الرئيسية / مقالات / سوريا: الحل السلمي والسياسي

سوريا: الحل السلمي والسياسي

الرابط المختصر:

د. طيب تيزيني – الاتحاد الإماراتية

لقيتُ دعوة من وزارة خارجية كازاخستان لتقديم مداخلة أولية حول الوضعية المأساوية والخطيرة في سوريا، فكان ذلك، حيث أنجزت هذه الدعوة في الأسبوع المنصرم وفي مدينة أستانا عاصمة الجمهورية الكازاخية، كان تجمعاً من الباحثين والمثقفين العرب والكازاخيين المهتمين بالشأن السوري. وقد خرجت من ذلك بنتيجة تتمثل بجدوى ذلك اللقاء، لما أحدثه من حوار عميق وشفاف، ومن رغبة في تنظيم مثل هذا اللقاء في بلدان عربية، وأخرى في بلدان أوروبية وغيرها.

كان المنطلق المنهجي لتلك المداخلة قد حددته بضرورة الفصل النسبي بين مسألتي الحل السلمي والحل السياسي في المسألة السورية، وفي التمييز المنهجي والعملي بينهما، وقد انطلقت في ذلك من الإشارة إلى ضرورة التصدي لذلك، بعد أن لوحظ أن هنالك خطأ في معالجته من قبل مرجعيات سورية وعربية ودولية، فكل أو جلُّ المعالجات والمداخلات في المسألة انطلقت من الخلط بين الحلين السلمي والسياسي بصيغة النظر إليهما بمثابتهما حلاً واحداً هو الحل السياسي، مما أحدث اضطراباً في المسألة، إضافة إلى إنتاج صعوبات منهجية وعملية في تمثلهما وتقديمهما للناس، وخصوصاً المقاتلين منهم.

وقد انطلقتا من أن هنالك مصطلحين اثنين ومرحلتين اثنتين تحكمان الإجابة عن الإشكالية السورية الراهنة المعقدة: إنهما مصطلحا الحل السلمي والحل السياسي، وإنهما كذلك درجتان اثنتان من سيرورة هذه الإشكالية، فمصطلح الحل السلمي إنما هو ضبط للمرحلة الأولى من الحل المقدم ها هنا، وفي هذه الحال يتم الحديث عن ثلاث خطوات متتالية متعاقبة، بقدر ما هي تعبير عن التأسيس للنوايا الحسنة من قبل الفريقين أو الفرقاء المتنازعين لجعل الحل قابلاً للتطبيق.

أما الخطوات الثلاث فهي سحب السلاح وحظره وتحري دماء السوريين أولاً، وإخراج السجناء السوريين من سجونهم بعد أن حشروا فيها لأسباب تتصل بمجريات الحدث السوري الهائل، ثانياً، والبدء بإجراءات إعادة النازحين والمهجرين من السوريين إلى بلدهم ومدنهم وقراهم، ثالثاً.

وفي سياق ذلك وبعده خصوصاً، يبرز الحل السياسي، فهذا الأمر يبدأ بالدعوة إلى عقد «مؤتمر وطني» تشترك فيه كل الأطراف والأطياف السورية عبر لجان مصغرة مناسبة تتألف من هؤلاء جميعاً. ثم إن مبدأ التعددية التشاركية لابد أن يكون، والحال كذلك، مبدأ ناظماً لكل نشاط يتصل بهذا المحور السياسي، وكذلك للمحور الآخر، السلمي.

ها هنا تبرز مهمات حاسمة في التأسيس لمجتمع مدني عصري ولنظام سياسي جمهوري رئاسي أو برلماني، مع الإشارة إلى أن هذا الأخير (البرلماني) هو الأكثر تعبيراً عن ذلك النظام، أما البدء ببناء الدولة فيه فيمثل إطاراً أكثر رقياً وأكثر قدرة على إنجاز المجتمع الجديد.

مبدأ التداول السلمي للسلطة يمثل تعبيراً مباشراً وعميقاً عن ضرورة الحراك السياسي المفتوح في المجتمع، ويبقى القول بأن فصل السلطات ودمقرطة المجتمع، مع خط ناظم لتحديثه، يمثل ركائزه الكبرى، إنما مع تركيز على التحفظ على «الإسلام السياسي» وعلى مبدأ «دين الرئيس» بقدر ما يكون الدين بكل صيغه موضع احترام وإقرار بحرية التدين للجميع (والإسلام والمسيحية مثلاً لا يتناقضان مع ذلك). لقد جرب الشعب السوري تجربة مهمة عام 1958 حين سُحب منه حق التأسيس للأحزاب السياسية، وللمجتمع السياسي عموماً، مما أدى إلى نشأة نظام شمولي التهم حركة هذا المجتمع، حيث أدخله فيما هو داخل فيه الآن وفرض عليه الدخول في حرب طاحنة.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المثنى حمزة حجي يكتب: هل من مصلحتنا إسقاط النظام الإيراني؟

المثنى حمزة حجي من الأقوال الشهيرة لهنري كسينجر «العبث الاستراتيجي ستدفع الدولة ...