الرئيسية / آخر الأخبار / غالية قباني تكتب: سوريا/ روسيا.. أكثر من مجرد تشابه في الأحرف

غالية قباني تكتب: سوريا/ روسيا.. أكثر من مجرد تشابه في الأحرف

الرابط المختصر:

مدار اليوم – غالية قباني

منذ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، كان التلعثم في نطق اسمي «سوريا» و«روسيا» واضحاً على الألسن، بحيث يُنطق أحدهما بدل الآخر، سهوا، في المؤتمرات الصحافية ومداخلات المعلقين في الإعلام، أو في التقارير والمقالات المنشورة في الصحف والمواقع. غير أن التشابه بين نظامي البلدين أكبر من مجرد تطابق أحرف بصورة غير متسلسلة، فهو يمتد إلى استنساخ النظام الأصغر لأسلوب نظام الأخ الأكبر، وأحيانا يتعلم الثاني من الأول أفكاراً في الطغيان جربها التلميذ النجيب الذي يتفوق غالباً على أستاذه.

آخر الوقائع، صدور كتاب بأفضل أقوال فلاديمير بوتين في 400 صفحة، وزع على أعضاء البرلمان والحكومة، كـ«أفضل هدية أعياد»، (لتتم استعادتها في عطلة الاسترخاء نهاية العام وترديدها لاحقا بببغاوية فصيحة). غير أن الصدور تأخر كثيراً عن كتيبات الأب القائد في سوريا التي كانت فرضاً على الطلبة في كل المراحل ضمن ما أطلق عليه منهج «التربية القومية»، والتي يؤدي الإخفاق في دراستها واستعادتها إلى رسوب الطالب. وقد أسرّ لي بعض من خرج من ثوب الخوف في سوريا أن بعضهم كان يكتب كلاماً وينسبه إلى الأب القائد، ومع ذلك كان ينجح! إما لأن المعلمين شعروا بالملل والكسل واكتفوا بتنويه الطالب بفلسفة وحِكَم السيد الرئيس، وإما جهلاً فعلياً من قبلهم بأقواله.

وفي عودة إلى مستوى التشابه بين النظامين، فقد كان قمع المعارضة واختراقها وتشتيت كتلتها، ناهيك بخلق أجسام «معارضة صديقة للنظام»، أسلوباً لطالما مارسه النظام الأسدي منذ عقود لضرب أي حراك سياسي، سواء كان حزباً أو حراكاً شعبياً. وظهر «إبداع» النظام، أكثر، على هذا المستوى، بعد انطلاق الثورة السورية، حيث ظهرت قائمة أسماء مفاجئة تصف نفسها بأنها «معارضة تحت سقف الوطن» (تحت سقف النظام)، تميّع المطالب الشعبية وتشوش على المنادين بتحقيقها، هذا في الوقت الذي كان الناشطون في المظاهرات أو وسائل التواصل الاجتماعي يتم تصيدهم مثل العصافير، فيقتلون أو يعتقلون ويتم تعذيبهم في المعتقلات وبعضهم يفقد حياته هناك.

روسيا التي يجري فيها «ادعاء دور الديمقراطية» كنظام سياسي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وادعاء دور أنها لا تزال دولة كبرى، بالكاد تجد فيها حراكا ديمقراطيا من أي نوع، لا سياسياً ولا مجتمعاً مدنياً ولا إعلاماً حراً، يعبر عن مواقف خاصة في الملفات الوطنية. لا مؤسسات تجادل وتختلف وتعارض قرارات السلطة التنفيذية. وعندما قرر الكرملين شن حربه في سوريا، مثلاً، حصل على موافقة مطلقة من برلمانه (الدوما) تماما كما يفعل مجلس الشعب السوري (البرلمان الدمية وللصدفة دوما ودمية متقاربان) أمام أية رغبة لرأس النظام وأجهزته الأمنية. إنها مجالس لا علاقة لها بالبرلمانات الديمقراطية في العالم حيث تدخل الحكومة أو الرئيس في مواجهات طويلة مع ممثلي الشعب لحين تمرير قانون ما، ناهيك بقرار خطير بشن الحرب باستعراض لكل الأسلحة.

هل يتذكر أحدكم موافقة مطلقة وسريعة من برلمان ديمقراطي على ضربة عسكرية أو قرار حرب؟ لا.. لكن حدث ذلك في موسكو التي ادعت أنها خلعت عنها ثوب الاستبداد السوفياتي أوائل التسعينات، وجل ما فعلته في الحقيقة أنها ارتدت فوقه سترة مدنية وربطة عنق، وبقي القالب قبضة من الحديد، فالاستبداد ذاته، والعقلية الاستخباراتية بأبرز رموز طواقمها (فلاديمير بوتين)، هي التي تسيّر البلاد وعلاقتها بالجوار القريب والبعيد وسياستها الخارجية.

عندما أسقطت تركيا طائرة سوخوي الروسية، دفع الروس في الساعات الأولى للحادثة الطيار الناجي من بين اثنين قتل احدهما، للظهور في الإعلام وليشهد على كذب تركيا، كما ادعوا، وهذا لا يحدث مع دولة ديمقراطية، فالولايات المتحدة، مثلاً، أو بريطانيا، أو فرنسا، لم تكن لتجعل الطيار يتعامل مع الإعلام، بل تجعل لذلك مسؤولاً سياسياً، كما يلحظ زميل صحافي. وبالطبع فضحت بعض المواقع البروبغندا الروسية، وكشفت زيف شخصية الطيار، فحركته الجسدية وقد صور من ظهره لا تتطابق مع الكلام الصادر عنه.

أما الإعلام السوري، فتفوق على ذلك بدرجات، فمن زيف شهود اغتيال الحريري عام 2004 امام المحكمة التي انشئت خصوصاً لذلك، إلى إحضار أشخاص من أقبية التعذيب بعد انطلاق الثورة السورية ليعترفوا على شاشة التلفزيون الرسمي أنهم «إرهابيون ارتكبوا جرائم في البلاد».
في لبنان منتصف السبعينات نفذ النظام السوري مجزرة تل الزعتر في المخيم الفلسطيني الشهير، وكذلك فعل أوائل الثمانينات بإبادته أحياء وعوائل بأكملها في مدينة حماه السورية. أما نظام موسكو فقد دمر مدينة غروزني عندما تمرد عليه الشيشان، ولم يتورع أن يكرر السيناريو في سوريا بصف طيرانه مدارس وتجمعات مدينة ليكمل ما دمره طيران النظام من قبله. ويلفت مراسل صحيفة «الحياة» في موسكو، على حسابه في «فيسبوك»، بعد اغتيال الطيران الروسي لقائد «جيش الإسلام» زهران علوش قرب دمشق، إلى أن «روسيا تكرر تجربة سابقة على هذا الصعيد، فهي اغتالت الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف، الذي كان جزءا من طاولة الحوار السياسي، وأفرغت الساحة لشامل باسايف الأكثر تشددا، لتبرر تعاملها بالحديد والنار». هكذا يتم التدخل في البلدان الأخرى، وانتهاك سيادتها.

نعم، بين البلدين أكثر من مجرد التباس في ترتيب الأحرف: بلاد يملك صحافتها الخاصة رجال أعمال قريبون من النظام، محدثو نعمة منغمسون في الفساد، قنوات تلفزيونية وصحافة وإذاعات، تغييب للرأي الآخر وترويج لسياسات النظام المحكوم أمنيا (ورثة كي جي بي في روسيا، ومؤسسات أمنية لا تعد في سوريا)، تلعب على القناعات الدينية والقومية، تقنع الجمهور بأنه مستهدف من الخارج، وأن النظام الحاكم هو حاميه من تلك المخاطر.

في الحقيقة، إن كل ما في النظامين في سوريا وروسيا يحول الجماهير إلى نوع من العبيد في سجن مفتوح، وإن حاولت هذه الجماهير التمرد على عبوديته، اندس رجاله وعملاؤه في صفوفها لتقسيمها، وهو تخريب يطال الجوار ايضا. فعل النظام ذلك في لبنان طوال هيمنته عليها في سنوات الحرب الأهلية من تدخل عسكري وأمني، فتت القوى الوطنية وجعل لكل طائفة وحزب عدة رؤوس. وهذا ما حصل في أوكرانيا، التي عندما انتفضت شعبيا قبل سنوات قليلة على نظام تابع لموسكو، نجحت روسيا في قضم حدودها، فافتعلت دويلة القرم وحركت سكان شرق أوكرانيا للمطالبة بالانضمام إلى روسيا بحجة أنهم من أصول روسية. وها هي روسيا الآن تحاصر أوكرانيا غذائيا كسلاح إذلال، تماماً كما يفعل النظام في حصاره للمناطق الثائرة عليه، التي يفرض عليها التجويع والحرمان من العلاج. الزبداني ومضايا والغوطة الشرقية والغربية بريف دمشق، وحمص..

سوريا وروسيا، بلدان بأحرف متشابهة وترتيب مختلف، نظامان متطابقان في عالم يسوده الانفتاح والتغير، لكنهما بقيا مع بلدان قلة (مثل كوريا الشمالية) يمارسان الحمق المطلق في زمن المتغيرات الكبرى، أحدهما يمثل «لعبة الديمقراطية» بتبادل الأدوار بين رئيس دولة ورئيس حكومة بما يسمح ببقاء بوتين في الحكم للأبد، ويعيش النظام الآخر وراثة البلد عن الأب في حكم وصفه موالوه بأنه «يبقى للأبد.. أو تحرق البلد».

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صواريخ الحوثيين تستهدف مكة

وكالات – مدار اليوم قال التحالف العربي الذي يحارب في اليمن وتقوده ...