الرئيسية / آخر الأخبار / ذاكرة الغياب بين الأب والابن!

ذاكرة الغياب بين الأب والابن!

ذاكرة الغياب بين الأب والابن!
الرابط المختصر:

سوريا الزهوري

كنت في السابعة من عمري، يوم قالت لي امي غدا موعد زيارة جدك بدك تروحي معي.

مساءاً. كانت امي تبدأ بترتيب الاغراص، التي جهزنها كي تأخذها للزيارة، كنت اسمع ابي بقول:

– لا تاخدي هدول ممنوع بيجوز ياخدوهم منك. في شغلات ما لازم تاخديهم معك، يمكن يرجعوهم او يصادروهم يقول ابي.

 متل شو ؟؟ تسأل أمي شو بدي اخد شوية اكل واغراض. اكيد بيكونوا ثيابه صار لازمهم تبديل.

يقول ابي:

  • أنا أمنت لكم سيارة والسائق ابن حلال وطيب … لكن ديروا بالكم على حالكم.

أمي طيلة وقت ترتيب الاغراض، كانت لا تتوقف عن البكاء، وفي فمها جملة واحدة:

  • يا حبيبي يا ابوي اشتقتلك بكرة بدي اشوفك… كانت ترددها كثيراً وبشكل متواصل.

يبدأ مشوارنا قبل طلوع الفجر. فسجن المزه العسكري بعيد. وانا وأمي في السيارة. كان الصمت سيد الرحلة، الا من بكاء امي، فقد كانت تبكي، وتمسح دموعها، وتقول لي:

  • هلأ رح يفرح جدك لما يشوفك.

كانت الطريق طويلة حتى انني كنت انظر الى امي، وفي فمي سؤال، متى سنصل لتجيبني، وكأنها قرأت سؤالي:

  • بعد شوي راح الكثير، لسه القليل.

نصل الى المكان المقرر. اذكره جيداً. ملامحه مازالت عالقة في راسي. كنت اشعر اننا وصلنا الى منطقة مهجورة مفصولة عن العالم الخارجي، تطلب امي من السائق، ان ينتظرنا. يقول لها، انا بامرك، لا تشيلي هم.

نقف في طابور طويل قبل ان يبدأ التفتيش. هنا امسكت امي بيدي، وشدت عليها، شعرت حينها بمدى خوفها … قال لها العسكري، شو معك افتحي الشنطة.

تفتح امي الشنطة، ولكنها لا تفتح فمها بكلمة. التفتيش كان دقيقا للغاية. لا صوت لاي زائر، فقط اصوات العساكر الذين يحومون حول اسوار السجن وداخله. ينتهي التفتيش.

يلا فوتوا يقول العسكري، قبل ان ينادى على جدي. اذكر جيداً وتماماً صوت ذلك الضابط حين صرخ:

  • عز الدين الصغير…. زيارة.

وما ان تسمع امي اسم جدي حتى تبدا بالبكاء. يطل جدي من بعيد بوجه شاحب وقامة طويلة. شحوب وجه بدده بابتسامة رسمها، كي يخفي دموعه المتحجرة في عينيه، يقترب من القضبان الفاصلة بيننا وبينه قائلاً:

  • كيفك يا بنتي؟

تجهش امي بصوت محروق. جدي ينحني الي قائلاً:

  • وانتي يا جدو كيفك؟ شو هالفستان الحلو .. صايرة صبية!

ثم يبدأ بالسؤال عن الجميع. امي كانت تردد، كلنا بخير بس انت تكون بخير. جدي يرسم ابتسامه مرة اخرى محاولاً ان ينهي بكاء امي قائلاً:

  • بكفي بكي يا ايفا أنا منيح.

تنتهي الزيارة، ونعود من حيث اتينا. اليوم. مازلنا نعقد امالنا بلقاء غائبنا. ما زالت امي ومع كل فجر، تدعو لله، ان يجمعها باخي المعتقل منذ ثلاث سنوات، ولو بزيارة مكللة بدمع الفرح … وقرب اللقاء!

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تحركات عسكرية روسية: نشر “إس300” شرق سوريا

وكالات – مدار اليوم نشرت روسيا منظومة الدفاع الجوي “S-300”، التي قدمتها ...