حديث حشاش

الرابط المختصر:

مدار اليوم ــ حسين العودات

سمعت من إحدى الإذاعات السورية مقابلة دامت ساعة كاملة مع من سمته المذيعة محللاً سياسياً، وكانت تطلق عليه في مطلع كل سؤال لقب دكتور مما يعني أنه يحمل ، على الأرجح ، دكتوراه في العلوم السياسية، وتوقعت أن أسمع من خلال مقابلته رأي السلطة السورية بآخر الأحداث، وبالمبادرة الإيرانية ، وبالمساعي الروسية واللقاءات السياسية الدولية المتعلقة بالأزمة السورية، ولكني فوجئت بالحديث الذي أدلى به الرجل فأتى بعيداً عن الواقع ، غير مترابط ، خيالي ومبالغ فيه إلى درجة مضحكة، فقد رأى مثلاً أنه لولا صمود السلطة السورية بوجه الإرهابيين لما تم الاتفاق النووي الإيراني الأوروبي الأمريكي دون أن يفسر لماذا أو كيف، وأصر أن موقع السلطة السورية وقدرتها هي التي ألزمت الولايات المتحدة وغيرها على الوصول إلى اتفاق مع إيران. كما تحدث (المحلل) عن الدور الروسي ورأى أنه رغم أن لروسيا مصالح في سورية ولكن دورها ومساعيها لحل الأزمة تقع خارج هذه المصالح (أي حسن أخلاق وحب عذري)، أما الصداقة السورية الإيرانية فهي بمثابة أخوة لأن إيران شقيقة وليست صديقة فقط، ثم نفى زيارة علي المملوك إلى السعودية وأنكر حدوثها أصلاً، مع أن السياسة الروسية ، حيث كانت الزيارة  من اقتراح الرئيس بوتين ، أكدت هذه الزيارة كما أكدتها السعودية، وقالت أن وفداً روسياً مستقلاً حضر إلى جدة وسمع ما دار فيها، وكانت وسائل الإعلام والصحافة كتبت أن تسريب الخبر تم من قبل السلطة السورية وأنه نشر أولاً في الصحف العربية الصديقة أو التابعة لها، وفي هذه الحالة لا ينفع الإنكار الذي تحدث عنه صاحبنا.

هاجم (الدكتور المحلل) السياسة السعودية والخليجية وأدانها عدة مرات دون أن ينطلق أيضاً من ذكر أسباب مقنعة للهجوم أو حتى من ذكر أي أسباب سوى جمل مفككة لا تضم سوى الشتائم ، وأكد فشلها في اليمن وعدوانها عليه دون أن يتعرض لموقف الآخرين أو إلى أخطائهم، فكان ينتصر كلياً لطرف واحد دون الآخر، وفي تعرضه للسياسة الأوروبية أشار إلى عدوانيتها من جهة وإلى فشلها من جهة أخرى.

هاجم (المحلل الدكتور) المعارضة السورية واتهمها بالعمالة وتهددها، وعدد الجهات التي توظّف هذه المعارضة عميلة لها ، ونوه إلى استحالة التفاوض مع المعارضة لأنها لا تمثل أحداً، وأكد أن الشعب السوري يدعم السلطة وصمد ويصمد معها مما يدفعها للصمود، وأفاض في تمجيد قدرات الجيش السوري وانتصاراته وقال إن الوطنيين الشرفاء في سورية يعولون عليه، ولم يتعرض لانكسارات هذا الجيش وتراجعاته ولا حتى للصعوبات التي يواجهها في مختلف أنحاء سورية وهزائمه الفاضحة كما تعرض رأس السلطة قبل أيام لذلك، وتجاهل أن المنظمات الإرهابية من جهة، والمعارضة المسلحة من جهة أخرى تسيطر على أكثر من نصف سورية، بل أن السلطة لا تحكم إلا العاصمة وأجزاء من بعض المدن والطرقات الواصلة بينها، أما بقية سورية فهي مقسمة بين تلك المنظمات الإرهابية والمنظمات المعارضة المسلحة. وبديهي أنه هاجم تركيا ومشاريعها القاضية بإقامة مناطق أمنة ولكن دون أن يشرح لنا مخاطر هذه السياسة التركية ونتائجها السلبية المتوقعة، وقبل ذلك  الأسباب التركية الداخلية التي أدت بحكومة أردوغان أن تقيم مثل هذه المناطق، وخاصة الموقف من حزب العمال الكردستاني وإقامة كيان كردي في سورية، كما لم يتحدث عن هدف إعادة اللاجئين السوريين إلى هذه المناطق الآمنة والخلاص من المصاعب الناجمة عن وجودهم في تركيا، هذا إضافة إلى مشاركة تركيا في محاربة داعش ورشوة أوروبة وأمريكا بهذه المشاركة.

أمضى صاحبنا ساعة كاملة في حديث مستفيض وبلغة جهورية فصحى وكأنه خطيب في مسجد، دون أن يلتزم بأي شرط من شروط التحليل السياسي مهما كان متواضعاً، ودون أن يبدأ بمقدمات ويصل إلى نتائج، واكتفى بالاستعراض الكلامي والمبالغات والنقد غير المبني على أسس ، كما اكتفى بالشتائم وخاصة للولايات المتحدة والسعودية وتركيا والمعارضة، وهكذا لم يخرج المستمع للمقابلة مع هذا الرجل بأي معلومة مفيدة أو استنتاج قريب من الواقع أو طرح مقدمات تصلح للاستنتاج، وكان   يتنقل بسرعة وخفة من موضوع إلى آخر دون أي منهجية أو تصنيف فاختلط الحابل بالنابل في حديثه الذي كان كحديث حشاش (سقى الله أيام مجلة المضحك المتكي ورحم الله حبيب كحاله) ونموذجاً عن مقابلات الإعلام السوري.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...