الرئيسية / آخر الأخبار / الهجرة من دمشق إلى تركيا معاناة لا تنتهي

الهجرة من دمشق إلى تركيا معاناة لا تنتهي

باخرة تركية تنقل مهاجرين سوريين من لبنان إلى تركيا ـ أرشيف
الرابط المختصر:

اسطنبول ـ مدار اليوم

بعد أن أصبح الشبان من مواليد 1999 عرضة للتوقيف من قبل حواجز قوات الأسد في دمشق، حيث يتم سحبهم للالتحاق بالخدمة الإلزامية بجيش النظام، أصبح محمد “وهو اسم مستعار” يستغرب من السير في شوارع دمشق دون أن يتم اعتقاله.

بهذه الكلمات برر محمد الشاب الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، أسباب سفره من دمشق إلى تركيا، خاصة وأنه من المشاركين الأوائل في مظاهرات دمشق، وكان قد اعتقل في 2012 حوالي 36 يوماً، بتهمة التظاهر ضد النظام.

التضييق من النظام دفعه إلى الهجرة

يقول محمد لـ”مدار اليوم” إن “الشباب السوريين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، أصبحوا أمام خيارين، إما أن تدفع كل ما تملك وتخرج خارج البلد، أو أن تنضم إلى صفوف قوات الأسد وتقاتل إلى جانبها”.

وعلى الرغم من أن محمد يملك تأجيل نظامي كونه ما يزال طالباً في معهد السياحة بدمشق، غير أن حواجز النظام أوقفته مراراً بحجة أن تأجيله مزور، وهنا يلفت محمد إلى أن هذه الحادثة كانت تتكرر مع أغلب الشبان في دمشق لأسباب مختلفة.

ولا تتوقف معاناة محمد عند هذا الحد حيث بات نزوله إلى شوارع المدينة يسبب قلق ورعب لدى أهله، فتبدأ اتصالات تنهال عليه، خشية أن يتم اعتقاله من  قبل قوات الأسد، أو تعرضه لإصابة خاصة في ظل الكم الكبير من القذائف التي تسقط على المدينة والتي زاد عددها في الآونة الأخيرة، حسب تأكيد محمد.

وبعد أن حاول أحد الحواجز في منطقة باب سريجة، توقيفة واعتقاله، قرر محمد السفر، غير أنه لا يملك المال الكافي لشراء تذكرة طائرة، فقام بالعمل عدة أشهر بعد أن ترك دراسته وجمع بعض المال، وقام بحجز تذكرة من مكتب الفارس للنقل في باب مصلى بدمشق للسفر إلى تركيا، عبر ميناء طرابلس.

 

الطريق من دمشق إلى الحدود اللبنانية

على الرغم من أوراقه النظامية وحجزه النظامي للسفر ظل شعور القلق يسيطر على محمد قبل الانطلاق من دمشق، خاصة وأن الرحلة تأخرت ثلاثة أيام، قبل أن يتصل مكتب السفر يعلمه بموعد انطلاق الرحلة من أمام “التكية السليمانية” المقابلة للمتحف الوطني، في دمشق.

ذهب محمد للمكان المحدد في الوقت المحدد، وبعد أن تعرف على مقعده في أحد الباصات الخمسة التي كانت موجودة هناك، انطلقت الباصات باتجاه مدينة طرابلس في لبنان، حيث تنتظرهم باخرة لتقلهم إلى تركيا، بحسب ما أوضح لهم مكتب السفر.

وكانت “أغلبية المسافرين من الشبان ومن العائلات الشامية، الذين تعرضت مناطقهم لأحداث أدت إلى نزوحهم، حيث سمع على الطريق قصصاً من بعض العائلات أنها خرجت من “زملكا” نتيجة القصف وانتقلوا إلى “التل” الذي تمت محاصرته فيما بعد، مما جعلهم يصلون إلى حالة اليأس ويقررون السفر”.

وعلى الطريق كان حاجز “يعفور” التابع للفرقة الرابعة، هو أول حاجز يمر به محمد ومن معه، حيث تم إيقاف جميع الباصات في ساحة بجانب الحاجز، ونزل جميع الركاب وقاموا بتجهيز حقائبهم وفتحها إلى أن أتى أحد العناصر وفتشها، حيث استمرت عملية التفتيش أكثر من ساعة.

لم ينسى محمد أبداً العبارات التي سمعها من عناصر ذاك الحاجز، تتلخص أغلبها بـ “روحة بلا رجعة”، “إنشاء الله تصيبكم قذيفة وتموتوا كلكم”، الأمر الذي  جعله يشعر وكأنه حمل ثقيل يريدون التخلص منه.

وبعد حاجز يعفور “مررنا على حاجزين قاموا بـ “تفييش” أسماءنا فقط، مع تكرار ذات العبارات قبل أن نصل إلى الحدود السورية اللبنانية في منطقة جديدة يابوس، لنحصل على تأشيرة الخروج بسعر 1250 ليرة سورية،  طبعاً بالإضافة إلى الرشاوي التي يتلقاها الموظفون لوضع الختم على التأشيرة”، حيث يرفضون وضع التأشيرة دون تلك الرشوى.

ويقول محمد لم أكن أملك الكثير من المال، فقال لي “ظبط وضعك” لأن أوراقك مزورة وعليك العودة، فأخذت الأوراق ووضعت فيها 200 ليرة سورية، وأعدتها إليه، غير أنه عندما رأى المبلغ رفضه، وكرر “قلنالك ظبط وضعك”، ولم يقبل بأقل من ألف ليرة سورية، طبعاً كل هذا يتم تحت أنظار المراقب.

 

الطريق من الحدود السورية إلى ميناء طرابلس

وقال الشاب بعد مضي حوالي ساعتين واتمام الأوراق المطلوبة على الحدود السورية، توجهنا إلى منطقة المصنع اللبنانية، وفوجئنا بسبع باصات أخرى، جاءت قبلنا بيوم ولم تسمح القوات اللبنانية بمرورها، توقفنا عند البوابة ولم نعرف حينها أننا سنبقى أكثر من يومين ونحن ننتظر لأن يسمح بمرورنا.

منعت القوات اللبنانية بعض الأشخاص من العبور إلى لبنان ومنهم  شابان كونهم تحت سن الـ 18، وكان هناك امرأة معها طفل لم يتجاوز عمره الشهرين تم إعادتهم كون الرضيع لا يحمل جواز سفر، ولفت إلى أن الحكومة اللبنانية منعت الدخول عن طريق الهوية الشخصية إلا إذا أظهر الشخص أكثر من ألف دولار أو حجز فندقي وحساب بنكي.

وعلى الرغم من طول انتظارهم في الحدود اللبنانية، وعدم توفر الطعام أو أغطية أو أي شيء ينامون عليه، كانت عبارات الأمن اللبناني والشرطة على الحدود هي أكثر ما أزعج محمد والسوريين المرافقين له، حيث كانوا يرددون لهم ” ياحيف على الرجال، وين تاركين بلدكم وهربانين”، ويشير محمد إلى أن أسلوبهم الاستفزازي نسخة عن أسلوب عناصر النظام، وربما أسوء.

وألمح محمد إلى أن الباصات التابعة لشركة “أجنحة الشام” التي يملكها رامي مخلوف، كانت تمر بسرعة دون أن تتوقف تقريباً عند الحدود، لافتاً إلى أن هذه الباصات تقوم بنقل المسافرين إلى مطار بيروت ليتم نقلهم بعدها إلى تركيا.

بعد الخروج من نقطة المصنع استغرق الطريق إلى ميناء طرابلس قرابة الساعتين والنصف، وكان هناك باصات قادمة من حلب وحمص وحماة إلى الميناء، وأصبح العدد كبير، وقدم الأمن العام اللبناني بعد ساعتين وجمع المسافرين السوريين بمنطقة ذات سياج تحت أشعة الشمس، ولم يسمحوا لهم بالتحرك أبداً، وهنا أخبروهم أن الأوامر التركية لا تسمح بأن يحمل الشخص أكثر من حقيبة واحدة، أو يتم دفع 10 دولارات على كل حقيبة إضافية، الأمر الذي دفع بالكثير من السوريين لترك حقائبهم خاصة وأنهم دفعوا أغلبهم أموالهم على الطريق.

وانتظر المسافرون الذين تجاوز عددهم 340 مسافر، من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثالثة بعد الظهر حتى قدمت الباخرة، ووضعت الحقائب على شريط التفتيش، وبعدها استلم المسافرون جوازات سفرهم، وبدأوا بالصعود إلى الباخرة، لتبدأ مرحلة الذل الأخيرة، فقام ضباط الأمن اللبناني بركل المسافرين على بوابة الباخرة، ووجهوا إليهم فيض من الشتائم.

الطريق من طرابلس اللبنانية إلى مرسين التركية

استغرقت الرحلة من ميناء طرابلس في لبنان إلى ميناء مرسين في تركيا حوالي 4 ساعات، وكان المسافرين منزعجين من كون الأمن اللبناني وضع الحقائب في الباخرة بشكل غير منظم، حيث حصل تدافع بين المسافرين في مرسين للحصول على حقائبهم، ما جعل قوات الأمن التركية تقوم بتخويف المسافرين أنهم سيباتون في الميناء إذا لم ينظموا أمورهم”.

وأوضح محمد أنه كان من المفروض أن لا تتجاوز تكلفة الرحلة من سوريا إلى تركيا،  65 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 200 دولار، إلا أنه وخلال الطريق تظهر مصاريف أخرى كالرشاوي والغرامات، لتصل تكاليف الرحلة إلى حوالي 300 دولار، وهو رقم يوازي تكلفة السفر بالطائرة، غير أن الفقير لا يتجرأ على التفكير بهذا الترف، حسب وصف محمد.

رحلة قاسية تعرض لها محمد ومن رافقهم من السوريين، ومازال كثيرون غيره يتعرضون لذات الرحلة لعلها رغم قسوتها أسهل من الخوف والقلق الذي يسيطر على حياتهم تحت سيطرة النظام، الذي يضع السوريين أما خيارين لا ثالث لهما إما قاتل أو مقتول، الأمر الذي أفرغ سوريا من معظم سكانها وتركهم هائمين على وجوههم في أصقاع الأرض.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...