الرئيسية / مقالات / ليونيد بيرشيدسكي يكتب: حروب بوتين.. متعددة الجبهات

ليونيد بيرشيدسكي يكتب: حروب بوتين.. متعددة الجبهات

الرابط المختصر:

ليونيد بيرشيدسكي

هل أجهد فلاديمير بوتين نفسه؟ فالرئيس الروسي بات يواجه عدداً من الأزمات المتزامنة. فخلال نهاية الأسبوع الماضي، فجّر نشطاء أوكرانيون برجي كهرباء، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا. وفي مدينة سانت بطرسبورج، وهي المدينة التي ينحدر منها الرئيس بوتين، كان رتل يتألف من 600 شاحنة ثقيلة يزحف نحو مبنى الحكومة يوم الثلاثاء للاحتجاج على فرض رسوم على الطرق الروسية. وعلى الحدود التركية السورية، قامت القوات الجوية التركية بإسقاط طائرة حربية روسية.

وفي رد فعله، وصف الزعيم الروسي إسقاط الطائرة بأنه «طعنة في الظهر» من قبل «مساعدي الإرهابيين»، متهماً تركيا بحماية مقاتلي «داعش» لأنهم يهرّبون النفط إليها. وزعم أن الطائرة إنما أُرسلت لقصف مواقع «داعش» في شمال محافظة اللاذقية، حيث قد لا يكون هناك وجود للتنظيم المتطرف هناك.

واللافت أنه عندما اعترفت روسيا بأن طائرتها المدنية قد فُجرت أيضاً من قبل إرهابيين فوق سيناء المصرية الشهر الماضي، تعهد بوتين بـ«إيجاد ومعاقبة» المذنبين، في حين أن تصريحه يوم إسقاط الطائرة الحربية لم يكن بنفس القوة والحزم حيث اكتفى بالقول: «إن أحداث اليوم المأساوية ستكون لها عواقب وخيمة على العلاقات الروسية التركية»، مضيفاً «إننا لن نتسامح أبداً مع الجرائم مثل تلك التي ارتُكبت اليوم». وهو كلام ما لا يرقى إلى مستوى تهديد ووعيد في الواقع.

في حين قال نائب رئيس الغرفة السفلى للبرلمان الروسي نيكولاي ليفيشيف إن رداً اقتصادياً خالصاً من قبل روسيا على ما حدث يمكن أن يشمل حظراً على حركة الملاحة الجوية بين روسيا وتركيا وتجميداً للمشاريع الاستثمارية المشتركة، داعياً إلى إجلاء السياح الروس من تركيا -التي تعد إحدى أكثر الوجهات السياحية شعبية بين الروس إلى جانب مصر، التي باتت هي أيضاً اليوم غير متاحة.

غير أن أي عقوبات اقتصادية ضد تركيا ربما ستضر بالروس بالقدر نفسه. ذلك أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا كانت تمثل مجالاً واعداً للنمو، حيث كان بوتين وصديقه السابق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد تعهدا بزيادة حجم التجارة من نحو 25 مليار دولار المتوقعة هذا العام إلى 100 مليار دولار بحلول 2020. كما أن روسيا كانت هي أكبر مصدِّر لتركيا العام الماضي بفضل صادرات الطاقة بشكل خاص. على أن أهمية تركيا كشريك تجاري ازدادت في العام الماضي بعد أن تبنت روسيا حظراً على المواد الغذائية المستوردة من البلدان التي فرضت عقوبات عليها ردّاً على تدخلها في أوكرانيا. وعليه، فإذا جُمدت العلاقات أو قطعت، فلا أحد من البلدين سيستفيد. ويُذكر هنا أن البورصة في كلا البلدين انخفضت بعد إسقاط المقاتلة الروسية.

لقد بدأ بوتين يكتشف تدريجياً أنه قد يكون بالغ وحمّل نفسه أكثر من طاقتها. فهو لا يستطيع إرسال جنود إلى جنوب أوكرانيا لإعادة الكهرباء إلى القرم، لأن من شأن ذلك أن يتسبب في غضب دولي ويعرّض للخطر أي فرصة لتشكيل تحالف مع البلدان الغربية في سوريا. كما لا يستطيع المجازفة أيضاً بمواجهة عسكرية مع تركيا، وهي عضو في «الناتو» يمكنه قطع خطوط الإمدادات الرئيسية لروسيا إلى سوريا عبر «المتوسط». فروسيا لا تستطيع إدارة عدة نزاعات متزامنة مع أهم جيرانها، وخاصة أن الاستياء الداخلي من تدابير التقشف يبدو في ازدياد.

والواقع أن بوتين ليس أيضاً ضعيفاً تماماً، وإنما يواجه فقط خطر العزلة بعد أن استعدى حتى أصدقاء ممكنين مثل تركيا وأوكرانيا. وإذا ازداد الضغط على أي من جبهاته المتعددة خلال المستقبل القريب، فإنه قد يشعر بحصار. وكان بوتين قد وصف في كتاب على شكل حوارات معه نشر في 2000 حلقةً من طفولته حين كان يعيش مع أسرته في بناية متواضعة في سانت بطرسبورج. ومما جاء فيه:

«هناك على الدرج اكتشفتُ عن كثب معنى كلمة “محاصَر”. فقد كانت ثمة جرذان في الممر، وكنتُ وأصدقائي نطاردها بالعصي. وذات يوم، لمحتُ جرذاً كبيراً وبدأت أطارده إلى أن حاصرته في إحدى الزوايا، فلم يعد أمامه مكان ليهرب منه، فاستدار ورمى بنفسه عليّ. كان ذلك مفاجئاً ومخيفاً جداً. لقد صار الجرد يطاردني».

ولكن هذه المرة ربما يجد بوتين أنه هو من سيكون محاصَراً. فقد هدد وضغط على شركائه ومنافسيه، وخصومه وشعبه طوال 15 عاماً. وإذا انقلبوا عليه جميعاً، فربما لن تكون لديه عصا طويلة بما يكفي ليصدهم.

المصدر: الإتحاد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: قدرات سورية معطلة

ميشيل كيلو بَيْن الظواهر الأكثر لفتاً لأنظار متابعي الثورة السورية ظاهرة مقلقة إلى أبعد الحدود، تتعلق ...