الرئيسية / آخر الأخبار / مطالب الثورة السورية المنسية

مطالب الثورة السورية المنسية

الرابط المختصر:

مدار اليوم – حسين العودات

تحولت المأساة السورية، خلال خمس سنوات، من انتفاضة شعبية لها مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية محددة على رأسها إقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي في سوريا، والاستغناء عن الدولة الأمنية، واحترام حرية المواطن وكرامته، وتحقيق تكافؤ الفرص والمساواة والمشاركة، تحولت هذه المأساة إلى قضية إرهاب وقضية لاجئين وهما قضيتان من نتائج الثورة ولا دخل لأي منهما بأسبابها، وقد نجحت السلطة السورية، في تحقيق شعارها الرئيس الذي طرحته في مطلع الانتفاضة، وهو أن هذه هي عمل تآمري من صنع جهات خارجية يقوم به إرهابيون مندسون، وفي الخلاصة نسي الناس أو تناسوا الأهداف الأساسية التي قامت الانتفاضة لتحقيقها، ولم يعودوا يرون في الأزمة السورية سوى قصة إرهابيين وقضية مهجرين إلى أوروبة، والملاحظ أن الأمرين يهمان الدول الأوروبية والولايات المتحدة  وهما من هواجسهما المقلقة، أي أن الغرب لايرى في الأزمة السورية إلا ما يهدد مصالحه، أما تدمير سورية الذي حصل ويحصل، وتشريد شعبها وتجويعه، وانفجار العنف في كل مكان فيها، واستباحة أراضيها من قبل من هب ودب، ومسارعة الدول والمنظمات غير السورية لوضع يدها على هذه المنطقة أو تلك، وشلال الدم الذي يسيل، وتعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها في سوريا، وعودتها مئات السنين إلى الوراء ، فهذا كله لايراه الغرب لأنه لا يمس مصالحه مساً مباشراً.

إن التناقض واضح بين وجهات النظر الغربية في سبيل حل الأزمة السورية وعقد التسوية، وبين وجهة نظر الشعب السوري، وذلك لأن كلاً من الطرفين يرى الأزمة من نافذة مصالحه وتأثيرها عليها، وباعتبار الدول الغربية هي ذات نفوذ أكبر في العالم قياساً إلى نفوذ الشعب السوري، فإن الذي طغى على السطح هو قضايا الإرهاب واللجوء إلى الغرب. ولهذا السبب لاحظنا وما زلنا نلاحظ  تردداً في المواقف الأوروبية والأمريكية وتناقضاً في الأهداف وتشوشاً في الوسائل، لأن الأمر متحرك بنظر هذه الدول الغربية كتحرك أهدافها وتطورها، ويبدو أنه لاثوابت لدى الغرب حيال الأزمة السورية، وعلى ذلك كانت قرارات الدول الغربية رخوة سواءً في مجلس الأمن أم في الحراك الدولي تجاه الأعمال العنفية التي تمارسها السلطة السورية، فتارة نسمع تصريحات أوروبية أو أمريكية نارية أقلها أن لاحل في سورية بوجود الرئيس الأسد وأنه جزء من الأزمة لاجزءاً من الحل، وطوراً نسمع تصريحات لمسؤولي هذه البلدان متساهلة مع النظام السوري وتحاول الالتفاف على التصريحات الأولى، وقد ظهر ذلك جلياً عند أزمة القصف بالأسلحة الكيماوية حيث وجهت الولايات المتحدة وفرنسا جيوشها إلى سورية لضرب النظام وإسقاطه، وتحفزت دول غربية أخرى للمشاركة، وفي اللحظات الأخيرة تراجعت الولايات المتحدة مقابل صفقة هي تدمير السلاح الكيماوي السوري وإراحة إسرائيل من هاجس وجوده، ولم نعد نسمع لفترة ما شعارات إسقاط رموز النظام أو تغييره أو حتى إصلاحه وكأن الأمر متعلق فقط بإزالة الأسلحة الكيماوية.

بعد نمو المنظمات الإرهابية وازدياد عددها وعتادها واستطاعتها السيطرة على بعض الأراضي السورية والعراقية أيضاً، وقيام بعض فصائلها في البلدان العربية وفي أوروبا بعمليات إرهابية، صرفت الدول الغربية نظرها عن التغيير البنيوي للنظام السوري وإسقاط رموز النظام ووضعت بدل هذه الأهداف محاربة الإرهاب الذي أصبح هاجساً لها ولشعوبها، وقد استفادت الدول الغربية وبعض الدول العربية أيضاً من همجية المنظمات الإرهابية وممارساتها الوحشية وتمددها في أمكنة جديدة، جعلتها خيمة لتبرير هذه الأنظمة وممارساتها تجاه شعوبها، في إقرار قوانين وتنظيمات وتعليمات مخالفة للدستور ولمعايير الدولة الحديثة  تخدم السلطات الأوروبية القائمة بالدرجة الأولى، وهكذا استفادت هذه الدول من المنظمات الإرهابية لإصدار قوانين الأحكام العرفية أو قوانين استثنائية مشابهة حسب البلدان، ودائماً بحجة محاربة الإرهاب، حتى وكأن هذه الدول تتمنى استمرار الإرهاب ليتاح لها خرق القانون والدستور، وفي الوقت نفسه  ضخمت خطر الإرهاب وجعلته سيفاً مسلطاً على شعوبها، وما إن تراخى خطر الإرهاب بنظر هذه الشعوب حتى برزت مشكلة لجوء السوريين إلى بلدان أوروبا، ورغم أنها مشكلة لا ينبغي التقليل من أهميتها وخطورتها وسلبياتها، إلا أنها من جانب آخر قد تفيد الاقتصاد الأوروبي من خلال الأيدي العاملة اللاجئة والتكنوقراط والخبراء والفنيين والأكاديميين السوريين اللاجئين الذين لم تدفع بلدان أوروبا قرشاً واحداً في تعليمهم أو تدريبهم، وترى الدراسات الاقتصادية الحقيقية أن هؤلاء المهاجرين سيكونون عناصر فعالة في تنشيط الاقتصاد الأوروبي وحل بعض مشكلاته، على عكس ما تقول بعض الدول والأوساط الأوروبية من أنهم سيشكلون عقبة أمام التطور الاقتصادي الأوروبي، وسيخلقون صعوبات اقتصادية واجتماعية في هذه البلدان.

في الخلاصة نسيت بلدان العالم مطالب الشعب السوري وتشبثت ببعض نتائج الانتفاضة وخاصة نمو التنظيمات الإرهابية وزيادة عدد اللاجئين إلى  أوروبا، وتقاربت بذلك كثيراً مع رغبات السلطة السورية التي تحدثت بدون حق عن الإرهاب منذ اليوم الأول للانتفاضة وقبل أن يكون هناك إرهاب، وربما ساعدت بإيجاده، وهيأت الظروف لمزيد من اللجوء والنزوح.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد مقتله من قبل الأمن اللبناني، الائتلاف يطالب بالتحقيق بالحادثة

وكالات – مدار اليوم طالب الائتلاف الوطني السوري اليوم الثلاثاء، بالنظر في ...