الرئيسية / آخر الأخبار / الراقصات وفرع فلسطين

الراقصات وفرع فلسطين

الرابط المختصر:

ميخائيل سعد

 في الشهر السابع من عام ١٩٨٩ وصلت مونتريال قادما من سوريا، ولم يكن قد مضى على إطلاق سراحي، من فرع فلسطين، أكثر من شهرين ونصف. تعرفت على شباب سوريين سريعا، فكل سوري كان عبارة عن مركز لحلقة من السوريين الآخرين، وهكذا لم يمض على وصولي الى مونتريال، إلا عدة أشهر حتى كنت قد تعرفت على عشرات السوريين واللبنانيين والعرب الآخرين، وكان لكل منهم قصته وأسباب هجرته المختلفة عن الاخر، ولكن الجميع، أو أغلبهم، كانوا متفقين، رغم استماتتهم للحصول على الهجرة، على أن سوريا هي جنة الله على الارض، وخاصة بعد أن حكمها الاب القائد حافظ الاسد، الذي قبّل السوريون قدميه، حتى قبل أن يكون ”قائدنا الى الابد“.

كان الشباب، أو أغلبهم، بحدود الأربعين من أعمارهم، يعني، بالتعبير الشعبي، كانوا في عمر مراهقة الاربعين، وأغلبهم يبحث عن حب مؤقت، حتى لو كان بالعيون فقط، بعد أن ضجر من حب الأبدي الذي يقيده مع زوجته، فوجدوا ضالتهم في محلات رقص النساء العراة مع كأس من البيرة الباردة، التي تساعد على تأمل أجساد أجمل نساء العالم، وهن يرقص أمامهم بالزلط كما خلقهن الله، وولدتهن أمهاتن….

وكنوع من التكريم لسوري، لم يرَ في حياته امرأة نصف عارية ألا زوجته، وفي العتمة، اتفق بعض الشباب على دعوتي لزيارة أحد محلات الرقص، لادهاشي من جهة، ولتسجيل نقطة سوداء في سجل معارض للنظام الاسدي الأبدي، وهي، تهمة، قد تكون حقيقية أو مفبركة، كما يعرف الجميع، من النظام ورجاله والمجتمع برمته، يمكن استخدامها لحرق أي انسان يدعي أنه أخلاقي ومعارض لنظام، لا يملك حدا أدنى من القيم الأخلاقية، ويعمل كي يكون كل السوريين على شكله ومثاله.

وللتاريخ أقول أن دهشتي كانت أكبر مما كنت أتوقعها أو أتخيلها. فقد رأيت أجسادا رائعة التكوين، لم أستطع في أي يوم من أيام مراهقتي وشبابي، أن أتخيل أجمل منها، لا في أحلام يقظتي وشوقي المقموع للنساء، ولا في أفلام السينما المحتشمة، أو في تلك القادمة من وراء الحدود لإفسادنا، ولكن عين الدولة كانت دائمة لها بالمرصاد، وحارسة للقيم، قبل ان نتمكن من رؤيتها في سوريا، كما هو فيلم أبي فوق الشجرة، حيث ضرب فيه عبد الحليم حافظ رقما قاسيا في عدد القبلات التي أخذها من نادية لطفي وميرفت أمين، فقمعنا بها وجعلنا، نحن المراهقين، نعتقد أن المرأة يمكن ان تحمل أطفالا، وتنجبهم من كثرة التقبيل.

حاول الشباب مداعبتي، وقد لاحظوا مدى دهشتي، مما أرى، فقالوا: شو رأيك استاذ ميخائيل بما ترى؟ قلت لهم: اشهد بالله إن المكان هنا أشد قسوة من قبو سجن فرع فلسطين، بل إن الكرسي الالماني، الذي هو وسيلة تعذيب للمعتقلين السياسيين الأقسى، أرحم من الجلوس في هذا المكان، فهناك على الاقل تستطيع الصراخ والتأوه، وطلب العون من الله، أما هنا، فممنوع عليك ان تتحرك من مكانك، ولا تستطيع ان تغمض عينيك، كي لا تفوتك رؤية ثنية من ثنايا الجسد الذي يتراقص امامك، ولو كنت في المخابرات السورية، بعد هذه التجربة، لكنت عذبت السجناء السياسيين، واستنطقتهم بواسطة إجبارهم على مشاهدة الرقص العاري.

قبل أن أختم كلامي، وكعادتي بحب الوضوح فيما أقول، لا بد من تسجيل ملاحظة، وهي أن السوريين على اختلاف طوائفهم السياسية، المعارضة منها والمؤيدة، من المتابعين لهذه النشاطات حتى اليوم.

ومن الطريف ذكره، أن أحد ختايرة المعارضة الذي زار المكان، أقسم بشرفه بصوت عال، وأنه يراهن على قطع يده، إذا كان بين تلك النساء واحدة عذراء، لذلك قد تقدرون الآن أهمية الرؤية الاستراتيجية التي يتمتع بها أغلب المعارضين، والتي سمحت للأسد الاب بإعادة تسويق نفسه عالميا !!!!!!!

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...