الرئيسية / آخر الأخبار / المستنقعات الآيديولوجية

المستنقعات الآيديولوجية

أديب البردويل
الرابط المختصر:

اديب البردويل

إن سـقـوط الإتـحــاد الـســوفـيـاتـي فـي أواخـر الـقـرن الـمـاضـي, هـو الـســقـوط الـكـبـيـر والأخـيـر لـلآيـديـولـوجـيـات الـعـقـائـديـة الكلاسيكية ومـفـاهـمـهــا الـمـغـلـقـة مـثــل: الـثـورة الأشـتـراكـيـة الـبـرولـيـتـاريـة الـعـالـمـيـة, وديكتاتورية البروليتارية وغيرها, والـمُـدغـمـة نـظـريـاً بـقـوانـيـن الـعـلـوم والـفـلـسـفـة الـمـاديـة. وبـالتـأكـيـد فقـد سـقـطت معها  تـنـظـيـرات فـكـريـة وسـيـاسـيـة كـبـرى, تكيل للمختلف عنها توصيفات صورية وشكلية وفي أحسن احوالها سياسوية: كـالإمـبــريـالـيـة العالمية الـمـوصـولة دراماتيكياً يـالـفـكـر الـمـثــالـي ــ الـمـتـافـيـزيـقـي, والرجعية العربية الموصوفة، ليس بحكم الواقع. يل بحكم ذاتوية عقيدية.

وبين هذه وتلك، بالـطـبـع, انهارت شـعـارات عتيدة أيـضـا مـثـل: الـتـقـدمـيــة والـثـوريـة, مـن جـهــة, والـرجـعـيـة الإنـهـزامـيـة مـن جـهــة أخـرى. وتـلـك الأحـكـام كـانـت ومـازالـت تـقـوم عـلى تـنـاول الـهـيـكــل الـمـؤسـسـاتـي الـشــكـلـي والـصُـوْري غـيـر الـواقـعـي وغـيـر الـعـلـمـي. كـالـفـارق الـنـظـري الكلاسيكي بـيـن الـمـمـالـك بـمـفـاهـيـمـهـا الـقـروسـطـيـة والـجـمـهـوريـات كـدول ومـؤسـسـات إجـتـمـاعـيـة حـديـثـة, أي أن الـحـكـم الـمـلـكـي هـو رجـعـي بـالـفـطـرة وبـالـضـرورة مهما تطور, والـجـمـهـوريـة هــي ذات قـوام تـقـدمـي وحـديـث. أوليس الـمـعـنـى الـمـنـطـوي فـيـهـا مـأخـوذاً مـن إسـم الـجـمـاهـيـر, وبـغـض الـنـظـر عـن مـضـمونـه الواقعي؟

 لكنما الواقع يكشف ويقـول: إن مـا كـان, ومـا يـحـدث فـي مـا يـسـمّـى بـالـجـمـهــوريـة الـعـربـية الـسورية اليوم من تدمير للوطن بكامله وموت حقيقي للحياة, والـمـتّـهـمـة شكلياً وزوراً بـالـنـظـام الـتـقـدمـي الإشـتـراكـي العلماني, ومـا يـحـدث بالمقابل مـن رؤى وتـطـورات إقـتـصـاديـة الآن في المملكة العربية السعودية المنطوية بالمنظور السطحي على رف الرجعيات الميتة, لم تكن ولم تأتي من فراغ. بل هي نتيجة نزوع  فـكـري وإرادة عازمة, يقودها جيل الشباب السعودي الواعد على إحداث تغيير حياتي عميق. وأدعي بأن سـيـلـحـقـه بالطبع  تطورات  نـهـضـويـة عـلى جـمـيـع الأصـعـدة الـسـياسـيـة والـثـقـافـيـة والإجـتـمــاعـيـة.

هذه المقارنة تصدم  عقلية الآيديولوجيا المحنطة, وتؤكد  بالـدلـيـل السـاطـع عـلـى لا عـقـلانـيـة وســقـوط  شـعـارات ومـفـاهـيـم  كـبـرى, كان ومـازال  الـعـقـل الـعـربـي يـلـوكـهـا ويـجـتـرّ بـهـا, حـتـى نـزع مـنـهـا خـواصـهـا وجـوهـرهـا, ثـم بـصـقـهـا قــشـوراً تـافـهـة كـحـاله,مـثـل الإشـتـراكـيـة والـتـقـدمـيـة والـثـوريـة مـن جـهـة, والإمـبـريـالـيـة والـرجـعـيــة الـمـتـخـلـفـة مـن جـهـة أخـرى.

لـكـن. ومن ضـرورة الـمـوضـوعـيـة أقـول:إنّ مـفـاهـيـمـاً عـظـيـمـة مـثـقـلـة بـالـتـفـكّـر والـتـعـب,أنـجـزهـا تـاريـخ الـعـقـل الإنـسـانـي  بـكل مـتـنـاقـضـاتـهـا فـي سـبـيـل نـهـضـة الـحـيـاة وحـضـارتـهـا, وقـد خـدمـت الـبـشـريـة ردحـاً طـويـلاً مـن الـزمـن, وهذه المفاهيم سـوف لـن تــكـون اهـاريـج عـنـتـريـة فـي الـعـقـول الـمـتـخـلـفـة فـحـســب, بـل ستـزيـدهـا تـوهـانـاً وخـبـلاً، يـنـمـو ويـسـتـشـري فـي الـمـسـتـنـقـعـات الآيديولوجية لـلـنُـخَـب الـعـربـيـة الـعـتـيـدة, نخبٌ اعـتـقـدت أن الـتـاريـخ مـلـك أبـيـهـا. فهي مرة تتهمه بالتواطئ والتآمر على قداستها. ومرة تندب حظها.

ما عـلـيـنـا فهمه هو:إن الـمـنـفـعـة لا تـعـتـرف بالآيـديـولـوجـيـات. لـيـس لأنـهـا عـقـلانـيـة فـقـط. بـل لأن المصلحة مـتـحـركـة وديـنـامـيـة حـسـب، وعلى من يريد تحقيقها أن يحصل على مـفـاتـيـح أهـدافـه بها ومعها. فهي تـذهـب إلـى الـواقـع مباشرة، وتـقـيـم مـع أحـكـامـه جـدلـيـة، تـرمـي إلـى فـهـمـه والـخـروج بــه ومـنــه صوب الـغـايـة الـتـي تـراه فـيـهـا جـديـداً وذا حـيـاة كـريـمـة.

أمّا الآيـديـولـجـيـات ذات الفكر الواهم والحالم, فتـأخـذ بـحـكـم الـقـيـمـة وتسيّده عـلى الـواقـع, تفكرنه وهماً منها أنه سيكون كما تراه, وترفض أي واقع يخالفها,حيث تمدده على سرير بروست* تقطع منه ماهو زائد عنه وعنها كي يناسب هواها.

هـنـاك فـرقٌ شاسع بـيـن مـبـدئـيـة الـمـنـفـعـة، الـتـي تـعـمـل مـن أجـل الـواقـع والإنـسـان بـحـكـم الـفـعـل والعقل والواقع، ومـبـدئـيـة الـقــيـمـة الغائرة في الـطـهـرانـيـة والـغيبية, إنها الثورية الرومانسية  الساذجة  التي لا تـنـتـج سـوى أقـوال ومواويل تـطـربـهـا, كل شيء عندها محلول لمجرد وجود اصنامها. أما الـفـعـل  فهو بالتأكيد مـتـعـبٌ ومـوجـِعٌ فـي مـجـتـمـع مـتـخـلـف كـمـجـتـمـعـنـا, ويـحـتـاج إلـى تـفـكّـر معرفي جـاد ٍ ووعي دؤوب ومناسب, وعي يقوم على الكد والحهد والعرق.

الـسـيـاسـة من حيث المبدأ هي:مـفـهـومٌ وفكر تاريخي،  يتّسق مع حركة الحياة والمجتمع, إنه  التدخّل اللا غنى عنه، والاهتمام بشؤون الناس وهمُّ همهم, لذلك قد عُرّفت السياسة بأنـها: فـن تـحـريك الـبـشـر والأشـيـاء,وفـن الـمـمـكـن, كما أنها مفهومٌ مرهون بالعمل الخاضعٌ لاحتمال الفشل والنجاح, على اعتبار أن الواقع  هو البورصة والحكم النهائي لكل فعل وفكر.

المنفعة عقلانية التفكير, وتـسـتـنـد بعقلها وفـعـلـهـا عـلـى رصد التغيّر الدائم بجدلية، تقوم على علم المعرفة وعلم الاحتمالات وعلم الصيرورة, ولا تنتمي الى معجزات كن فيكن, لايوجد بنظرها أي شيء جاهز ونافل, يقيناً منها أن العين التي لا تبكي لا ترى.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...