الرئيسية / مقالات / علي عبد الله يكتب: إيران في عنق الزجاجة

علي عبد الله يكتب: إيران في عنق الزجاجة

الرابط المختصر:

علي عبد الله

لم يشكل الاتفاق النووي الإيراني، أو ما سمّي بـ”خطة العمل المشتركة الشاملة”، مخرجاً للجمهورية الإسلامية. فالمشكلات الاقتصادية ما زالت، بعد مرور عام على توقيعه، كبيرة، وتهز الاستقرار الداخلي، وتوتر العلاقة بين المواطنين وصنّاع القرار في غياب إجماع وطني حول خطة موحدة للتعاطي مع المجتمع الدولي ومع مترتبات التغيرات التي شهدها سوق النفط وعالم المال والمصارف.

فالانقسام العمودي بين تيار سياسي متشدد، وآخر معتدل أو إصلاحي، قاد الى حالة تفاضل واستعصاء في انطلاق برامج التطوير والتحديث. فالجناح المتشدد، والذي يمسك بمفاصل رئيسة ومهمة في النظام، يعتبر التقارب مع الغرب وسيلة خبيثة لاختراق النظام واسقاطه من الداخل. في حين يرى الجناح الإصلاحي أن الانفتاح على المجتمع الدولي، وخصوصاً الغرب، ضرورة ملحة لجلب الاستثمارات والخبرات لتطوير البنى التحتية لإطلاق عجلة الانتاج وتوفير فرص عمل وتلبية تطلعات المواطنين المحقة الى فرص عمل وتحسّن مستوى المعيشة، وكذلك الى خدمات صحية وتعليمية واتصالات ومواصلات أفضل.

وقد عكست الانتخابات النيابية الأخيرة هذا الانقسام، كما عكست مزاج الشارع الشعبي، خصوصاً في العاصمة طهران التي أعطت أصواتها لـ”قائمة الأمل”، قائمة التيار الاصلاحي، الفائزة بمقاعدها الثلاثين كاملة ومن الجولة الأولى، وبنسبة أصوات عالية، إذ حصل المرشح الأول الى “مجلس الخبراء” هاشمي رفسنجاني، على حوالى 2.3 مليون صوت، بينما حصل المرشح الأول الى “مجلس الشورى” محمد رضا عارف، على حوالى 1.6 مليون صوت، وحصل 6 من مرشحي “القائمة” الى “مجلس الخبراء” على أكثر من مليوني صوت. كما نجح أول مرشح من غير رجال الدين (محسن إسماعيلي) في الوصول إلى “مجلس الشورى”(اتهم بعض رموز التيار الأصولي سكان طهران بالتسليم للإنجليز، وشبّهوا سكان المدينة بأهل الكوفة كنايةً عن خذلانهم للثورة). وهذه نتيجة واضحة الدلالة تعكس رغبة قوية في تغيير الوضع الاقتصادي القائم حاليا.

لم يعكس التصويت تطلع المواطنين الى حياة أفضل فحسب، بل عكس إدانتهم للحوكمة السائدة في البلاد والتي يتحكم بها الحرس الثوري، في مجالات السياسة والاقتصاد والادارة، والتي انطوت على ركاكة وترهل وفشل بسبب تفشي الفساد والمحسوبية. من دون أن ننسى مشكلة الفروق في الرواتب بين مدراء المؤسسات الكبيرة والمصارف وبقية وظائف القطاع العام، والفضيحة التي انفجرت الشهر الماضي حول ارتفاع بعض الأجور لتصل إلى 60 ألف دولار شهرياً لمدراء في شركات حكومية لديهم علاقات سياسية قوية بالنظام، في حين أن عمّالاً في بعض المصانع التابعة للدولة لم يتلقوا أجورهم منذ أشهر.

وكان لافتاً تردي أداء مؤسسات القطاع العام التابعة للحرس الثوري. فالطريق السريع الذي يربط طهران ببحر قزوين، ويبلغ طوله 75 ميلاً وكلفت شركة “خاتم الانبياء” للبناء التابعة للحرس الثوري بتنفيذه، لم ينته، رغم مرور 17 عاماً على بدء العمل به، وقد وضعت خطة جديدة لإنجازه بمشاركة الشركة الكورية الجنوبية “دايوو للهندسة” خلال ست سنوات من الآن. وكان تقرير استشاري حول خط سكة الحديد فائق السرعة، بين طهران، وكل من قُمّ وأصفهان، وهو مشروع آخر موكل إلى شركة “خاتم الأنبياء”، قال أنه “سيتوجب خفض السرعة المزمعة”، وأن العقد “ليس مكتملاً من ناحية المواصفات الفنية” وفقاً لنائب وزير النقل الإيراني أصغر كاشان.

فأثر الانقسام الاقتصادي بين دعاة الانفتاح وسياسة ليبرالية اقتصادية، وبين دعاة المقاطعة والاعتماد على الذات وسياسة “الاقتصاد المقاوم”، واضح في الأداء الاقتصادي وفي بطء تحرك الجناح الإصلاحي للاندماج في النظام المالي الدولي الذي تطور وتغير خلال فترة العقوبات وخروج إيران من السوق، بسبب العقبات التي يضعها دعاة المقاطعة.

فالاندماج في الاقتصاد العالمي يستدعي تطوير الأسس القانونية لعمل المصارف الإيرانية كي تحقق الانسجام مع القوانين الدولية الجديدة التي تحكم دورة المال، خصوصاً في مجالي تبييض الاموال وتمويل الارهاب، وهو طلب غير مقبول عند الجناح المتشدد، ما وضع الحكومة في موقف حرج حاول وزير الخارجية محمد ظريف تلافيه بدعوة المجتمع الدولي الى الكف عن عرقلة تعاملات إيران مع النظام المصرفي.

وكان فريق العمل الدولي، المكوّن من 37 دولة، بينها روسيا والصين، والمعني بالعمليات المالية، قد دعا إيران في بيان له في شباط/فبراير2016، إلى وقف تمويل الإرهاب، كما حث الدول الأعضاء على تحذير البنوك من مخاطر ممارسة الأعمال التجارية معها. فالجناح المتشدد لا يريد الإقرار بأن العالم قد تغير خلال العقد الأخير، وأن على الجمهورية الإسلامية أن تغير مسارها لتناسب العصر من جهة، وتقنع، من جهة أخرى، المستثمرين بالاستثمار في الاقتصاد الايراني، لا سيما أن حاجتها الى رؤوس الأموال، كبيرة، إن لتجديد البنية التحتية (قطاع النفط وحده يحتاج ما بين 200 و500 مليار دولار كي يعود مستوى الانتاج الى وضعه ما قبل العقوبات أي انتاج 4 مليون برميل في اليوم)، أو لإقامة مشاريع جديدة.

والاعتماد على الامكانات الذاتية سيطيل المدة اللازمة لتحسّن الوضع الاقتصادي والمعيشي. فقد ضاعت عائدات الزيادة الأخيرة في انتاج وتصدير النفط بسبب انهيار الاسعار، وكانت تصدر 1.3 مليون برميل يومياً بسعر 100 دولار للبرميل، فتجني عائداً قدره 130 مليون دولار يومياً، وأصبحت تصدّر 2.3 مليون برميل يومياً بسعر 50 دولاراً، فتجني 115 مليون دولار يومياً، أي اقل من ربع عائدات العام 2011. فمن دون خضوع المصارف الايرانية لعملية إصلاح، بحيث تستوفي المعايير الدولية المتعلقة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لن تغامر المصارف الدولية الكبرى في تمويل الاتفاقات أو إقامة علاقات تجارية مع إيران لأنها قد تتعرض لغرامات كبيرة إذا لم تلتزم المصارف الإيرانية بهذه المعايير.

هذا بالاضافة الى وجود قوى سياسية غربية، وغير غربية، لا تريد لإيران الاستقرار والازدهار. وهي تعمل، وستعمل، على عرقلة برامج الانفتاح والتعاون بين دولها وإيران. وقرار الكونغرس الأخير، بمنع بيع طائرات أميركية او طائرات فيها مكونات اميركية، لإيران، سيلغي صفقة البوينغ والايرباص، ويمنع تطور العلاقات التجارية معها.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...