الرئيسية / آخر الأخبار / الحرب المقدسة

الحرب المقدسة

الرابط المختصر:

مدار اليوم – حسين العودات

تعني الحرب المقدسة الحرب الدينية، أي أن فئة من الناس تشعل حرباً إما دفاعاً عن دينها أو عداءً لدين آخر، أو بهدف نشر دينها وقيمها بالقوة، وتعتبر الحرب حرباً مقدسة لأنها اشتعلت لتحقيق أهداف مقدسة غير دنيوية حتى ولو كان البشر هم الذين يشعلونها. ومن أشهر الحروب الدينية في التاريخ الحروب الصليبية التي اشتعلت تحت شعار الدفاع عن قبر المسيح الذي احتله المسلمون وعبثوا به، وقام البابا أوربان الثاني بتهييج شعوب أوروبا كلها وتحريضها ضد الإسلام والمسلمين، ودعوتها للالتحاق بالجيوش التي ستذهب للشرق لاستعادة قبر المسيح وطرد المسلمين (الكفار والوثنيين) منها. وقد استطاع البابا في نهاية القرن الحادي عشر أن يحشد الجيوش ويوجهها نحو القدس تحت شعارات دينية، ولكن الأسباب الحقيقية لم تكن دينية ، وقد سُميت تلك الحرب بالحرب الصليبية، ومن الحروب الدينية المشهورة أيضاً حروب الطوائف المسيحية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، حيث رفضت بعض الشعوب الأوروبية بقيادة مصلحين دينيين ( لوثر وكالفن) آراءهم وأراء مصلحين آخرين إلتفوا حولهم لتخليص الشعوب الأوروبية من ظلم الفاتيكان والباباوات، الذين كانوا يأخذون نسبة من دخل الناس تصل أحياناً إلى 20%، كما كانوا يتوجون الملوك ويسيّرون المجتمعات كما يريدون، وقد توسعت الحركة الإصلاحية ورفضت سيادة البابا المدنية وشرائطه التي شرطها على المجتمعات الأوروبية، ثم بدأت هذه الحروب بين الكاثوليك المؤيدين للبابا والبروتستانت المطالبين بالإصلاح واستمرت عشرات السنين وتكلفت آلاف القتلى، حتى أن الشعب الألماني خسر ربع رجاله مما اضطر كنيستهم أن تشرّع تعدد الزوجات وتسمح لرحال الدين بالزواج. كما طرد الملك الفرنسي مليون بروتستانتي من باريس إلى ألمانيا وكانوا من التقنيين والفنيين والاختصاصات العالية التي لم تعوض فرنسا بديلاً عنها بعد مضي عشرات السنين.

في الأسبوع الماضي صرح بطرك روسيا الأرثوذكسي أن الحرب الروسية في سوريا هي حرب مقدسة أي حرب دينية، وما من تفسير آخر للحرب المقدسة، وهو يعلم أن الدولة الروسية علمانية وأن الحرب لا تهدف لتحقيق أي هدف ديني، وكانت في الواقع غلطة كبيرة جداً من غبطة البطريرك. ولو كانت هذه الحرب دينية (مقدسة) لكان الأولى أن يتحدث عنها وبواجهها بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس المقيم في دمشق وبطاركة الطوائف الأخرى المشرقيون. ومن المعلوم أن بطركية انطاكية هي البطركية الرئيسية المشرقية للأرثوذوكس وليس البطركية الموسكوفية ولا اليونانية، ويبدو أن بطرك موسكو هو (جديد صنعة) بالأحاديث السياسية وبالسياسة، بعد أن مُنع البطاركة عن الحديث في السياسة سبعين عاماً أيام الحكم السوفييتي ، وها هم يعودون الآن لتعلم ألف باء السياسة من جديد.

من جهة أخرى أدان العالم المنظمات الإرهابية الإسلامية لأنها تشن حروباً دينية، وتستدعي بعض التقاليد التي كان معمول بها عند قدوم الإسلام، وتطبقها وتضع على رأس أهدافها خيمة دينية وتسمي محاربيها (جهاديين)، أي أنها تفهم الجهاد على طريقتها ، وتحوله من عمل دفاعي إلى عمل استفزازي هجومي، وتقع بمثل الأخطاء التي وقع بها بطرك موسكو. إلا إذا كان بطرك موسكو يعتبر أن الحرب الروسية تهدف للانتصار على الإسلام والمسلمين، وتكون بذلك حسب وجهة، نظره حرباً مقدسة، وواقع الحال أن الأمر ليس كذلك.

أن يهذر بطرك موسكو ويتحدث بما لايعرف، فإن ذلك يوقع المسؤولية على السلطة الروسية التي تركته بتحدث  ويصف حربها ويبرر تواجدها العسكري في سوريا، وإعلانها أنها ستخلص الشعب السوري من المنظمات الإرهابية، علماً بأن حكومة هذا الشعب هي الأولى بتخليصه من هذه المنظمات.

ما أسوا أن يخوض رجال الدين (أي دين) غمار السياسة، وأن يخلطوا مهمات الدين بمهمات الدولة، وأن يحولوا البلاد إلى ساحة لحروبهم الدينية التي يسمونها مقدسة، وأظن أن القدسية ليست كذلك.

موقع الشاعر نزار قباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...