصري تحت اسم “الحرب على الارهاب” فنرى عشرات حالات الاعدام في مصر، ومئات القتلى يوميا في سوريا تحت اسم الحرب على الارهاب. وأي حديث عن صوت العقل ستواجه بكلمة سقوط الاقنعة. ثم تسمع أن مؤيدي هذه الانظمة بدأت بالتململ، لكنها ليست متململة من سياسات النظام بل متململة من تساهله مع الآخرين “المجرمين”، فترى مثلا الممثلة السورية رغدا تدعو الى ابادة مناطق المعارضة بالسلاح الكيماوي في سوريا، وترى الاعلام المصري يدعو الى ذبح الخرفان “الاخوان” دون محاكمات.

تستمر حالة التحريض هذه حتى تبدأ المرحلة الخامسة، وهي الابادة.

المرحلة الخامسة: الإبادة

ما بين 14 إلى 20 اغسطس 1971 تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد.

قامت البحرية الأمريكية بتمويل الدراسة لفهم الصراعات في نظام السجن عندها. تم الإعلان عن التجربة في الجرائد للحصول على مشاركين مقابل 15$ كل يوم للمشاركة في (محاكاة لسجن) مدتها أسبوعين. استجاب للإعلان 70 شخص، اختار زيمباردو منهم 24 كانوا الأكثر ملائمة من حيث الاستقرار النفسي والصحة البدنية. غالبيتهم كانوا من البيض، الذكور، ومن الطبقة الوسطى، وهم جميعاً طلاب في المرحلة الجامعية.

قسمت المجموعة عشوائياً إلى اثنتين متساويتين مساجين وحراس. من المثير أن المساجين قالوا فيما بعد أنهم كانوا يظنون أن اختيار السجانين تم بناء على أجسادهم الأكبر. لكن الواقع أنهم فرزوا بالقرعة باستخدام قطعة نقود، ولم تكن هناك أية فروق موضوعية من حيث البنية بين المجموعتين.

السجن أعد في قبو جامعة ستانفورد، وقد وضع زيمباردو مجموعة من القيود على المشاركين أملاً في أن تمنع الهذيان والاختلالات في الشخصية، وانتفاء الهوية الفردية.

تسلم الحراس عصي شرطة، وبزات اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، وتم تزويدهم بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصري مع المساجين (زيمبارو قال بأن هذه الفكرة جاءته من أحد الأفلام). وعلى عكس المساجين تمتع الحراس بدوام على شكل دوريات، يعودون إلى بيوتهم بعد انقضائها، لكن عدداً منهم صاروا يتطوعون أحيانا لساعات إضافية رغم أنها بدون أجر.

كان على المساجين أن يلبسو رداءً فضفاضاً من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، وهو أمر رجح زيمباردو أنه سيجبرهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسمانية غير مألوفة ومزعجة. وقد رمز إلى كل سجين برقم عوضاً عن اسمه، وقد خيطت الأرقام على ملابسهم، وكان عليهم أن يعتمروا قبعات ضيقة من النايلون لتبدوا رؤوسهم كما لو أنها محلوقة تماماً. كما وضعت سلسلة صغيرة عند الكاحل كمنبه دائم على أنهم مسجونون ومضطهدون.

قبل بدء الاختبار بيوم واحد، تم جمع الحراس لحضور جلسة تمهيدية، لكنهم لم يتلقوا أية خطوط أو توجيهات، باستثناء عدم السماح باستخدام العنف الجسدي. قيل لهم بأن إدارة السجن تقع على عاتقهم، وان لهم أن يديروه كما يشاؤون.

قدم زيمباروا الجمل التالية للحراس خلال ملخص:

” يمكنكم أن تولدوا إحساساً بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعاً نسيطر على حياتهم، سوف لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات. سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق. بالنتيجة سيقود كل هذا إلى شعور بفقدان السيطرة من طرفهم. بهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة”

في المقابل قيل للسجناء بأن ينتظروا في بيوتهم حتى يحين الموعد ويتم استدعاؤهم. بدون أي تحذير تم اتهامهم بالسطو المسلح واعتقالهم من قبل قسم شرطة حقيقي، قدم مساعدته في هذه المرحلة فقط من الاختبار.

تم إخضاع السجناء لإجراءات الاعتقال التقليدية بما فيها التسجيل، وأخذ البصمات، والتقاط الصور، كما تليت عليهم حقوقهم تحت الاعتقال. ثم نقلوا إلى السجن المعد للاختبار حيث تم تفتيشهم عراة، و(تنظيفهم من القمل) ومنحهم هويات جديدة.

سرعان ما خرج الاختبار عن السيطرة. فعانى السجناء واحتملوا ممارسات سادية ومهينة على أيدي الحراس، بدت على عدد منهم علامات الاضطراب العاطفي.

فبعد اليوم الأول الذي مر دون ما يستحق الذكر، اشتعل عصيان في اليوم الثاني، وتطوع الحراس للعمل ساعات إضافية للقضاء على التمرد، دون أي إشراف من قبل الطاقم المشرف على الاختبار. بعد ذلك، حاول الحراس أن يفرقوا السجناء ويحرضوهم ضد بعضهم البعض من خلال تقسيمهم إلى زنزانتين واحدة (للجيدين) والآخرى (للسيئين)، ليوهموا السجناء من وراء ذلك إلى أن هناك مخبرين تم زرعهم سراً بين السجناء. لقد نجحت الخطة وآتت الجهود أكلها، فلم يظهر بعد ذلك أي تمرد كبير. وقد ذكر بعض المستشارين بأن هذه الخطة تستخدم بنجاح في السجون الحقيقية في أمريكا.

سرعان ما تحول السجن إلى مكان منفر وغير صحي. وصار الدخول إلى الحمامات امتيازاً، قد يحرم منه السجين، وكثيراً ما حصل ذلك. وقد أجبر بعض السجناء على تنظيف المراحيض بأيديهم المجردة. وتم إخراج الفرش والوسائد من ما سميت زنزانة (السيئين)، وأجبر السجناء على النوم عراة على البلاط. أما الطعام فكثيراً ما حرم السجناء منه كوسيلة للعقاب. لقد فرض العري على السجناء وتعرضوا للتحرش الجنسي والإذلال من قبل السجانين.

زيمباردو قال بأن السجناء استجابوا بأحد ثلاث طرق: إما المقاومة بنشاط، أو الانهيار، أو بالرضوخ والطاعة وهي حالة (السجين النموذجي). كما أن زيمباردو نفسه أخذ بالانغماس والتورط في الاختبار شيئاً فشيئاً. ففي اليوم الرابع، وعلى أثر سريان إشاعة عن خطة فرار يعدها السجناء، حاول الدكتور زيمباردو والحراس أن يحولوا التجربة إلى حقيقة، فأرادوا استخدام بناء غير مستخدم من سجن حقيقي تابع للشرطة المحلية، ونقل السجناء إليه بهدف ضمان (الأمن)، لكن قسم الشرطة رفض طلبهم بهذا الخصوص. ويتذكر زيمباردو لاحقاً أنه كان غاضباً ومستاءً من شح التعاون من قبل الشرطة المحلية وعدم وضع مرافقها في خدمة الاختبار. مع تقدم التجربة، ازداد السلوك السادي عند بعض الحراس ـ وخاصة خلال الليل حيث ظنوا أن الكاميرات كانت مطفأة. قال المشرفون على الاختبار بأن واحد من كل ثلاثة حراس تقريباً أظهر ميولاً سادية حقيقة. معظم الحراس انزعجوا عندما تم إجهاض التجربة قبل الوقت المحدد لها.

وقد أثار زيمباردو فكرة مفادها أن المشاركين تقمصوا أدوارهم تماماً، وبدى ذلك واضحاً عندما عُرض على السجناء أن بإمكانهم تقديم طلبات “لتخفيض” في المدة مقابل إلغاء الأجر المتفق عليه، فوافق غالبية السجناء على هذا العرض وتقدموا بطلبات خفض مدة السجن مقابل التنازل عن مستحقاتهم كاملة. وعندما رفضت طلبات تخفيض المدد، لم يقرر أي منهم الانسحاب من الاختبار. وهو ما أثار الاستغراب، فالانسحاب لم يكن ليكلفهم أكثر مما قبلوا بالتنازل عنه سلفاً وهو الأجر الذي سيتقاضونه. بدأت اضطرابات عاطفية حادة بالظهور على سلوك السجناء. أحدهم أصابته ارتجافات في جسمه عندما علم بأن طلب تخفيض المدة الذي تقدم به قد تم رفضه (وكان الدكتور زيمباردو قد رفض الطلب بعدما ظن أن هذا السجين يتظاهر بالمرض ليتمكن من الخروج من السجن). شاعت بين السجناء مظاهر البكاء والاضطراب في التفيكر. عانى اثنان من السجناء من صدمة شديدة في مراحل مبكرة من الاختبار بحيث لزم إعفاؤهما من الاستمرار واستبدالهما.

أحد السجينين البديلين، السجين رقم 416، أصيب بالرعب بسبب معاملة السجانين وأعلن إضراباً عن الطعام للاحتجاج. وقد أجبر على البقاء في الحجز الانفرادي داخل خزانة صغيرة لمدة ثلاث ساعات. وقد فرض عليه السجانون أن يحمل خلال احتجازه النقانق التي امتنع عن أكلها. بعض السجناء الآخرين اعتبروا أنه يفتعل المشاكل. وقد استغل الحراس هذا الأمر فخيروا السجناء ما بين أمرين: إما أن تؤخذ منهم الأغطية، أو أن يحتجز السجين 416 في الحجز الانفرادي طوال الليل. السجناء فضلوا الاحتفاظ بالأغطية. وفيما بعد تدخل زيمباردو وأعاد 416 إلى زنزانته.

أخيراً قرر زيمباردو إجهاض الاختبار قبل الموعد. قبل بدء الاختبار حضرت الباحثة كريستينا ماسلاتش المقابلات الأولى مع المشاركين، ولم تكن على علم سابق بالاختبار، إلا أنها أبدت صدمة كبيرة من الوضع السيء للسجن. هي حالياً زوجة زيمباردو، وكانت خطيبته آنذاك و كانت باحثة حديثة التخرج انذاك . وقد نبه زيمباردو إلى أنها كانت الوحيدة (من بين 50 شخصاً لاعلاقة لهم بالاختبار شاهدوا السجن) التي ناقشت أخلاقية إجراء مثل هذا الاختبار. بعد انقضاء 6 أيام فقط تم إيقاف الاختبار الذي كان من المفترض أن يستمر لأسبوعين.

يقول زيمباردو أن أشخاص عاديين طبيعيين بسيطيين يمكن أن يتحولوا الى سفاحيين في أقصر مدة ممكنة، ستة أيام كانت كافية لتحول مجموعة من الطلبة الى ساديين.

كل الشعوب التي مرت بحروب أهلية، عاشت ذات المراحل، في المراحل السابقة يبقى الجميع يراهن على عدة عوامل منها قدرة جمهوره على قمع الآخرين، حكمة وصبر القيادة وغيرها من العوامل، لكن مع وصول الأوامر بالإبادة يتخفي كل هذا، ويفاجأ الجميع بأن الجميع يحمل سلاحا يريد قتل الجميع. شهود عيان كثر من كوسوفو والبوسنة والهرسك، تحدثوا عما عاشوه عندما تم اعتقالهم من قبل جيرانهم الصرب، الصرب الذي كانت تبدوا عليهم علامات الخجل والخوف، تحولوا الى وحوش متعطشة لدماء جيرانهم البوسنيين والالبان مع وصول أوامر الاعدامات. في العراق المصاهرة والقرابة بين الشيعة والسنة كانت من الدرجة الأولى، مع اشتعال الحرب فيها، فجأة تحولوا الى أعداء دمويين.

في سوريا ما زلنا بين المرحلتين الثالثة والرابعة، ونقترب كل يوم من المرحلة الخامسة، وعند الوصول الى المرحلة الخامسة، لن يكون الأمر بين نظام ومعارضة، بل سيكون بين السنة والعلويين على المستوى الطائفي، وبين أبناء المناطق الواحدة، دمشق وريفها، العرب والأكراد. وثق تماما أن هذه الحرب لن تتوقف حتى تروي جميع فرق الجمهور النفسي عطشها للدماء. وحتى نتمكن من إيقاف قطار الحرب الأهلية لابد أن نتوقف عن اعتبار خصومنا أنهم مجرمين قتلة، بل هم بشر طبيعيون ينتمون الى جمهور نفسي مختلف، وبدل من أن نكيل لهم الاتهامات يوميا بالدموية والوحشية، فلنحاول التواصل معهم لعلنا نخرجهم من جمهورهم النفسي.

قد يسأل سائل وهل هذه الدعوات ستجدي نفعا، والجواب أن مؤمن آل فرعون لم يردع فرعون ولم ينقذ موسى، ولكنه ذكر في القرآن.

“مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”

الأعراف 146

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأمم المتحدة تطلق خطة بقيمة 5.5 مليار دولار لدعم اللاجئين السوريين

وكالات – مدار اليوم أطلقت الأمم المتحدة خطة للاستجابة لأزمة اللاجئين السوريين ...