الرئيسية / آخر الأخبار / أوروبا حلم السوريين للتخلص من الحرب

أوروبا حلم السوريين للتخلص من الحرب

الرابط المختصر:

اسطنبول – مدار اليوم

ارتفعت أعداد اللاجئين السوريين في دول الجوار إلى حد الإنذار بكارثة إنسانية لم يشهد العالم لها مثيل، وحمل هؤلاء اللاجئون معهم مشكلات عديدة أبرزها تأمين أماكن للسكن، وفرص العمل، بالإضافة إلى الحاجة الملحة للأوراق الثبوتية التي حرمهم منها نظام الأسد، خاصة وأن الفترة الطويلة لهذا اللجوء دفعت العديد من الشبان للزواج، وإنجاب أطفال مازال أغلبهم بحكم المكتومين.

في ظل هذه الظروف الصعبة واشتداد أزير الحرب لم يجد السوريون طريقة لحل جملة المشاكل هذه إلا عبر رحلات الموت، أو التقديم لمفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة، من أجل السفر إلى أوربا، بلاد الحلم للهاربين من الحرب.

لم يكن السوريون أول الشعوب التي شدت رحالها إلى أوروبا، تلك البلاد التي حرمت القتل واحترمت الإنسان، وأمنت له شروط الحياة الكريمة، وعملت على تعليمه وتطوير مهاراته ليصبح فاعلاً في مجتمع قد يصبح جزءً منه بعد سنوات.

كل هذه الأسباب دفعت أحمد ليترك عائلته في تركيا ويركب البحر متجهاً إلى بلجيكا، رحلة صعبة وأيام طويلة مرت على هذه العائلة قبل أن يتحقق الحلم، تعلم أطفاله خلالها أسماء الدول الأوربية التي مر بها، وحفظوا شروط إتفاق دوبلن، وأصبحوا يفرقون بين البصمة الجنائية والبصمة الإلكترونية، من خلال الرسائل الصوتية التي كان يرسلها لهم.

لم يخطئ أحمد، هذا كان شعوره لحظة وصل إلى الشرطة البلجيكية، وسلم نفسه، تعاملهم الإنساني وتقديرهم له كان يستحق العناء، هكذا قال لزوجته.

وتؤكد هند اللاجئة السورية في ألمانيا أن تجربة اللجوء تختلف من شخص لأخر، بالنسبة للعائلات فهي النجاة من الموت والخطر الذي دفع بهم للهروب من بيوتهم ووطنهم, وهو نهاية مأساة التشرد في المخيمات وظروف المعيشة اللا إنسانية، والبدء بحياة طبيعية لأطفالهم الذين حرموا من التعليم ومن أبسط حقوق الطفل في العيش الآمن.

“اللجوء هو حياة مستقرة وتمتع بطفولة في بيئة سليمة  تحقق حاجاته التي فقدها السوري في وطنه، وبالتالي هي تحقيق شعور مرضي للآباء والأمهات بأنهم قدموا لأطفالهم نجاتهم وحقوقهم”، حسب وصف هند.

أما بالنسبة للشباب فترى هند “أنه عودة لمواصلة تعليمهم ونجاة من الموت أو الاعتقال، وخلاص من ظروف مادية سيئة، وظروف نفسية قاسية”، وتشير إلى أن “اللجوء مع العائلة يخفف وطأ المعاناة من الجو الجديد، والبيئة والمجتمع والثقافة المختلفة، ويخفف تاثير الغربة النفسي”.

لكن نسيرين اللاجئة في السويد والتي أمضت أكثر من ستة شهور تنتظر الحصول على الإقامة، من أجل إرسال طلب “لم الشمل” لأبنائها، تسأل نفسها لماذا هي هنا، وهل كان قرار اللجوء صحيح، خاصة مع الصعوبات التي تواجهها في التفاهم مع الآخرين بسبب حاجز اللغة، والذي لن يتم كسره حتى تحصل على الإقامة وتبدأ بدروس اللغة.

ويرى خالد أن اللغة هي أهم حواجز الإندماج في المجتمع، بالإضافة إلى عدم معرفة السوريين بالتعامل مع الدوائرة الحكومية، ومعرفة الأوراق المطلوبة، غير أن تأمين السكن في الكثير من بلدان اللجوء كارثة حقيقية، وخاصة وأن بعض الأوربيين يرفضون تأجير بيوتهم للاجئين، بالإضافة إلى شروط الكفالة ومبلغ التأمين والذي يستحيل تأمينة في أغلب الأحيان.

 هذه الصعوبات تزداد إذا ما عرفنا أن اللاجئ مضطر لتأمين السكن في وقت محدد، بالإضافة إلى أنهم لا يوافقون على طلبات لم الشمل إلا في حال تأمين المسكن.

ويستثنى من هذه المعاناة اللاجئون النظاميون، الذين سافروا عبر مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة، حيث يصلون إلى بلد اللجوء بعد أن يتم تأمين البيت، ويلتحقون بدورات اللغة فوراً بالإضافة إلى وجود مترجم مرافق معهم عند استكمال أوراقهم الثبوتية.

غير أن هؤلاء أيضاً لهم مشاكل مثل البقية، أهمها نمط الحياة المختلف. اليوم في أوربا يبدأ في الساعة السابعة صباحاً وينتهي في السابعة مساءاً، على خلاف الحياة في سوريا حيث تستمر 24 ساعة.

تقول نسرين محلات كثيرة في سوريا لم يكن لها أبواب تغلق، فهي مفتوحة طوال الوقت، كما أن الحياة الاجتماعية أمر مختلف هنا، لا يوجد أصدقاء ولا جيران، الجميع مشغولون بعملهم، خاصة وأن أوقات العمل الطويلة يرافقها وقت التنقل من وإلى العمل، المسافات شاسعة  لا تشبه مدننا الصغيرة، وحاراتنا الضيقة.

ويقول أحمد إن أحد عوامل عدم الاندماج في المجتمع، هو أن السوريين الذين يعيشون هنا يعانون من مشاكل مادية حقيقية، تمنعهم من الخروج من المنزل والتنقل والتواصل مع الأخرين، مشيراً إلى أن ما يتم تقديمه للاجئين هو ما يكفي لدفع إيجار المنزل وثمن الطعام فقط، لافتاً إلى أن معاناة الشباب المدخنين تزداد في أوربا، حيث أن الراتب الشهري لن يكفي لثمن السجائر أيضاً.

إذاً، نمط الحياة المختلف واللغة الجديدة، عوامل مهمة في الاندماج بالمجتمع الجديد، الأمر الذي يتضاعف إذا تمت مقارنته بعدد الحالات التي اندمجت فعلاً في مجتمعات مقاربة لها ضمن سوريا في وقت سابق، وإذا عدنا في ذاكرتنا بضع سنوات إلى الوراء، ورأينا كيف كان يعيش سكان الريف في المدن السورية، وكيف كان يتعامل ابن حلب والساحل بطريقة مختلفة عن ابن السويداء أو درعا أو دمشق، نعرف مدى معاناة هؤلاء اللاجئين بالتكيف مع حياتهم الجديدة.

ربما يجد الأطفال صعوبات أقل في الحياة الجديدة نظراً لسرعة تعلمهم اللغة، بالإضافة إلى اهتمام المجتمع بهم، كما أن عدم تشربهم بالثقافة القديمة يسهل تعاونهم مع المجتمع الجديد.

من جهة أخرى، الشوق إلى البيت والحنين إلى الألعاب والأصدقاء والجيران، يدفع معتز ذو التسعة أعوام، للاستمرار بطلب العودة إلى حمص، أسباب يبررها والده بأن العائلة مازلت تعيش في حمص على الرغم من ابتعادها آلاف الكيلو مترات عنها، التواصل المستمر عبر الانترنت مع الأهل والأصدقاء هناك، يبعدهم إلى حد كبير عن المجتمع المحيط بهم، ويشكل حاجزاً كبيراً بينهم، خاصة في ظل الشعور بالذنب بأنهم يعيشون بأمان بينما يتعرض أهلهم للموت في أي لحظة.

 تشعر هند بأن قرار اللجوء أسوأ قرار اتخذته في حياتها، بعد قرار الهروب من سوريا خشية الملاحقة والاعتقال، على خلفية طردها من العمل و”احتلال” بيتها، والتنقل بين عدة بلدان أحدها لبنان، حيث كان الوضع مأساويا من الناحية الأمنية والمادية والنفسيه.

وتبرر هند شعورها بأنها على خلاف وضع العلائلات التي تعمل لتأمين مستقبل أبنائها، والشباب الذي في بداية حياته، أنها وصلت إلى عمر كان من المفترض أن تجني نتاج عملها، وتستقر بين أبنائها، حيث أنه لم يعد بوسعها بدء حياة جديدة.

قد نرى أن ما يتعرض له السوريين في أوروبا، جزء بسيط من معاناة السوري حيثما حل، ربما تقل أهميتها إذا ما عرفنا أن مجموع الأعداد التي وصلت إلى أوروبا، لا تزيد عن 300 ألف لاجئ، وهي نسبة أقل من 2% من أعداد اللاجئين السوريين داخل سوريا وخارجها.

 ولاشك أنه على منظمات المجتمع المدني الاهتمام بأوضاعهم وتحسين شروط حياتهم، ليحققوا أكبر قدر ممكن من التعليم، فهؤلاء أمل حقيقي لمستقبل سوريا، إن كان من خلال عودة بعضهم بعد انتهاء الحرب لإعادة إعمار سوريا، أو من خلال تشكيل جاليات سورية فاعلة في هذه البلدان.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...