الرئيسية / آخر الأخبار / الفرس والعرب

الفرس والعرب

الرابط المختصر:

 مدار اليوم – حسين العودات

كان للإمبراطورية الفارسية طوال مئات السنين مجداً عريقاً، وكانت واحدة من الإمبراطوريات الرئيسة في العالم، في المرحلة الأولى هي والإمبراطورية اليونانية وخاصة المكدونية منها بزعامة الإسكندر المكدوني، ثم بعد ذلك كانت هي والإمبراطورية الرومانية ثم البيزنطية، وجرت حروب ضروس بين الإمبراطورية الفارسية وبين هاتين الإمبراطوريتين على التوالي، وتعرضت الإمبراطورية الفارسية لهزائم وحققت انتصارات كما هي شأن الحروب دائماً حتى أنها وصلت في مرحلة من المراحل إلى أثينا، وفي صراعها مع الرومان استطاعت احتلال بلاد الشام ومصر وطرد الرومان البيزنطيين منها وذلك في مطلع القرن السابع الميلادي أي عند مجيء الإسلام.

بعد توحيد الإسلام للجزيرة العربية انطلقت الفتوحات نحو الإمبراطورية الفارسية، واستطاع العرب الانتصار على هذه الإمبراطورية، وكان النصر المشهود لهم في معركة القادسية التي أسقط العرب في إثرها المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، ثم انهارت الدولة الفارسية بمجملها. وبعدها خسر الفرس إمبراطوريتهم العظيمة وأصبحوا رعايا الدولة العربية الناشئة، كما خسروا لغتهم الفارسية الغنية واضطروا لتعلم العربية وقبول انتشارها وتوسعها، وأخيراً تخلوا عن ديانتهم الزرادشتية ودخلوا الإسلام.

هذا رسمياً، أما في الواقع فقد كان مغلوب على أمرهم ولا يستطيعون التمرد على من أسقط إمبراطوريتهم ولغتهم وديانتهم، فأخذوا يتآمرون على الإمبراطورية العربية سراً ويستغلون كل مناسبة، ولكنهم فشلوا في المراحل الأولى (ومشهودة مذبحة البرامكة الفرس التي قام بها هارون الرشيد) كما حاول غيرهم الانتقام من الإمبراطورية العربية بحجج مختلفة ومنهم أبو مسلم الخراساني وغيره، ولكنهم فشلوا جميعاً في المرحلة الأولى قبل تراجع الإمبراطورية العربية.

  تزوج الحسين بن علي ابنة يزدجرد التي أنجبت له زين العابدين وعمّد على أنه الإمام الرابع حسب المذهب الشيعي الذي ملك(سؤدد الفرس ودين العرب ) حسب قول الشاعر، واستغل الفرس أن والدة الإمام شيعية فتشيعوا وأخذوا يوظفون تشيعهم هذا لخدمة أهدافهم القومية، وقد نجحوا جزئياً خلال عدة قرون فاحتفظوا بإدارات ذاتية لدويلات عديدة، وأحيوا ثقافتهم ولغتهم، ولكن نصرهم الحقيقي جاء في مطلع القرن السادس عشر أيام الصفويين الذين أجبروا معظم سكان إيران وكانوا سنة على التشيع، ومثلهم فعلوا مع سكان العراق، واستغلوا التشيع استغلالاً كبيراً لمصلحة القومية الفارسية والكيان الفارسي، وأقاموا مقاماً لأبي لؤلؤة الذي قتل عمر بن الخطاب في مدينة قاشان وهو مكان للزيارة حتى الآن.

بديهي أنه لايجوز اتخاذ أي موقف ضد الشيعة والتشيع، لأن هذا خيار شخصي حر لأي فرد حيث يحق لكل إنسان اختيار دينه أو مذهبه، وهذا أمر مبدئي ثابت لايجوز الانحراف عنه، وينبغي دائماً احترام ديانة الآخرين ومذاهبهم مهما كانت. وفي الوقت نفسه لايجوز مطلقاً استخدام المذهب أو الدين في الصراعات السياسية، لأن في ذلك إساءة للدين نفسه وللدولة والمجتمع، ولعل ألف باء الحداثة في العالم كله هو إبعاد الدين عن اللعبة السياسية، لأنها لعبة بشرية صرف لادخل للإله فيها ولا للدين، ولنتذكر قول النبي محمد (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، إلا أن الفرس سعياً منهم لتحقيق مصالحهم ومطامعهم استغلوا تاريخياً التشيع ووظفوه لأهداف سياسية، وقد فعل ذلك الصفويون قبل أربعة قرون، وهذا ما يفعله الفرس الآن تحت شعار الثورة والممانعة وما أشبه ذلك، ويحاولون توظيف الشيعة العرب لخدمة مصالح الفرس وثقافتهم وتراثهم وأهدافهم السياسية، وهذا ما نراه الآن ماثلاً في التدخل الفارسي في شؤون العراق وسوريا والبحرين واليمن، ولاشك أن الهدف الفارسي ليس تطوير هذه البلدان وضمان استقرارها ومصالح شعوبها، وإنما  توظيفها كلها لخدمة المطامع الفارسية وضمان تحركها الدائم تحت الخيمة الفارسية، وقد صرح أكثر من مسؤول كبير إيراني قبل أسابيع أن إيران تهيمن على أربعة بلدان عربية هي العراق وسوريا ولبنان واليمن، كما صرح مسؤول آخر أنهم سيقيمون الإمبراطورية الفارسية وسيجعلون بغداد عاصمتها (ومعلوم أن بغداد الحالية التي بناها المنصور هي قريبة من موقع المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية).

نعود ونقول إن من حق الشيعة أن يتشيعوا ويعملوا لطائفتهم ومعتقداتهم ويطالبوا بحقوقهم في كل مكان وفي كل دولة سواء كانوا أقلية أم أكثرية، فهذا حق مقدس وهو حق الإيمان بفكر معين ودين معين والتعبير عن هذا الإيمان، وينبغي الدفاع عن آرائهم وعن مصالحهم أيضاً وهذا أمر بديهي ولا يجوز الانتقاص منه، لكن ليس من حقهم ولا من حق غيرهم توظيف الدين في السياسة واستخدامه مطية لتحقيق أهداف سياسية، فذلك أمر آخر رفضته ألإنسانية المعاصرة منذ بدء الحداثة، ويبدو أن الفرس لم تصلهم مثل هذه المعايير، ومازالوا يحاولون الاستفادة من تشيعهم وكرههم التاريخي للعرب، ويحلمون بإمبراطورية جديدة كبرى وثقافة فارسية مهيمنة.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...