الرئيسية / آخر الأخبار / مغامرات رجل ستيني…..

مغامرات رجل ستيني…..

ميخائيل سعد
الرابط المختصر:

ميخائيل سعد

قررت أن أخوض مغامرة عاطفية متحدياً بذلك عمري وأعراف المجتمع التي ترى في ابن الأربعين كهلاً تعيب عليه التفكير بالعواطف والنساء. فكيف بشخص مثلي تجاوز الستين، وكأن على الإنسان في هذا العمر، أن يتحول إلى صنم من شمع أو خشب أو صخر. المهم أنني قررت أن أفعل واقعياً ما يحلم به كل العجائز الذي هم في عمري.

صحيح أنهم كانوا يعبّرون عن رغباتهم العاطفية، مع أصدقائهم في المقاهي، عبر استحضار قصص بطولاتهم التاريخية في حروبهم الغرامية الماضية، كما كان يفعل نظام الممانعة الدمشقي عندما يُسأل عن حدوده الهادئة مع اسرائيل، فيتحدث عن حروب ٧٣، وحروب “حزب الله” في لبنان وكأنها حروبه، ولكنني قررت تحديد مكان وزمان المعركة القادمة والسير في تجربة عملية حقيقية دون التمعّن في نتائجها.

كنت قد أمضيت عدة ساعات على (الفايسبوك) أكتب غزلاً ملتبساً يتأرجح ما بين حب الوطن وحب المرأة، كي أستطيع الهرب من الإحراج، كما يفعل الكثير من فرسان وفارسات (الفايسبوك)، إلى أن وقعت أربعينية في شباك كلامي الجلف الذي يمكن أن نسميه أي شيء إلا كلاماً غزليلاً. وبعد كلام عام انتقلنا إلى الحديث على الخاص، حاول فيه كل منا أن يغش الآخر بكل كلمة قالها، مستخدماً أسلحته الالكترونية، وأخيراً اتفقنا أن نلتقي على الغداء.

 ولما كنت قد اقتحمت الرابعة والستين من عمري دون خوف ولا تردد، كما يفعل السياسيون الثوار وهم يقتحمون الفنادق الراقية أو الطائرات، فقد وجب علي، الآن، أمام السيدة الأربعينية، أن أرقّع في شكلي الخارجي العام كي أغشها. استشرت صديقة، أمون عليها، بلون الصبغة المناسبة لشعري، ففعلت مشكورة مع نصيحة مهمة منها: أن يبقى في شعري بعض (الميش) الفضي، كي يكون لون الشعر الجديد معقولاً وأقرب إلى الطبيعي. استشرت صديقاً أكبر مني بالعمر عن الجوانب التي يجب أن أخفيها فقال: عندما يكبر الإنسان في العمر، يختفي من جسده كل ما هو مفيد ويظهر البشع وغير اللازم، فمثلاً عليك إزالة الشعر الذي ينبت بغزارة في الأنف ومداخل الأذنين، كما أن عليك أن تحلق صباح الموعد جيداً، مستخدماً مرآة مكبرة كي لا تفوتك بعض الشعرات البيضاء المختفية تحت الذقن أو في مدخل الأنف، وأنصحك أن ترتدي كنزة لها عنق طويل كي يخفي تجاعيدك، ولا بأس عليك أن تشتري من صيدلية جان كوتو أو أي صيدلية أخرى حزاماً شديداً تضعه حول بطنك فيخفف من بروز الكرش قليلاً، وحاول أن تستخدم العطور التي يستخدمها أولادك الشباب، فهي من جهة تخفي ما يصدر عن جسدك من روائح غير محببة، ومن جهة أخرى تثير مشاعر المرأة التي تحب العطور المعروفة في أوساط الشباب. بعد ذلك، استشرت صديقاً اربعينياً معروفاً بنسونجيته عن نوع أو أنواع الثياب المفضلة في هكذا أجواء ولقاءات، فاقترح علي أن أرتدي بنطالاً من الجينز الأزرق، لأن الجينز يعطي للشخص إيحاء قوياً بالشبوبية والجنس، مع جاكيت سبور ملونة قليلاً كي توحي بالشباب، وتكسر رصانة اللون الواحد، ومن المفضل أن تضع خاتماً ذهبياً كبيراً في إصبعك للإيحاء بالثراء، فالمرأة، في هذا العمر وما فوق، تحب السلطة والثروة.

في الموعد المحدد، كنت جاهزاً. فقد نفذت كل نصائح الأصدقاء. ذهبت إلى المطعم المتفق عليه بعد أن وضعت وردة حمراء في عروة الجاكيت، وهي دليل التعارف بيننا، وأخرى على الطاولة كي أقدمها للسيدة كما يفعل العشاق عادة، واخترت الطاولة المناسبة للشوشرة الغرامية، وجلست منتظراً. بعد قليل دخلت سيدة أنيقة، عليها بقايا جمال، تبدو في السبعين من العمر، مسحت المكان بنظرة سريعة، ثم اتجهت صوبي بحيوية بنت الأربعين وابتسامة بنت العشرين، وقفت ماداً يدي مسلّماً. قدمت نفسها على أنها الصبية التي حدثتني البارحة، بلعت ريقي الجاف كمن يبتلع سمكة بحراشفها فكدت أختنق، وسعلت سعلة قوية، أدت إلى تطاير الفك العلوي من أسناني الصناعية وسقوطه على الأرض والذي نسيت أن أضع تحته لاصقاً مؤقتاً له.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...