الرئيسية / آخر الأخبار / مــلاحــظـــة لـيـــسـت أقــلــويــــة

مــلاحــظـــة لـيـــسـت أقــلــويــــة

الرابط المختصر:

اديب البردويل

ان مايجري اليوم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية من صراعات وثورات غير مستقرة، والتي تتناوشها قوى أعدائها وأهمها الطائفية، تجسيد وتأكيد على أن الأكثرية الطوائفية منطوية على إشكاليّة تاريخية، وليست فقط نتيجة واقع الأقليات الموتور وجودياً فحسب. بالرغم من معاناة الأقلية قروناً وضعها المحكوم بالخوف، إلا أن المجتمع في ظل قيادة أكثريته سيكون مجتمعاً هادئاً، طالما خطر اشكاليات الأقلية القومية والطائفية تطوف على أطرافه، وليس في عمقه، لكن الأمر سوف يكون معاكساً تماماً، عندما تعاني الأكثريه في ظل حكم أقلية ما من التهميش والطغيان والظلم، سيكون المجتمع برمته رايضاً على فوهة بركان، سينفجر بين سنة وأخرى، وسيؤدي بالتأكيد إلى كارثة لن يُقدر لها عاقبة.

 إن خوف الأقلية التاريخي والدائم وتوجسها من رفض الأكثرية الكامن لها، ولأنها لا عقلانية كجزء من التخلف العام، سوف يدفعها إلى أن تكون ديكتاتورية، فهي تحكم من لا يرضى بها.

لا تخرج مشكلة المسيحيين في المشرق العربي عن إطار مشكلة الأقليات. هذه المشكلة التي لم تعالج على مدى القرون الماضية في مجتمع طوائفي وطائفي، وبالتالي بقيت دون حل، أي أن المسيحي، يعاني إشكالاً وطنياً نتيجة التراتب الطوائفي الذي أدّى إلى خلل ٍ في مواطنيته كأقلية، بالإضافة إلى الخلل العام لمفهوم المواطنة في مجتمعاتنا هذا من جهة، لكن من جهة أخرى حين نتناول الأقليات في إطار الحراك السياسي والفكري للمجتمع، ننحاز إليها على أنها صاحبة القلق الوجودي، الذي يمتلك نزوع التطور والتغيير بسبب معاناة وضعها الإجتماعي غير السليم.

ونلاحظ واقعياً، أنَّ قياديي الحركات التنويرية سياسياً وفكرياً، هم من الأقليات وخاصة المسيحية منها؛ وذلك في سبيل إيجاد حل يتناول مشكلتهم الوطنية والإنسانية.

أقول كانت هذه الأقلية بفعل عقلانية المنفعة الذاتية والمندرجة بالطبع في سياق التقدم الضروري باتجاه مجتمع قومي، تحاول وتجهد في سبيل نسف الحدود الداخليه والإنقسامات العامودية فيه، إلا أنهم فشلوا بذلك، وفشل معهم المجتمع لأسباب عديدة ذاتية وموضوعية، وسأكتفي بعرض أهمها.

الأوّل، حين يكون الدين السياسي، مازال غارقاً في التخلف، أي أنه لم يتعرض إلى حركة تنويرية، ولم يأخذ بقول الرسول {ص}: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” كما جاء في حديث شريف، سوف يكون فوات المجتمع عميقاً وثقيلاً، كما أن حراكه سيكون حراكاً أقرب إلى الدوران منه إلى التصاعدي، حيث يمور حول نفسه كالرمال المتحركة، يحاول الواقع الانساني، أن يعطيه مفهوم الحراك الإجتماعي؛ مما جعل أقدام النخب المكونة غالباً من الأقليات، تخشى دخول المجتمع والتوغل فيه، فبقي لسانها مُهمَّشاً يدور حول أسوار المجتمع، ولا يجد له مدخلاً، لم يكن قصوره سبب عجزه فحسب، بل كانت الطوائفية والطائفية، قد احكمت إغلاق أبوابها على نفسها جيداً، ولم تسمح للأقلية السياسية المشَكّلة بقادتها من الأقلية المذهبية كالدروز والعلويين، والدينية كالمسيحيين، ومن أقلية سياسية سنية، انتمت إلى طائفة آيديولوجية واغتربت فيها.

الثاني، لم ينجُح عقل ذاك التبني للتنوير الفكري والسياسي، الذي تقوده نخبة في غالبيتها أقلية من النزوع الأقلوي، حيث لم يمتلك وعياً مناسباً يستوعب ضرورة تأهيل غاياتهم فكرياً وسياسياً، وتأهيل وجدانه من خلال إيجاد علاقة لابد منها مع الأكثرية، هذا إذا أراد أن يكون من أهل البيت؛ لكنه، وبعد فشله بإيجاد مفتاح دخول الأكثرية، بقيت تلك النخبة، تسكن عاجية رؤوسها، مُستلَبَةَ الإعجاب بذاتها، حيث كوّنت لها كانتونات، تمارس فيها التبرّج الثقافي، وتنظر إلى المجتمع بترفّع وصل إلى حد القرف أحياناً. وهذا ما بلور نزوعاً أقلوياً عاجزاً سوى عن شتم تخلف الأكثرية بروح هجومية وبحس ٍ مقزز وصل حدود العدائية.

ومثل هذا النزوع الواقعي والحقيقي على الصعيد الفكري والنفسي، سيصبح في حمأة الأحداث غير محايد، وسيجد نفسه في اصطفافٍ أقلويٍّ مسلّحٍ ومقاتل، وعى ذلك أم لم يعه، وسيرتفع هذا إلى ذروته حين ندرك أن نخبنا الفكرية والسياسية غبر محصنة عن وباء التخلف، وقشورها الثقافية لم تعطها سوى الأنانية والتباهي باختلافها عن أهل بيتها، وهو ما وقع فيه الكثير من مثقفي أقلياتنا، ناهيك عن عوام تلك الأقليات المصابة عميقاً ليس بالتخلف فقط، بل بفوبيا الأكثرية، وعدم ثقتها بإمكانية تطورها، حيث لم تترك إسما للموت والأموات، إلا ووصفت مجتمعها به. وبين يدي أدلةٌ ليست قليلةٌ على ذلك، منها ماهو خجولٌ ومنها ماهو وقحٌ.

إذاً هم جزءٌ من مشكلة المجتمع، بل هم الآن في عين هذه المشكلة الكارثة. انهم يتحملون نتيجة موقفهم المنحاز للاستبداد والهمجية تاريخياً، كما يتحمل المجتمع بكل طوائفه، ماقد آل أو يؤول إليه من دمار بسبب رضاه بالذل قرونا طويلة، وتأخّره المزمن حتى الموات.

كاتب سوري

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...