الرئيسية / آخر الأخبار / الإخوان المسلمون في سوريا: أوهام وحقائق

الإخوان المسلمون في سوريا: أوهام وحقائق

الرابط المختصر:

وسيم الحافظ

للحديث عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تعرض الدراسة لصيرورتهم بعد ضربة “1980” التي مزقتهم، وأخرجتهم من سوريا. ومدى تأثير ما سبق، على تشكيلهم الجديد، من 1982 إلى 2010، مروراً بالمراجعات التي أجروها، والتحالفات الجديدة، التي أسسوها، والأوراق التي قدموها.

وتستطلع نموذج الخطاب الإسلامي، الذي يتبناه الإخوان المسلمون، والذي يشكل امتدادهم، في العمق السوري. وطبيعة القوى، التي ستكون في مواجهتهم، مستقبلاً.

كما تقدم الدراسة مقاربة لحقيقة بنية هذا التنظيم، رقمية، وتنظيمية، ومعرفة ما يمتلكون من قدرات، وكفاءات، وموارد مالية، وكيف يتم اتخاذ القرارات، في دوائرهم الداخلية. كما التدقيق في دور الإخوان المسلمين، في دوائر المعارضة، وحجمهم الحقيقي، بين الوهم والممارسة، ودورهم في دعم الفصائل المسلحة المعارضة.

وهل استطاعوا جسر الهوة القائمة في الانتقال من العمل السري إلى العمل العلني. وما حقيقة الغليان الذي يجري جرّاء تهميش النسق الثاني من صفوف الإخوان. وما دور الصراع المناطقي، وهل الإخوان مقبلون على تشققات في جسدهم التنظيمي.

يتأرجح الإخوان بين النظرية والمنهج من جهة، وبين البراغماتية وممارسة العمل السياسي من جهة. ماذا بقي من الفكر الإخواني؟ وما طبيعة الدور الذي يمكن أن يقوم به الإخوان، في حال انهيار الدولة، أو النظام، في سوريا. ماذا ينتظر الإخوان المسلمين. إذا ما انجذبوا إلى سحر السلطة، وشهوة الحكم.

السيرورة من عام 1980 إلى قبيل الحراك الثوري 2011

في البدء لابد من العودة، إلى الأحداث الدامية التي وقعت، بين الإخوان المسلمين والنظام السوري, والتي كانت بداية بفعل فصيل منشق عن جسد الإخوان، وهو تيار الطليعة المقاتلة، الذي أسسه مروان حديد (1934-1976) والذي نشأ بفعل انشغال الإخوان المسلمين، بخلافاتهم الداخلية، بين مكتب حلب ومكتب دمشق، حول شخص المراقب العام، وتفاصيل أخرى، الأمر الذي سهل على النظام السيطرة والتغلغل، في مفاصل الدولة، بعيداً عن أية معارضة، قد تخفف من غلوائه.

 في هذه الظروف، قام مروان حديد ممثل مدينة حماة، في جسد الإخوان، بتشكيل فصيل مسلح، منعزل عن جسد الإخوان المسلمين التنظيمي، واستمر بقيادته إلى أن قتل في السجن عام 1976.

استمر تيار الطليعة بعد مقتل زعيمه مروان حديد، بتنفيذ جملة من عمليات الاغتيال، التي هدف من خلالها، إلى إضعاف دولة البعث، وجرها وجر الإسلاميين عامة، إلى معركة لم تكن محسوبة ابداً.

وكان من نتائجها، زج الإخوان المسلمين بمواجهة انتحاريه، مع نظام نجح لتوه، بترسيخ أقدامه في لبنان، وسط مباركة عربية ودولية، الأمر الذي سرعان ما حسم المعركة لصالحه، وهزم الإخوان بين قتيل ومعتقل وهارب، أو منفي خارج البلاد، حيث يمكننا تصنيفهم، في الشرائح التالية:

الشريحة الأولى: هي التي قُتلت عبر مواجهات مباشرة، في قتال الشوارع، في سوريا، كان جلّها من الشباب اليافعين. ومن الصعب جداً، إحصاء أرقام حقيقية، لعدد من قتلوا في تلك المواجهات، التي امتدت من أواخر عام 1979 إلى نهايات 1982.

الشريحة الثانية: هي من زج بهم في السجون، بأحكام طويلة الأمد، وتمت تصفيتهم بالكامل، ولم يخرج منهم أحد، حيث تمت محاكمتهم، بموجب القانون /49/ الذي يجرم كل من يثبت انتماؤه لتنظيم الإخوان المسلمين، ويحكم عليه بالإعدام. وقد تم تطبيق هذا القانون، بأقسى صوره، ولم يخرج من سجون تلك المرحلة، وبعد 13-24 سنة من السجن المرعب، سوى من سجنوا على شبهات واهية، ولم تتم إدانتهم. وكانت الغاية من إخراجهم، بناء جدار من الرعب، وتسريب الفظائع، التي ستواجه يوماً كل من يفكر، مجرد التفكير في مواجهة مع هذا النظام، أنى كان حجم أو نوع هذه المواجهات، وتصل التقديرات الأولية، لعدد من تم قتله تحت التعذيب، أو أعدم شنقاً، أو مات بفعل الأمراض، وندرة الغذاء والدواء، قرابة 12 -15 ألفاً، ممن دخلوا السجون.

الشريحة الثالثة: وهي مجموعات من الشباب والقيادات، التي استطاعت النجاة بنفسها، خارج سوريا، باتجاه الأردن والعراق، والسعودية وجهات أخرى. وهي من ستكون النواة الباقية، لما سيشكل مستقبلاً، جسد الإخوان المسلمين الأساسي، وعليها سيكون مدار بحثنا.

هذه المجموعة الناجية من قبضة السلطة، تعرّضت لما تتعرض له معظم المجموعات المهاجرة، من مصاعب كثيرة، في الحفاظ على البنية التنظيمية، التي تكاد تكون مستحيلة، في ظروف يجهد فيها الهاربون، بتأمين موارد مستقرة للعيش، والتي ربما نجح تنظيم الإخوان، بتوفيرها لشريحة محدودة، من الكوادر القريبة، من بعض القيادات. وسيكون هذا عاملاً مهماً، في بقائهم ملتصقين بجسد التنظيم، مع صعوبة هكذا انتظام، في ظروف الشتات.

ومع توالي الأيام ستولد أزمات وخلافات تعزز الهشاشة في الروابط وتضمحل معها مستلزمات الأمر والنهي ومبررات السمع والطاعة ومقتضيات البيعة. ناهيك عن التغييرات العميقة التي أحدثتها ثورة الاتصالات وطغيان السياقات العولمية، التي لم تعد تسمح بانقياد الشباب، إلى قيادتهم التاريخية، بنفس الآليات السابقة، فقد تعددت المرجعيات، وانفتحت المصادر، ولم يعد ممكناً أن يساس الشباب بعبارة من قبيل “ملتفت لا يصل، والحجر المتدحرج لا ينبت عليه العشب، أو لا تمكن زائغ قلب من أذنيك” … إلخ،

فقد انتجت هذه التغيرات، تغيرات أخرى، على صعيد العلاقات، ومصادر المعرفة والتحليل، التي تشكل سلطة معرفية، موازية لسلطة التنظيم أو القيادة، الأمر الذي سيجعل من هيمنتها، أمراً بالغ الصعوبة.

مما سيدفع بالقيادة الإخوانية، لمزيد من التسامح والتساهل، مع هذه القاعدة المنهكة، والمشتتة جغرافياً، وسينتج عنه بنية تنظيمية هشة، يوحدها التاريخ المشترك للاضطهاد، والشتات الذي جمعهم، في بلدان شتى، إضافة إلى بعض الأرصدة المالية المتبقية بحوزة التنظيم إثر توقف حربهم مع النظام، حيث جرى استثمار هذا المال في شركات تجارية خاصة عملت على تشغيل بعض أفراد التنظيم وإبقائهم في فلكه، إضافة إلى تعزيز بعض الروابط العائلية بين هؤلاء المهجرين، حيث نشأت مصاهرات عائلية، بين العديد منهم، على خلفية هذا الانتماء، وبحكم الضرورات، التي تمليها ظروف المنفى، ومن السهولة بمكان، أن تجد شبكة واسعة، من الروابط والأنساب، بين الكثير من قيادات الإخوان، مردها الأساسي ما سلف ذكره.

الإخوان بعد رحيل الأسد الأب

ويستمر الوضع على هذا المنوال حتى نهاية عام 2005، حيث وقع الإخوان مع تيارات معارضة أخرى وثيقة إعلان دمشق، التي وقعت عليها مجموعة من الأحزاب السورية والشخصيات الوطنية. هذه المشاركة مع إعلان دمشق كانت من خلال بيان صدر عن المراقب العام للإخوان “علي صدر الدين البيانوني”، تلته مجموعة من البيانات والأوراق السياسية والتي كانت في مرحلة محددة خير ما أنتجه الإخوان من أوراق السياسات، وأكثرها اقتراباً من التحول الملحوظ نحو تبني الديمقراطية، والتداول في مقاربة السلطة.

إلا أن الإخوان سرعان ما بادروا ودون مشاورة شركائهم في إعلان دمشق، نهاية عام 2006، بالتحالف مع عبد الحليم خدام “نائب الرئيس السوري السابق”، في تشكيل جبهة الإنقاذ. وكان هذا التحالف بين الإخوان وعبد الحليم خدام مثار جدل حاد في الأوساط الإخوانية، (الذي اعتبره الكثيرون مراهنة على حصان أعرج). كما عمق الفجوة بينهم وبين إعلان دمشق. إلى أن أعلن الإخوان انسحابهم من هذه الجبهة عشية العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية عام 2008.

وبالطبع افتقر الإخوان حتى مطلع عام 2010 إلى أي وجود في الداخل السوري، بفعل القانون “49” الذي يقضي بإعدام أي فرد يثبت ارتباطه بتنظيم الإخوان المسلمين. وغير خاف دور التيار المشيخي الصوفي، الذي شجعه حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الأسد، والذي يشكل المقاوم الطبيعي من ذات الجنس لتيار وفكر الإخوان المسلمين، وسيكون هذا التيار من أهم العقبات التي سيواجهها الإخوان المسلمون حاضراً ومستقبلاً لسببين أساسيين.

أولاً: لأن الشطر الأوسع من هذا التيار (المشيخي الصوفي) بقي مصطفاً مع النظام، الذي يجد فيه شكلاً من أشكال تجلي المشيئة الإلهية، التي لا ينبغي مواجهتها، إلا بالانكفاء على إصلاح الذات، وكثرة الاستغفار. ويمكن أن يشمل هذا التيار معظم الحلقات الصوفية، التي التفت حولها شريحة واسعة من المسلمين، تنشد مصالحة سهلة وآمنة مع الله، ومع الذات والنسيج المسلم العام. وربما يكون من أبرزها، تيار الشيخ أحمد كفتارو (1912-2004) والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (1920-2013) ومفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون.

ثانياً: لن تسمح هذه التيارات المشيخية، لجماعة الإخوان المسلمين، أن تسلبها رعيتها، أو شطراً منها. إذ يشكل الإخوان المسلمون، ظاهرة أكثر تمدناً، وقدرة على الانخراط في المجال العام، السياسي منه والاجتماعي، لاسيما أن الإخوان بخلاف كل التيارات الدينية، والسياسية في سوريا، هم الوحيدون، الذين حافظوا على بنية تنظيمية متماسكة، ولو في الحدود الدنيا، تسمح لهم بإجراءات موصفة، ومؤسساتية لاتخاذ القرار، وانتخاب القيادات، وإن بقوا لفترة طويلة مرتهنين لخيارات الصف الأول، دون أية تنمية أو تأهيل يذكر، لأفراد من الصف الثاني، لتولي مهام القيادة. وإن كانوا في الانتخابات الأخيرة، لمجلس الشورى والمراقب العام، في (6-11-2014) قد نحوا باتجاه تعديل الصورة، من خلال إشراك بعض الكفاءات الشابة مثل حسام الغضبان، وحسان الهاشمي، وملهم الدروبي، وكلهم كانوا مؤهلين لخوض الانتخابات على مقعد المراقب العام.

لكنهم لم يتوافقوا في الختام، إلا على رجل بلغ السبعين من العمر (محمد حكمت وليد 1944).

المراقب الجديد والتحديات الداخلية والخارجية

هذا المراقب الجديد، الذي انتقل من رئاسة حزب وعد، الذي أسسه الإخوان، إلى رئاسة تنظيم الإخوان، والذي مضى على تسلمه لمنصبه الجديد، قرابة تسعة أشهر، دون أن نلمس أي تغيير أو سمة مميزة لهذا المراقب الجديد، الأمر الذي يوحي بعدم وجود رؤية جديدة، لدى تنظيم الإخوان أصلاً، وغير خاف الصراع العميق، الذي يجري في بنية تنظيم الإخوان، على محاور عدة، محور الصراع الصامت، بين الجيل القديم، العصي على مجاراة التطور من جهة، وبين جيل الشاب، الذي يعايش مفرزات العولمة، وثورة الاتصالات ومفاعيلها، على كل الصعد، وأهمها تقليص سطوة الإدارات، والقيادات التقليدية. والقدرة على الوصول إلى المعلومة، والمبادرة بالتصريح والتأثير في الرأي العام، ومن جهة أخرى الصراع بين كتلتي الثقل المناطقي في التنظيم، كتلة حماة، التي يمثلها رياض الشقفة، ونائبه السابق فاروق طيفور، وكتلة حلب، التي يمثلها علي صدر الدين بيانوني، المراقب الأسبق، وزهير سالم، مدير مركز الشرق العربي في لندن. المحور الثالث هو محور الصقور والحمائم، بين تيار متشدد، يمثله فاروق طيفور، وحسام الغضبان نائب المراقب العام، وعمر مشوح مسؤول المكتب الإعلامي، وتيار براغماتي مرن، يمثله المراقب العام الجديد، وحسان الهاشمي مسؤول المكتب السياسي، وملهم الدروبي، وربما كان الصراع الحلبي الحموي هو الأكثر بروزاً وأثراً في المشهد الحالي.

أضف إلى ذلك النمو الخطير للتيار السلفي، بشقيه الدعوي والجهادي، والذي سيكون على تيار الإخوان المسلمين، مواجهته في معركة فكرية، داخلية في صفوفه، وخارجية في الشارع العام. في هذه المعركة، ربما يمتلك السلفيون، أدوات ومنظومات فكرية أكثر تماسكاً وتحديداً، تعطي أجوبة حاسمة، وشافية لصدور من يعانون التهميش، ويلمسون ازدراء العالم لهم، واستخفافه بدمائهم، وبمظلوميتهم. ,ولن يكون من اليسير على الإخوان مواجهتهم، لا سيما وأن الاحداث الأخيرة، بعد عام 2012 مكنت هذه التيارات السلفية وبتحولها إلى تيارات تكفيرية، أن تقدم لجيل الشباب المسلم المقهور، أجوبة أو أحلاماً، بحلول حاسمة، تتوافق مع حجم القمع الهائل، الذي يتعرضون له، حيث أنها تقدم وعوداً، بعدالة معززة بالقوة، على منهج الكتاب والسنة، يكون لهم فيها وبشكل مباشر وشخصي، دور ملموس، في صناعة القرار، وتنفيذ هذه العدالة المرجوة. في المقابل ما يزال الخطاب الذي يقدمه الإخوان المسلمون، خطاباً مراوغاً، بين المبادئ الأساسية، التي نشأت عليها جماعة الإخوان في الأصل، وبين ما تمليه البراغماتية السياسية، وقواعد الانخراط في الفضاء العام، الأمر الذي يعني التنازل عن الكثير من الأحلام، التي نشأت عليها أجيالهم. وهم محاصرون بين ضغط قواعدهم من جهة، وبين ضغوطات التيار السلفي الجديد من جهة أخرى، هذا التيار الذي يجد تربة خصبة، في إهمال المجتمع الدولي، والذي يدفعهم دفعاً، للانخراط في تيارات عالية التطرف. وما الحشود الكبيرة التي تنضم إلى تنظيم داعش، والتنظيمات السلفية الجهادية الأخرى اليوم، إلا خير برهان على هذا التوجه.

الإخوان، نظرة من الداخل

وإذا حاولنا الاقتراب من واقع تنظيم الإخوان المسلمين، وبنيته الداخلية، والأعداد الحقيقية التي تشكل هذا التنظيم، بعيداً عن التهويل، الذي شارك به كثيرون، ومن خلال أعداد المشاركين في انتخابات مجلس الشورى، الذي لا يتجاوز أفراده الثلاثين عضواً، ومن واقع أن كل ستين نقيباً (النقيب هو من مضى على تنظيمه عدد كاف من السنوات) يمثلون بعضو في مجلس الشورى، فإن العدد التقريبي للإخوان السوريين يتراوح بين (1800-2000). مع الأخذ بعين الاعتبار، أن شطراً واسعاً من هذه الأعداد، مشتت في بلدان مختلفة، ولا يمارس نشاطه الإخواني، إلا بالحدود الدنيا، بينما تتركز الفئة الفاعلة في جسد الإخوان، بالمقيمين في تركيا والسعودية والأردن. إزاء تضييق شديد من دولة الإمارات والخليج عموماً على أي نشاط ظاهر لهم. يضاف إلى المشهد، مئات المنظمين الجدد، الذين هم بالأصل إما من أطياف الجسد الإخواني، وعوائلهم الذين عانوا الأمرين من ظلم وتضييق النظام، والذين سنحت لهم الفرصة الآن ليلتحقوا بهذا الجسد، الذي يجدون فيه الصف الواضح الخصومة، مع نظام طالما حلموا بزعزعته، أو دحره، وإما من شباب لم يجدوا في التيارات المشيخية والصوفية، تلبية لنزعتهم الإسلامية المدنية، التي تهدف للمشاركة في الحياة العامة، التي أنهكها الفساد. وتجد في الإخوان ممثلاً لهذا الاتجاه.

هذين الاتجاهين ربما يشكلون 30% من المنتسبين الجدد، بينما يشكل النسبة الكبرى 70%، تيار من الشباب الفاقد للهوية، والذي لم يجد في التيارات السياسية السورية، سوى الإخوان المسلمين، ملبياً لنزعته بامتلاك هوية محددة متمايزة عن الهويات الأخرى، التي فشل مشروعها. وهؤلاء لا يعرفون عن الفكر الإخواني، إلا العناوين العامة، التي لا تجعل منهم إخواناً مسلمين، منظمين كنظرائهم الذين مارسوا الحياة التنظيمية، وعركتهم البرامج التربوية الإخوانية، التي تصنع منهم أفراداً منضبطين، لكنهم بكل تأكيد، سيكونون قوة ضاربة، بمشاركة محيطهم الحيوي، في صناديق الاقتراع ذات يوم، إن أحسن الإخوان توظيفها. يبقى تمدد أو توسع الجسد الإخواني إشكالية مربكة، فبقدر ما هو معزز للوجود، والنفوذ على الساحة السياسية السورية، بقدر ما يشكل التوسع تهديداً، لتغيير بنية التنظيم، ومراكز القوى داخله، بفعل الأعداد الجديدة، التي يمكن أن تنتظم في صفوفهم، والتي يصعب التكهن، إلى أين يمكن أن تذهب في رغبتها وقدرتها، على التغيير في جسد الإخوان.

الخطاب الإسلامي ومدى علاقته بالشارع السني في سوريا

بالعودة إلى الأصول الفكرية للإخوان المسلمين، والتي تتركز في فكرحسن البنا (1906-1949) وسيد قطب (1906-1966) وبعض مراجعات الهضيبي (1949-1973)، فقد طور مصطفى السباعي (1915-1964) تلك المدرسة وربما يكون المؤسس الحقيقي لفكر الإخوان المسلمين في سوريا. وقد كانت له مشاركة في الحياة السياسية السورية قبل أن يقوم جمال عبد الناصر باغتيال الفضاء العام من خلال دولة الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961). إلا أن الأزمة العميقة التي عصفت بالإخوان المسلمين في مواجهة حكم البعث في الثمانينات من القرن المنصرم غيبت هذا الفكر وربما جعلته موضع اتهام كبير في ما آلت إليه أحوال الإخوان. الأمر الذي حدا بهم إلى مراجعات عميقة أوصلتهم في الواقع إلى الابتعاد عن المدرسة الفكرية الأولى التي صاغت صورة الإخوان في مصر وسوريا ولم يبق منها إلا البراغماتية السياسية التي تدفعهم في كل مرة لتقديم المزيد من التنازلات للتماهي مع المشهد العام ونفي خصوصيتهم التي منها استمدوا شرعيتهم ومبرر وجودهم لدى أتباعهم أصلاً. وربما تكون هذه إحدى أهم العقبات التي ينبغي على قيادات الإخوان الجدد مواجهتها بجرأة حيث اختصر خطابهم السياسي الجديد رغبتهم في المشاركة بالحياة السياسية والاحتكام إلى صناديق الانتخاب والقبول بمن يفوز بها أنى كان دينه ومذهبه مع الاكتفاء برغبتهم أن يكون القرآن مصدراً من مصادر التشريع (وهذا موجود أصلاً في الدستور السوري). وبهذا يتبدد حلمهم ببناء دولة إسلامية تحتكم إلى ما أنزل الله. هذا الحلم الذي يشكل العمود الأساسي لكل الفكر الإخواني، الذي دارت حوله جولات وحوارات، ومدارس في شرح سيد قطب، لمفهوم الحاكمية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ودستورهم الحركي “معالم في الطريق” الذي يشرح خصائص العصبة المؤمنة والتي لا تشبه البته خصائص اللاعبين في الحقل السياسي اليوم من شخصيات الإخوان المسلمين. من زاوية أخرى لم يقترب الإخوان إلى الآن من المطالعات الحديثة لمفهوم الدولة الحديثة وإمكانية بناء دولة إسلامية حداثوية يجدها وائل حلاق(1) في كتابه “الدولة المستحيلة” ضرباً من ضروب الوهم أو اللعب على التناقض بين شريعة ذات دفع أخلاقي تعنى برضى إله عادل وبين دولة حداثوية تحل بها الدولة محل الإله ويتصاغر فيها الإنسان أمام مؤسساتها وتعنى برضى السلطة الحاكمة وحلفائها. هذا التحول باتجاه الحداثة سيفقد هذه الدولة المنشودة روحها شيئاً فشيئاً إلى أن تتماهى في متطلبات السلطة. وهذا ما يحصل مع الإسلاميين الذين ينخرطون في الفضاء العام ويقدمون التنازل إثر التنازل عن القواعد الأساسية التي منها انطلقوا بالأصل، الأمر الذي يبقي على اسمهم ومكتسباتهم الحديثة بعيداً عن جوهر الفكرة المؤسسة لهم. وفي هذا المضمار سيجد الإخوان المسلمون أنفسهم في مواجهة صعبة مع قواعدهم أولاً ومع خصومهم الإسلاميين تالياً.

على الصعيد الفقهي، وهو الجانب الأكثر التصاقاً بالشارع الإسلامي الشعبي لملامسته معظم تفاصيل معاشهم اليومي من تحليل وتحريم وبيوع وعقود وميراث ليس للإخوان في سوريا اتجاه أو مدرسة فقهية محددة. وبالرغم من أن إخوان مصر قدموا كتاب السيد سابق (1915-2000) “فقه السنة” كمرجع فقهي غير ملزم للإخوان عامة، إلا أن إخوان سوريا فضلوا عدم الالتزام بمدرسة فقهية محددة يمكن أن تضيق عليهم أفق التواصل مع التيارات الأخرى. والحقيقة أنهم حتى في الخيارات الفقهية كانوا أقرب للتوافقية العامة وعدم التزام صيغة تضعف هذا الخيار الذي يستوعب ضمنه معظم الاتجاهات. مع العلم أن التيار الدمشقي في شطره الأوسع كان أقرب للمدرسة السلفية الألبانية (الشيخ ناصر الدين الألباني -1914-1999)، بينما كان تيار حلب وحماة أقرب للمدرسة المذهبية التي تمتح من مدرسة عبد الفتاح أبو غدة (1917-1997) ومحمد الحامد (1910-1969) وسعيد حوى (1935-1989).

ومع الحرص العالي على تبني صيغ وسطية وتوافقية في معظم الآراء الدينية، وعدم القطع حدياً مع أي اتجاه، فقد استطاع الإخوان أن يكونوا قريبين من قطاع كبير من سنة سوريا.

ولو حفرنا عميقاً في الموقف من السياسة، والمشاركة في الحياة العامة بوجه عام، سنجد أن غالبية السنة في سوريا يمكن أن ينقسموا إلى تيار شعبي مشيخي هو في الغالب خارج معادلات السلطة والصراع عليها. وينصب جل اهتمامه على بناء الذات الفردية إيمانياً وأخلاقياً والخلاص بها من الفتن ومن أية صراعات على السلطة وملوثاتها. وبالانضباط بمنظومة من الأحكام الفقهية تقنن له حياته وتعاملاته وعباداته. وينضوي تحت هذا الباب علماء مثل محمد سعيد رمضان البوطي ومدرسة عبد الكريم الرفاعي والشطر الأوسع من مشايخ سوريا. إلا أن الأحداث الأخيرة دفعت البعض منهم غير مختار، للانحياز إلى نبض الشارع العام الذي لم يعد يقبل الصمت إزاء ما يجري. الأدق أن المشهد لم يعد يتسع للوسطيين، فإما منحاز للسلطة وأدواتها ليصبح من أبواقها وممجديها، وإما منحاز للثورة وللشعب المقهور، وإن تجنب أن يكون ضمن مؤسسات المعارضة السياسية، إلا أنه انصب على إغاثة المتضررين وربما انحصر دوره في هذا الباب.

وتيار آخر يجد في الإسلام إضافة لدوره الفردي والديني معززاً ومرشداً للمسؤولية الاجتماعية والسياسية التي لا يمكن فصلها عن جوهر الدين ومقاصده ويتصدر الإخوان المسلمون هذا المشهد.  ويمكن القول دون مبالغة أن معظم من تضمه هذه المدرسة إنما خرج من تحت عباءة الفكر الإخواني أو اعتبر نفسه تطوراً أو تعديلاً عليه. وحتى مدرسة جودت سعيد(2) رغم تميزه عن غيره فقد جمع إلى الفكر الإخواني الأولي اتجاهات جديدة، من فكر مالك بن نبي، وأصبح معنياً بالوجه التاريخي والمسؤولية الحضارية للإسلام وانتهاج مذهب ابن آدم الأول (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك). حصيلة القول، إن الإخوان على الصعيد الفقهي، وهو الجانب الذي يشغل اهتمام عامة المسلمين في سوريا، قريبون جداً من إيقاع وتوجهات هذا الشارع. وعلى الصعيد الفكري يبدو أن الإخوان أنفسهم لم يعودوا أمناء للمدرسة الأم التي عنها تفرعوا وأدخلتهم البراغماتية السياسية، إلى مسارات وتوجهات جديدة لا تجد لها تأصيلاً في مراجعهم الفكرية الأولى. خاصة بعد انكسارهم في مواجهة الأسد الأب (1979-1982) الأمر الذي خلق لهم إشكالات ما تزال قائمة مع بعض التيارات الإسلامية داخل الجماعة وخارجها. وحالهم اليوم داخل مؤسسات المعارضة سواء المجلس الوطني أو الائتلاف يعكس هذا التخبط. ففي حين يؤكد فاروق طيفور نائب المراقب العام السابق والشاب عمر مشوح رئيس مكتبهم الإعلامي أنهم ماضون إلى بناء دولة إسلامية عبر صناديق الاقتراع، بحيث تعبر هذه الدولة المنشودة عن تطلعات الغالبية من السوريين. وعلى الآخرين الذين حازوا الأقلية الانتخابية، القبول بخيار الأكثرية. بينما يؤكد آخرون، وعلى رأسهم علي صدر الدين بيانوني المراقب العام الأسبق، ورياض الشقفة، المراقب العام السابق وحسان هاشمي رئيس المكتب السياسي، وآخرون كثر، أنهم يعملون لتأسيس دولة مدنية تشاركية تداولية، تحتكم إلى صندوق الاقتراع ولا تطمح إلى حكم الشريعة. في ذات الوقت، وفي أواسط عام 2013، يؤسس الإخوان بالتشارك مع آخرين علمانيين، من مسيحيين ومسلمين، حزباً وطنيا بمرجعية إسلامية (الحزب الوطني للعدالة والدستور “وعد”) الذي يعاني إلى الساعة مخاضين.

الأول: حول مضمون المرجعية الإسلامية، وإلى أي مدى ستكون هذه العبارة مغازلة لمن يحلمون فعلاً ببناء دولة إسلامية، وسيجدون في هذا الحزب وسيلتهم الأمثل من جهة، ومن جهة أخرى كيف يمكن أن تفسر هذه العبارة، عبر توالي التحولات التي ستطرأ على المشهد السوري مستقبلاً.

والثاني: يكمن في قدرة الحزب على بناء هويته المستقلة بعيداً عن الصبغة الإخوانية التي خرج من رحمها أولاً، وهل سيكون الذراع السياسي للإخوان أم أنه سيكون فضاءً تشاركياً يعيش فيه الإخوان والآخرون تجربة جديدة غير مسبوقة أصلاً وليس لها ما يعززها في حاضر الإخوان بأن يكونوا شركاء لا مهيمنين. ربما تتعزز فرص نجاح هذه التجربة لو استطاعت قيادة الإخوان الابتعاد عن ممارسة أي دور سيادي في هذا الحزب وترك شطر من شباب الجماعة يحاولون التشارك مع الآخرين في بناء تجربة جديدة خارج الموروث الذي ما زال يشكل عقبة كبيرة تعيق أي فعل تجديدي ملموس، في فكر الإخوان، وممارستهم السياسية.

يبقى السؤال الملح هل الإخوان فعلاً أمناء للفكر الإخواني الذي يمثله عصام العطار ومصطفى السباعي من حيث الممارسة، وهل هم فعلاً ينهجون نهج من يسعى لدولة إسلامية. ربما يكون الجواب على هذا التساؤل المشروع عبر احتمالين، الأول: إذا قدم الإخوان إلى الحكم عبر ثورة شعبية، نجحوا في امتطاء صهوتها، ربما تغريهم المشروعية الثورية ونشوة الانتصار، بفكرة إعلان دولة ذات مرجعية إسلامية، تداعب أحلام جماهير، لا تعي من فكرة الدولة الإسلامية، إلا فضاء التدين والعدل والأمان، وسرعان ما سيصطدمون بتدخلها المباشر بشؤونهم اليومية، التي اعتادوا عليها منذ أن وجدوا. الثاني: إن وصلوا إلى الحكم أو بعض مواقعه عبر صناديق الانتخاب وأصوات الناخبين، فسيكونون أسرى لاتجاهات تلك الأصوات، والحرص على عدم إزعاجها او استعدائها، الأمر الذي سيرغمهم على التقدم بروية عالية، قد تذيبها الوقائع اليومية وقوة القوى المعارضة، إن أحسنت بناء صفوفها الغائبة إلى الآن، فليس للعلمانيين هيئات منظمة، ذات برامج تمس الشارع السوري، وتكون بديلاً مقبولاً لدى الآلاف الواسعة، من الذين يجدون فيها بديلاً عن الإسلام السياسي كإطار للتحشد.

موقع الإخوان في التنظيم الدولي

من المعلوم أن ما سمي لاحقاً بالتنظيم الدولي ما هو إلا ائتلاف مكاتب البلدان العربية الذي أخذ دوره إثر اعتقال حسن الهضيبي في مصر والذي لم يعد إلى تبعيته للمرشد العام عندما استلم عمر التلمساني (1904-1986) هذا المنصب عام (1974) إثر وفاة حسن الهضيبي بمباركة من الرئيس أنور السادات (1918-1981) وبقي مكتب البلدان العربية بممثلين عن كل بلد عربي يمثل قيادة دولية موازية لمنصب المرشد العام الذي ثارت حوله إشكاليات عدة إلى أن تطور إلى ما سمي بالتنظيم الدولي. هذا التنظيم يضم شخصيتين من كل بلد ويقوم بفعل تنسيقي وليس له أية سلطة مباشرة على تنظيم أي بلد عربي. مع هذا، فإخوان سوريا، كونهم الجسد الإخواني الأكثر تعرضاً للاضطهاد والنفي من حكومة بلدهم، فهم يحظون بعناية خاصة تتعدى المشورة إلى التمويل والمساندة.

فقر الإخوان بالنخب السياسية المحترفة، وغياب الفعالية النسائية 

من خلال الوقائع الملموسة نلحظ غياب ممثلات نسائيات في مكاتب القيادة الإخوانية، وإن وجدت فهي لا تتعدى سيدة واحدة أي بمشاركة ضئيلة جداً. وبالرغم من اهتمام الإخوان الجديد نظرياً والمتأخر بتعزيز هذه النسبة إلا أنهم إلى الآن لم ينجحوا في تحويلها إلى واقع محسوس. ربما يعود هذا إلى سيطرة الفكر التقليدي القديم في معظم مفاصل القيادات الإخوانية. الأمر الذي يفرض تنحية النساء والشباب عن مواقع القيادة لعدم الثقة بقدرتهم على إدارة الأمور. وإن كان هذا يجري ممارسة، دون أن يكون صادراً عن قرارات مكتوبة كما في معظم توجهات الإخوان وتماشياً مع الفكر الإسلامي العام الذي ما يزال محكوماً بـ (ما أفلح قوم وليت أمورهم إمرأة) وهم يبررون غياب المرأة عن التمثيل في الجسد الإخواني إلى خوضهم سنوات طويلة من الملاحقة والحظر والنفي ولا يريدون للمرأة أن تعاني من هذا التضييق كما يعاني الرجال. مجمل القول إن التمثيل النسائي في الجسد الإخواني هو أقرب إلى الغياب. وهو أمر يجعل من انتشارهم في الأوساط الشعبية أقل حظاً من الاتجاهات الدينية الأخرى التي تعتمد على القطاع النسائي كحامل يدخل البيوت بيسر عصي على الرجال كما فعل تيار القبيسيات في دمشق حيث سيطر على الشطر الأوسع من قطاع التعليم الأولي.

وكفقر الإخوان في إدماج المرأة، في العمل السياسي، لديهم فقر في الكوادر السياسية، التي تتقن الحوار، وتمتلك الرؤية. وعلى الرغم من إلمامهم الواسع بأدوات العصر، وتقانات التواصل، إلا أنهم لم يمتلكوا إلى الآن خطابهم المميز الذي يتوجهون به إلى الآخرين خاصة شركائهم أو منافسيهم السياسيين.  لتبقى هذه الممارسات حكراً على القيادة السياسية التي هرمت وأوغل فيها الشيب ولسنوات عديدة، لم يظهر لديهم كمتحدث سياسي إلا علي صدر الدين البيانوني وزهير سالم ومجموعة صغيرة، نكاد نسمع لها تصريحاً هنا أو تصريحاً هناك. وباستثناء بضعة أوراق سياسات وبيانات صدرت خلال عشرة سنوات، لا نجد لهم منتجاً سياسياً، يوضح موقفهم، من العديد من القضايا الجديدة، التي برزت على الساحة السورية. مع العلم أن الإخوان في سوريا، قد قدموا مراجعات لممارساتهم السياسية السابقة، إلا أن هذه المراجعات بقيت في الأطر العريضة، وبقي بعضها مشروطاً بأن يقدم نظام الأسد مراجعات واعترافات، بما ارتكبه خلال تلك الفترة. كذلك فهم لم يقدموا تصورات أو برامج جديدة محددة، يستطيع المتابع العام أن يلاحظها، أو يكوِّن من خلالها تصورات محددة.

وإذا أضفنا إلى ما سبق، فقرهم سواء على صعيد منتج إعلامي دوري، يقدم رؤاهم ويعرف بمساراتهم الجديدة، إن وجدت، أو على صعيد التفاعل مع المستجدات، التي تطرأ يومياً ويعجزون عن تقديم موقف، يعبر عن توضعهم منها، كموقفهم من تنظيم القاعدة، ومن ركاكة الأداء الإخواني في مصر، ومن التحالف الذي تقوده أمريكا اليوم مثلاً. ومجرد الإطلالة، على موقع الجماعة على الشبكة العنكبوتية، يكفي لتأكيد فقر ما سبق ذكره، وبعده عن المهنية في الأداء الإعلامي المطلوب. وهم لا ينكرون هذا إلا أنهم لا يتبعونه بأية خطوة لترميم هذا الضعف. وربما يكون وراء هذا الإهمال للشأن الإعلامي، أو تركه في مستواه الحالي، آلية تعزز اتجاههم في الكثير من خطواتهم، للبعد عن الشفافية، التي تفرضها الممارسة الإعلامية، والتي قد تسبب لهم ارباكاً، هم في منجاة منه الآن.

وقد كانت مسألة حجم الإخوان الحقيقي وتمثيلهم في المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية مثار جدل. وعزز من ذلك قدرتهم على بناء التحالفات، خلال السنوات الثلاثة المنصرمة، الأمر الذي أوقع الكثيرين بوهم الجسد الإخواني الكبير والمهيمن. وربما كان هذا تواطئاً صامتاً، بين الإخوان والآخرين. فالآخرون يهولون من حجم هيمنة الإخوان لتبرير عجزهم عن بناء تحالفات أو مشاريع أو استراتيجيات وطنية وعلمانية تكون فاعلة في سير المجلس الوطني وتعصمه من الارتهان لتيار أو أجندة معينة. والإخوان يفيدون من هذا التهويل وربما يشاركون في صناعته ليستثمروه في بناء التحالفات من خلال إيهام الآخرين، أن التحالف معهم يفضي إلى كسب المزيد من الأصوات.  واليوم في الائتلاف، تتكرر ذات اللعبة. وحقيقة الأمر إن الإخوان يشاركون في الائتلاف بأربعة أشخاص مباشرين، وأربعة آخرين، هم لا يعترفون بتمثيلهم للإخوان المسلمين في هذا الائتلاف. كيف لنا أن نفهم هيمنة ثمانية أفراد، على ائتلاف عدد أفراده اليوم 108، يزيدون قليلاً أو ينقصون، حسب المنسحبين والمتراجعين. الأمر المؤكد والملموس أن التكوينات الأخرى، عجزت عن بناء توافقات أو تشبيكات بين مصالحها، الأمر الذي ترك هذه الساحة، ملعباً متاحاً للإخوان المسلمين، ومن يتحالف معهم.

ظاهرة مجموعة العمل الوطني

في مطلع عام 2011 وإثر بدء التظاهر السلمي الذي بدأ يتوسع في سوريا، بادر الإخوان المسلمون بتأسيس ما يمكن اعتباره “خلية أزمة”. وفي ذات الوقت بادر أحمد رمضان ومجموعة من شباب الإخوان المسلمين بتوسيع لقاءاتهم وشكلوا ما سمي لاحقاً بمجموعة العمل الوطني من أجل سوريا.

هذه المجموعة ضمت بعضاً من الشباب الإخواني الخمسيني الذين لم ينالوا فرصتهم في الاقتراب من مواقع القيادة في الجسد الإخواني ووجدوا في هذا المناخ فرصة مواتية لهم. إلا أنهم ظلوا إلى أمد قريب جسداً صغيراً يدور في فلك الإخوان “الجسد الأكبر”. واستطاعوا بدعم إخواني أن يكونوا جزءاً من المجلس الوطني السوري ومن الائتلاف الوطني فيما بعد، بصفتهم كتلة مستقلة عن الإخوان. وهذه بالحقيقة مراوغة انطلت على معظم أفراد المجلس الوطني أو أغمضوا عنها عيونهم. ومع تطاول الزمن الصعب وتبدي الحقيقة المرعبة من أن النظام لن يسقط خلال أشهر أو أسابيع كما كان مأمولاً، انحسر الشطر الأكبر من أفراد مجموعة العمل الذين لم يصل عددهم في الأصل إلى الثلاثين شخصاً موزعين في بلدان شتى، انحسروا إلى ثلث هذا العدد ونشأت بينهم وبين الإخوان المسلمين إشكاليات التفاهم على التمثيل والمواقف مما أودى بتلك العلاقة وقادهم للانفصال الرسمي عن الجسد الأم. سيبقى هذا الانفصال موضع ارتياب البعض، وتساؤل آخرين، بين مصدق ومكذب، وهذا ليس بغريب عن المراوغة السياسية، التي يتقنها الإخوان المسلمون. ومع المحاولات الحثيثة لتضخيم هذا الجسم الصغير، ورفده بمؤيدين أو مناصرين، إلا أن الفشل في تحويله إلى جسد سياسي حقيقي، ما يزال لصيقاً به.

الإخوان والعمل السري والعمل المسلح

وفيما يخص التزام الإخوان بالعمل السري الذي مارسوه للنجاة من سطوة السلطات التي ما فتئت تلاحقهم وتضيق عليهم، فقد وقع الإخوان بما وقعت به معظم الحركات السرية تاريخياً حيث تضطر تلك الحركات بفعل العسف والاضطهاد للهروب من فضاء العمل العلني الذي يوفر مناخاً ملائماً أو لازماً لنشر الفكر والتمدد تنظيمياً إلى مضائق العمل السري الذي يضيق عليهم الخيارات ويستنزف طاقاتهم في الإجراءات الدفاعية. لكن مع زوال هذا المبرر وانتفاء وجوده، يصعب على تلك الحركات العودة إلى الظهور والنشاط العلني. وهذا ما يعانيه الإخوان السوريون اليوم. فبالرغم من تغير المناخات وتبدل الظروف إلا أنهم لم يستطيعوا الخروج إلى العلن بشكل واضح وما تزال معظم ممارساتهم وتحركاتهم تتم في صمت وتكتم كبير. الأمر الذي الحق بهم ضرراً كبيراً حيث لم يعد هناك إمكانية للقيام بعمل جماعي سري في هذا الكوكب المتناهي الصغر.

أما بخصوص محاولات اقتراب الإخوان المسلمين من الفصائل المسلحة أو التشبيك معها عبر التقارب الفكري أو التمثيل نيابة عنهم في الائتلاف الوطني، أو في المجلس الوطني، أو القدرة على بذل القليل من الدعم، الذي قد تقدمه بعض الدول، التي مررت بعضاً من دعمها عبر قنوات الإخوان المسلمين، فقد فشلت تلك المحاولات جميعاً. الأمر الذي دفع الإخوان لتشكيل أو تبني ما سمي بالدروع وهي صيغة إخوانية للعمل المسلح لم يكتب لها النجاح. إذ أن الدخول في لعبة السلاح وإدارته ميدانياً أمر يحتاج لمقدَّرات عالية لا يمتلكها الإخوان المسلمون، ولا غيرهم من المعارضة السياسية السورية. إضافة إلى أن الموقف الإخواني الداخلي تجاه الاشتراك بالعمل المسلح هو موضع خلاف عميق. ربما يكمن أساسه في التجربة المريرة التي خاضها التنظيم في مطلع الثمانينات علاوة على ضعف المقدرات المتوفرة لإدارة هكذا عمل. لكن هذا لم يثن الإخوان عن المحاولات المتكررة، في تمثيل بعض الفصائل المسلحة، ذات التوجه الإسلامي، بأن يكون الإخوان ممثلاً سياسياً عنها، في الدوائر الوطنية، والساحات الدولية، ليفيد الإخوان من ثقلهم في الداخل السوري، وفي تثقيل مواقفهم السياسية. وتأتي المحاولة الأخيرة، في التشبيك مع أحرار الشام، بالرغم من توالي النفي والتأكيد من الطرفين، في سياق تكرار الإخوان، محاولات التشبيك والاحتواء لتلك الفصائل المسلحة، ذات التوجه الإسلامي، ليشكلوا معاً تكاملاً بين السياسي والعسكري، يكون معززاً لقوة الطرفين، ورداً على التهميش الذي بدأ الإخوان يتلمسون نتائجه، وليس أقلها ضعف مواردهم المالية، وقطع البعض منها. الأمر الذي يهدد قدرتهم في لعب الدور الذي يريدون في الملف السوري. علاوة على هذا، لا يخفى أهمية هذا التكامل المطروح، في هذه المرحلة، التي قد تسفر قريباً عن بسط سيطرة تركية، على قطاع من الشمال السوري، سيكون على أقرب الحلفاء إدارته بالنيابة عن الأتراك، ويفترض أن يكون الإخوان، بالتكامل مع أحرار الشام، خير من يديرون تلك المرحلة. بالطبع سيكون هذا تحدياً صعباً، يواجهه الإخوان، فهذا الاتجاه لن يرضي الحليف الأمريكي، وهو أهم الحلفاء، وإن كان يتناغم مع التوجه القطري التركي.

خاتمة

بالرغم مما سبق ذكره، من مواطن ضعف تعتري الجسد الإخواني السوري، إلا أن بعضاً من مراكز صنع القرار الدولية والإقليمية، ما يزال يعول عليهم في حمل وتعزيز ما يمكن أن ينهار، عند انهيار المؤسسات وتصدع الدولة السورية. وهذا ما يراهن عليه بعض الساسة الأمريكان على ما يبدو، وهم بذلك يفيدون منهم مرتين. مرة في تحشيد أكبر قدر من الشارع، قد يسهم في تخفيف كوارث الانهيار، على الصعيد الإنساني والمؤسساتي، وكنتيجة لهذا سيستهلكون طاقاتهم، ويخسرون الكثير من تحشيدهم الذاتي، لفقر الأداء وعجزهم على حمل هذا الانهيار الهائل، الذي سيخلفه انسحاب أو سقوط نظام الأسد وإيران، والذي ستعجز عن حمله أية قوة، مهما هيئ لها من أسباب، لا سيما وإن إعادة البناء عمرانياً وإنسانياً، سيستمر عقوداً، ولن يكون من اليسير على أية جهة، أن ترضي جيوش المتضررين، الذين تضمهم مخيمات اللجوء، أو الأقبية المتهدمة. وأياً يكن من سيتنطع لهذه المهمة الصعبة، سيكون عليه مواجهة الطوفان الشعبي، الذي سيحمله مسؤولية كل ما خلفته الحرب الدائرة، حيث العبء كبير والمقدَّرات ضعيفة جداً.

سيتبع هذا فراغ سياسي كبير يغري أو يضطر الإخوان المسلمين للدخول إلى مؤسسات الحكم الأمر الذي سيكون طريقاً سريعاً لتعويمهم و اختبار هشاشتهم عبر سحر السلطة التي لا يملكون أدنى تجربة أو خبرة بها وستتدخل المعارضة العلمانية وحتى الفردية منها لحشد جيوش المعارضين أو المخالفين للإجهاز على ما بقي من أحلامهم ولن يكون بمقدرتهم مواجهة الدولة العميقة التي تنتظرهم وتنتظر غيرهم وليس بعيداً ما حدث في مصر بالرغم من تقدم الإخوان المصريين على نظرائهم السوريين بأشواط في هذا المضمار، إذ أن إخوان مصر سبق أن شاركوا في الحياة السياسية المصرية، وكان لهم في البرلمان المصري، أكثر من ثمانين ممثلاً، علاوة على التحالفات، التي اعتمدوا عليها فكيف بإخوان سوريا وهم يفتقرون إلى أية ممارسة سياسية في الواقع السوري خلال أربعين سنة، عدا عن وجودهم في صفوف المعارضة المقصاة والمنفية، يضاف إلى ذلك إحساسهم العالي والحقيقي بالمظلومية الكبيرة التي تنشئ وهم الأحقية أو القدرة على القيادة والأرجح ألا يقبل الإخوان البقاء في مقاعد البرلمان والقطاعات الخدمية كالبلديات والنقابات ريثما يستقر المشهد السياسي في سوريا ويكتسبون شيئاً من الممارسة الميدانية في الشأن السوري.

والحقيقة إن هذه الإشكالية، لا تنطبق على إخوان سوريا وحسب، إنما على كافة الأطر السياسية المعارضة، حيث ينسحب ما سلف من الكلام، على معظمها، وربما يتفوق عليهم الإخوان، بقدرتهم الأوسع على تحشيد الجماهير، لخطهم العام في المستقبل. ختاماً ربما يعتبر الإخوان، أن خطوتهم بتأسيس حزب وعد (الحزب الوطني للعدالة والدستور)، ستكون معبراً مناسباً لهم، للولوج إلى عالم السياسة، في سوريا المستقبل، التي لا تشبه في شيء، تلك التي عاشها السوريون، في زمن ما قبل الثورة، إلا أن الوقائع أثبتت، أنهم استعجلوا الخطوة، ولم يعدوا لها ما يلزم من أدوات، فكانت كنظيراتها من التجارب الحديثة، فكرة تفتقر إلى البيئة الطبيعية لولادتها، كما أن الحزب الجديد لن يستطيع نفي الصبغة الإخوانية، التي يكتسي بها، الأمر الذي سيحول دون توسعه، وقدرته على لعب دور مهم، في الساحة السورية مستقبلاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – وائل حلاق (1955): باحث متخصص بالقانون وتاريخ الفكر الإسلامي، أستاذ الإنسانيات والدراسات الإسلامية في قسم دراسات الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا في جامعة كولومبيا، يعتبر حلاق مؤلف ومحاضر واسع الاطلاع إذ لديه الكثير من الإسهامات بمجال الدراسات الإسلامية، رغم خلفيته غير الإسلامية فقد تم تصنيفه ضمن أكثر 500 شخصية مسلمة تأثيراً على مستوى العالم.

2 – جودت سعيد (1931) مفكر إسلامي سوري التقى بالمفكر الجزائري مالك بن نبي وتأثر بأفكاره التي تتمحور حول لاءات ثلاثة، لا للعنف، لا للسرية، لا للتنظيم والتحزب، وقدم نموذجه المتميز للعمل الإسلامي، الذي يعتمد أساساً على كتابه “مذهب ابن آدم الأول مشكلة العنف في العمل الإسلامي” المستقى من الآية القرآنية (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين).

وسيم الحافظ: باحث في الشأن السوري

المصدر: مبادرة الإصلاح العربي

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...