الرئيسية / آخر الأخبار / كتب صنعتني

كتب صنعتني

كتب صنعتني
الكاتب الفلسطيني السوري أحمد سعيد نجم
الرابط المختصر:

 أحمد سعيد نجم

عندما يستعرض المرء مسيرته مع قصص الحُبِّ التي عاشها في حياته، فإنّ أوّل قصصهِ تحتل، في العادة، مكان الصدارة حتى وإنْ كانت قصّة حب فاشلة. ومثلُ هذا القياس ينسحب أيضا على الكتب التي قرأها، وتركت فيه أثرا لا يُمحى.

فإنْ كان الحال كذلك فلمَ لا نبدأُ مع “البؤساء”؟ ومع الولدِ الذي كُنْتُهُ، أواخر المرحلة الإعدادية، أيْ أواخر الستينات من القرن الماضي، وكان يتسكعُ في المنطقة الممتدّة من جسر فيكتوريا إلى بوابة الصالحية، في دمشق الشام، عندما استوقفته بسطة لبيع الكُتُب، وأي كتاب فيها بليرة سورية واحدة.

وكانت الليرة في ذلك الحين مبلغا، وهي هناك في جيبي، ويعلمُ الله وحده كيف تجمَّعَ في جيبي ملء ليرةٍ، في ذلك الزمن، الذي اعتادَ الناس تسميته بالزمن الجميل. وبعد تأمل طويل في العناوين المنثورة على الأرض امتدت يدي وتناولت رواية “البؤساء” لفيكتور هيجو.

لماذا اخترت تلك الرواية دون غيرها من الكتب؟ أكنت أعرف شيئا عنها، أو عن مؤلفها؟ أشك في ذلك. ففي أيامنا الراهنة، وبفضل وسائل الإعلام الرهيبة، يخلق الطفل أمام التلفاز. يد تمسك الرضاعة، وأخرى تمسك الآي فون، وعليه فإنه بالإمكان القول إنه يمتلك معرفة قبلية، إذا جاز لنا استخدام هذا المصطلح الكانتي، بالبؤساء، ودون كيخوتة، وتوم سوير، ورحلات غلفر، و.. و..، من قبل حتى أن يعرف أقرباءه الأقربين.

ومثل ذلك الأمر لم يكن ميسورا في ما مضى من عقود. ثمّ إن السؤال الأهم هو لماذا اخترت أصلا أن أشتري بالليرة التي تجمّعت لي، ولا أعرف كيف تجمّعت، فلربما كان التوقيت يتعلق بأحد الأعياد، وكانت هي مجموع ما تجمع لي يومها من عيديّات، أن أشتري بها كتابا، ولا أنفقها، مثلاً، على الأشياء التي اعتاد الأولاد، في سنّي، أن ينفقوا أموالهم عليها؟ ولكن، عَنْ جد، لماذا “البؤساء” وليس سواها؟

لم تكن رواية “البؤساء” أوّل شيء أقرأه في حياتي خارج منهاجي المدرسيِّ. فلقد نشأت في بيت كانت فيه مُكيتِبَة، تخصُّ من هم أكبر مني. وكانت على قَدّ الحال. غير أن استقرار رواية “البؤساء” وسط واحدٍ من رفوفها، وقد كان بها، بالمناسبة، رفّان لا غير، كان إيذاناً بأن زمن “قدّ الحال” الذي كانت عليه تلك المكتبة قد ولّى إلى غير رجعة.

“البؤساء” ستجر من خلفها الآلاف الكتب.

والبرهة الغامضة التي امتدت فيها يدي تدفع ليرة كي تأخذ كتابا كانت برهة مفصلية، وأشبه بولادة جديدة. برهة أورثتني السعادة، وأورثتني مع السعادة شقاء لا حدود له. شقاء أن لاتنام هانئا كالآخرين. وشقاء أن تواصل التفكير في الأشياء إن نمت. شقاء أن تتأمل الأشياء بدل أن تمر عليها مرور الكرام. شقاء أن تسأل وأنت تتأمل. أن تسأل أسئلة لا إجابات عنها، ومنها مثلا ذلك السؤال البسيط:

– لماذا “البؤساء”، ولماذا ليس أيّ كتاب آخر غير “البؤساء”؟

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الوحدات الكردية تداهم مخيم الهول وتعتقل عشرات النازحين

الحسكة – مدار اليوم داهمت دوريات تابعة للأسايش الكردية اليوم الجمعة، مخيم ...