الرئيسية / مقالات / محمد أبو رمان يكتب: بحث عن أفق غائب

محمد أبو رمان يكتب: بحث عن أفق غائب

الرابط المختصر:

محمد أبو رمان

أنجز روائيون عرب قراءةً أخرى للواقع، تنقلنا أمام ما قد يغيب عن النقاشات الدبلوماسية والصور الإعلامية، إلى العوالم النفسية والمجتمعية، وما حدث فيها من تحولاتٍ خطرة ومرعبة. هي قراءة سوداوية، لكنها صادقة وصادمة لما نمر به اليوم، لكن أخطر ما فيها أنّها تفتقد وتفتقر لأفق الخروج من الأزمات الراهنة، وتمضي في السوداوية الواقعية نحو المستقبل، وربما هذا الأفق الغائب ليس جريرة الرواة، بل هو ما ينطق به الواقع، ما يجعل من القلق الحالي ليس عابراً، بل مسكوناً بمسار يتدحرج دوماً نحو ما هو أسوأ.
من الروايات المثيرة والمهمة رواية “فرانكشتاين في بغداد” للعراقي أحمد السعداوي (حصلت على جائزة بوكر العربية). وهي تتحدث عن الحالة الراهنة في العراق، وتعيد استنساخ أو إنتاج فكرة فرانكشتاين (الكائن المسخ الغريب الذي يقتات على الدماء)، لتطبيقها على الحالة الاجتماعية اليوم، خصوصاً المليشيات المتقاتلة على الهوية، والتي تنمو وتترعرع في الفوضى وانعدام الأمن والإحباط. ومن تلك الروايات، أيضا، رواية العراقي علي بدر “الكافرة”، عن امرأة تعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية قهرية، وينفذ زوجها ووالدها عمليتين انتحاريتين مع جماعة متشددة. وتتناول الرواية الحياة في ظل الجماعات المتطرّفة، ثم الوصول إلى الهجرة بوصفها حلاً، لكن الرواية تتركنا مع أشباح الأوطان العالقة فينا، حتى في بلاد الهجرة الجميلة!
“الموت عمل شاق”، رواية السوري خالد خليفة الذي كتب سابقاً “مديح الكراهية” (تحدثت عن تجربة الصراع بين النظام والإخوان المسلمين في الثمانينيات)، بينما في روايته الجديدة يتطرق إلى الحرب الداخلية في سورية، وتأثيراتها التي ليس من السهل رصدها سياسياً وإعلامياً واقتصادياً على الإنسان والثقافة والمجتمع والعلاقات بين البشر. وترصد العقل الباطن لأبطال الرواية، والتدمير الأخطر الذي حدث في المجتمع عبر العقود الماضية، وهو تدمير الأخلاق والمظلة القيمية.
الرواية المرعبة بحق هي للجزائري واسيني الأعرج، “2084؛ حكاية العربي الأخير”، بطلها آدم عالم فيزياء نووية عربي في الولايات المتحدة، محجوز في قلعة أميركية في صحراء الربع الخالي، في العام 2084، ويحمل الجنسية الأميركية. بينما تتحدث الرواية عن الشعوب والمجتمعات العربية في مرحلة ما بعد النفط التي عادت إلى حالة القبائل البدائية، وهناك منظمة دولية معنية بالعرب اسمها “منظمة الدفاع عن حقوق الأجناس الآيلة للزوال”، وفي مقدمتهم العرب طبعاً! تتحدث الرواية، عملياً، عن نبوءة مرعبة، من وحي التطورات الجارية في العالم العربي، وهي انقراض العرب سياسياً وحضارياً وثقافياً. وتستلهم مصطلحات ورموزاً من رواية جورج أورويل الشهيرة “1984”، باعتبار أنّه في العام 2084، سيكون قد مرّ على عنوان تاريخ رواية أورويل عن الأخ الأكبر مائة عام. تستنبط الرواية أحداثها وتطوراتها من مسارات راهنةٍ في العالم العربي؛ انهيار الدولة القطرية، وتحوّل المجتمعات نحو صراع طائفي وعرقي وديني، ينتهي بها إلى حروب داخليةٍ وعودةٍ إلى البدائية والقبلية، والتصارع على المصادر الأولية؛ نمو المحور الإيراني-الروسي-الصيني لمواجهة التحالف الأميركي-الأوروبي؛ وجود إسرائيل قوة مهيمنة في المنطقة؛ بروز التنظيم الذي يمثّل الشكل الجديد للإرهاب بعد نهاية “داعش”، وهو تنظيم عالمي على درجة أكبر من الذكاء والتعقيد والفعالية والتخطيط؛ نضوب النفط وموت ملايين العرب بسبب الحروب الداخلية والجوع والتناحر؛ بروز الاتجاه الفاشي في الغرب، نتيجة الصراع مع التنظيم، ويمثّله في الرواية “ليتيل براذر” (الأخ الأصغر)، في محاكاة لمفهوم الأخ الأكبر عند جورج أورويل الذي يضع شعار “العربي الجيد هو العربي الميّت”، على جدار القلعة.
ثمّة غموض وحالة مركّبة في شخصيات الرواية، وبعض أحداثها وحيثياتها. لكنّ تلك التناقضات تعطي الرواية جمالية أكثر. فمن قال إنّ التناقضات والمفارقات غير موجودة في الواقع؟ وربما نجد هذه السمة في شخصية آدم نفسه بطل الرواية العربي، ولعلّ ذلك يعكس حجم التناقضات الهائلة في أوضاعنا ومجتمعاتنا اليوم.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...