الرئيسية / مقالات / خافيير سولانا يكتب: إعادة تأكيد القانون الإنساني

خافيير سولانا يكتب: إعادة تأكيد القانون الإنساني

الرابط المختصر:

 خافيير سولانا

حتى في خضم الفوضى والكوارث الناجمة عن الحرب، هناك حدود معترف بها دوليا بشأن سلوك المقاتلين، إلا أن الهجمات المتعمدة الأخيرة على مخيمات اللاجئين والمستشفيات، في سورية وأماكن أخرى، تبرهن على ازدراء مطلق للمعايير الإنسانية الأساسية. في الواقع أصبح مثل هذا السلوك، والذي يشمل أيضا عرقلة المساعدات الإنسانية والهجمات على العاملين في المجال الطبي والإنساني، شائعا للغاية.
اليوم تقدر الأمم المتحدة أن ما يقرب من 125 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية، وهذا الرقم في تزايد كل عام. أكثر من 60 مليون شخص، نصفهم من الأطفال، مشردون حاليا نتيجة العنف والصراع، في العقد الماضي وحده، ارتفعت تكلفة المساعدات الإنسانية بنسبة 600٪، مما يجعلها غير قابلة للاستمرار من الناحية العملية.
وفي هذا الصدد سيعقد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قمة إنسانية عالمية، وهي الأولى في تاريخ الأمم المتحدة منذ 60 عاما، وستتناول المباحثات واللقاءات التي ستجرى في اسطنبول في الفترة  بين 23 و24 مايو العناصر الأساسية الخمسة التي تضم البرنامج الإنساني: منع وإنهاء الصراعات، والدفاع عن المعايير الإنسانية؛ والحد من التشريد، وحماية النساء والفتيات، وتوفير التعليم في مناطق الصراع، وتعزيز القدرات الوطنية والمحلية لتقديم المعونة؛ وزيادة الاستثمار في التنمية البشرية.
وفي في الوقت الذي أصبحت فيه الاحتياجات الناجمة عن الكوارث الطبيعية (بعضها ذات صلة بتغير المناخ) أو الأوبئة ملحة للغاية، فإن تلك المتعلقة بالنزاعات لا تقل حدة وإلحاحا، ونظرا لطول أمد العديد من الصراعات وأهميتها اليوم، والتي تشارك فيها القوى الكبرى في كثير من الأحيان، هناك حاجة ماسة لالتزام دولي واضح وشامل بالوقاية والاستجابة الإنسانية.
وبالإضافة إلى رؤساء الدول والحكومات من جميع أنحاء العالم، سوف تشارك منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في المؤتمر، فعندما يتعلق الأمر بتلبية الاحتياجات الإنسانية، يجب أن يشارك الجميع، لكن إذا كانت مسؤولية دعم المعايير الإنسانية لا تهم الحكومات فقط، فإن تدخل هذه الأخيرة ضروري لتنفيذها.
ومن أجل منع الكوارث الإنسانية الناجمة عن الحرب، يجب إعطاء الأولوية لاحترام القواعد التي تهدف إلى حماية المدنيين، ويجب أن تهتم اتفاقيات جنيف بتلك الشعوب والمناطق التي يجب أن تبقى خارج نطاق النزاعات المسلحة والتي ينبغي ضمان مساعدتها، وإذا كان فاعلون غير حكوميين، مثل الإرهابيين، يتجاهلون قانون الحرب، فلا ينبغي أن يكون ذلك ذريعة للبلدان للتصرف بالمثل مَهما كانت الظروف.
إن حياة الآلاف من المدنيين على المحك وأيضا الفعالية الدائمة للنظام المتعدد الأطراف، التي تم من خلالها الاتفاق على هذه المعايير والآليات اللازمة لفرض تدعيمها، وفي يوم 3 مايو الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارا يدعو لحماية المدنيين في الصراعات ويندد بشدة بالانتهاكات الأخيرة للقانون الإنساني الدولي، وينبغي أن تنفذ هذه الرسائل بشكل ملموس، وخصوصا من قبل أعضاء مجلس الأمن.
ويجب أن تكون هذه القمة، على الأقل، بمثابة دعوة قوية للدول لدعم المعايير المعمول بها، وأيضا لحث الآخرين على القيام بذلك، وإذا أردنا تجنب فقدان قرن من التقدم الذي حصل في تعزيز احترام كرامة الإنسان، فعلينا أن ندرك أن مسؤولية الدولة لا يمكن أن تقتصر على سلوكها في النزاعات، بل يجب أن تمتد إلى مراقبة أفعال حلفائها. فقد احتضنا هذه المعايير لتجنب الهمجية، وإذا أردنا لهذه القواعد أن تحظى باحترام، نحتاج إلى التزامات ثابتة من القوى العظمى، مثل التعهد بعدم مساندة تحالفات أو البقاء فيها مع أولئك الذين يهينون المعايير الإنسانية.
ومن التدابير المقترحة في التقرير التحضيري للقمة التي تهدف إلى التنفيذ الفعال للمعايير، إنشاء هيئة مراقبة متخصصة، وعلاوة على ذلك على جميع الدول الاعتراف بسلطة المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لتسهيل ملاحقة أولئك الذين ينتهكون القانون الإنساني.
كما يدعم التقرير الطلب الذي قُدم في الماضي: أن تقوم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالتخلي عن حقها في النقض (الفيتو) عندما تُقرر تدابير لتجنب الفظائع الجماعية، ويعتبر هذا الاقتراح أمرا حاسما لجعل مجلس الأمن هيئة أساسية وفعالة في ترسيخ الأمن العالمي.
ومن المهم أن تستفيد البلدان من هذه الفرصة التي قدمتها قمة اسطنبول، وذلك لإعادة تأكيد التزاماتها القانونية لحماية المدنيين في الصراعات، وبوضع آليات جديدة لمنع إهمال ضحايا الكوارث فورا، وإن احترام المعايير الأساسية التي منحناها لأنفسنا لضمان حماية الإنسانية أمر بالغ الأهمية، فمن واجبنا كمواطنين مطالبة قادتنا بالتمسك بهذه المبادئ، حتى لا تبقى الاتفاقات التي تم التوصل إليها في اسطنبول مجرد رغبات خيالية.
واٍن حماية الحياة البشرية، حتى في خضم الحرب والكوارث، يجب أن تكون مصدر قلق لنا جميعا كمواطنين عالميين، وعلى مدى السنوات الثلاث المقبلة، سيتم تقييم التقدم بخصوص الالتزامات التي اعتمدت في القمة القادمة، فخلال هذه المدة يجب علينا ألا نعتاد مشاهدة صور لأشخاص يغرقون، وهم يحاولون الفرار من الاضطهاد، أو صور لتدمير مستشفيات ومخيمات اللاجئين. إن مقياس التقدم البشري يكمن في ما إذا كان يُعتبر هذا السلوك، من قبل أي شخص، أمرا طبيعيا أو حتميا.

المصدر: الجريدة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وحيد عبد المجيد يكتب: التباسان حول تراجع الديموقراطية في العالم

وحيد عبد المجيد الديموقراطية تتراجع، والسلطوية تتقدم، في العالم. انطباع يزداد انتشاره، ...