الرئيسية / آخر الأخبار / كيف يرى كتاب عرب العملية الإرهابية في نيس؟

كيف يرى كتاب عرب العملية الإرهابية في نيس؟

الرابط المختصر:

هجوم نيس: الطبقات المتعددة للإرهاب

رأي القدس

17 تموز 2016

الحادثة الفظيعة التي ضربت مدينة نيس الفرنسية هي الأخيرة بين عدد من الهجمات الإرهابية التي ضربت هذا البلد منذ عام 2015.

يجمع بين الهجمات كلّها أن منفّذيها مسلمون وأنّها تواقتت مع صعود ما يسمى «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا التي استطاع تنظيمها الاستيلاء على مناطق كبيرة من البلدين اللذين تمزقهما حرب أهليّة، وساهم ذلك في مدّ جديد من العمليات التي ضربت الكثير من عواصم ومدن العالم.
ردود الفعل الساعية إلى وقف موجة الإرهاب الكبرى هذه تركّزت على التعامل مع الظاهرة عسكريّاً وأمنيّاً وعلى تجفيف منابع تمويلها خارجيّاً وداخليّاً وتشديد الإجراءات في كل الدول المعنيّة، ومنها عمليّات المراقبة والتجسس والتنصّت على الهواتف وأجهزة الكومبيوتر ومواقع الانترنت والكاميرات العامة والتدقيق في حركة المسافرين عبر الحدود وتنقّل الأموال ونقلها، وغيرها من إجراءات تتعلّق أساساً بالمسائل الأمنية والعسكرية والتقنيّة.
مجال تطبيق الإجراءات الغالب هم (طبعاً) المسلمون، وخصوصاً من يرتادون الجوامع أو يتابعون المواقع الجهادية أو يبدون آراء متطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو يحاولون السفر إلى مناطق قريبة من العراق وسوريا. تتجنّب هذه الإجراءات، قصداً، ربطها بالأسباب السياسية للظاهرة، وهي، بذلك، تفاقم من تأثيرها بطريقة هائلة.

وكما سارع سيناتور أمريكي سابق منفعل بحادث مقتل أربعة عناصر شرطة أمريكيين مؤخراً على يد قنّاص أسود إلى اعتبار ما حدث «إعلان حرب» وطالب بقتل الرئيس الأمريكي باراك أوباما (باعتباره أسود مثل القنّاص)، فإن جان مارين لوبين، زعيمة اليمين الفرنسي، اعتبرت الحادثة الأخيرة في نيس «إعلان حرب» ضد «التشدد الإسلامي».

المثير للسخرية أن ما تقوم به أمريكا وفرنسا وروسيا وبريطانيا (وإسرائيل والنظامان السوري والعراقي) ودول أخرى لا يبتعد عما طالبت جان مارين لوبين بحصوله، وهو ما يعطي نتائج معاكسة بحيث أن ظاهرة الإرهاب تتأجج وتمتدّ في العالم (رغم أن مساحة «الدولة الإسلامية» المزعومة تتقلّص جغرافياً) فكثير من هذه العمليات، ومنها عملية نيس، لا تحتاج «الدولة الإسلامية» لإدارتها وتنظيمها.

بحسب الاقتصادي الأمريكي روبرت سولو فإن الانتشار العالمي للتغيرات وضمنها عصر المعلومات وانفتاح آفاق التجارة العالمية وأسواق المال والتحالفات الاقتصادية القادرة على هزّ أعتى الحكومات وانتهاك قدسية القيم وتهشيم الأعراف والتقاليد تدفع نحو ظهور الأصوليّة كظاهرة عالمية، وهو إذن أمر لا يتعلّق بالمسلمين وحدهم، كما أنه يفسّر، إلى حدّ ما، تحالف ظواهر الانعزال والعنصرية والأصولية المسيحية الصاعدة في الغرب.

المسلمون من جهة أخرى، يؤلفون جزءاً كبيراً من الظاهرة وبسبب الانفراط الهائل لبعض مجتمعاتهم، والتعفّن في نظمهم السياسية، وهم ـ لأسباب واضحة ـ في مركز الاتهام، رغم أنهم ضحايا الإرهاب الأوائل: من إرهاب دولهم، إلى إرهاب الميليشيات والجماعات المختلفة التي تسيطر على بعض بلدانهم.

من الخطايا السياسية المتقصدة في التعامل مع هذه الهجمات هو جمعها كلّها تحت مظلة واحدة، وتعمية الفروق بين عمليات فرنسا وبلجيكا مثلا، والشيشان وباكستان وأفغانستان، وما يحصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو ما يحصل في سوريا والعراق وتركيّا، مع خلق استثناءات تناسب أطرافا بعينها، فتجد كلا من بنيامين نتنياهو و«حزب الله» وبشار الأسد وفلاديمير بوتين وباراك أوباما وعبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر وفرانسوا أولاند وبوريس جونسون وأحزاب النازية والعنصرية الأوروبية تندّد كلّها بـ«الإرهاب» وهي تقصد شيئاً آخر، فأحدها يخرج أعمال الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية من تصنيف «الإرهاب»، والثاني يستثني عمليات حزب العمال الكردستاني في تركيا، والثالث يستبعد قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة في سوريا، والرابع لا يعتبر مقتل المدنيين بطائرات الدرون في أفغانستان واليمن «إرهاباً»، بل «خسائر جانبية» للحرب ضد الإرهاب.

إن الإدانة المطلقة لهجمات نيس يجب أن تتوازى مع محاولة نزع الاستخدام الانتهازي لمصطلح «الإرهاب» وتفكيك آلياته الانتقائية وتحميل المسلمين مسؤوليته.

****

أما وقد صرنا شركاء القاتل في نيس… هلمّوا إلى الموصل

حازم الامين

الحياة ١٧ يوليو/ تموز ٢٠١٦

استمرت الشاحنة في دهس المواطنين على مسافة كيلومترين في مدينة نيس الفرنسية! ربما كانت هذه من المرات النادرة التي يُقاس فيها القتل بالكيلومترات. ولكن قبل ذلك بأقل من شهرين أقدمنا على قياس القتل بآلة الزمن، اذ إن قاتل أورلاندو عمر صديق استمر في قتل ضحاياه في ملهى المثليين على مدى ثلاث ساعات متواصلة.

يقف خيال جامح حول نزوعنا إلى تفسير القتل على هذا النحو. قتل استمر لكيلومترين اثنين، وقتل تواصل ثلاث ساعات. الأرجح أن وراء هذا الجموح حقائق جديدة لابست الجريمة. فهذه جريمة مشهد، والمشهد يُقاس بالزمن وبالمسافة، و»داعش» وضعنا أمام حقيقة تحويله القتل مشهداً، واستدرجنا إلى جموح تصعب النجاة منه. ذاك أن واحدنا في التقاطه مشهد القتل صار جزءاً من الجريمة، ان لم نقل مشاركاً فيها. المشهد متشكل من ثلاثة عناصر لا يمكن للجريمة أن تتحقق من دونها. القاتل والضحية ومُتلقي الصورة. والأخير هو نحن، وبما أننا لسنا الضحية ولسنا الجاني الذي قُتل، يبقى أننا الجزء الذي ما زال حياً من مشهد الجريمة.

ليس هذا هذيان المفجوع بمشهد شاحنة استمرت في دهس محتفلين على مسافة أكثر من كيلومترين فقتلت منهم أكثر من ثمانين وجرحت أكثر من مئتين. «داعش» أراد مشهداً، والعالم قَدّم له ما أراد. و «داعش» الذي ما زال على قيد الحياة، صار موجوداً في كل نقطة ضعف في هذا العالم. وفرنسا التي توهمت نفسها قوية إلى حد يُمكنها من هضم الضعفاء في نظامها، ها هي تكرر المشهد للمرة الخامسة.

لا مناص من الموت، والعودة إلى ألف باء «داعش» تفيد بأننا بصدد مزيد من المشاهد، ومن تكرار قاتل وممل لفعلة شاحنة نيس. ليس مهماً أن نعرف ما اذا كان خُطط لعملية نيس في سورية أو في العراق، وما اذا كان المنفذ زار «داعش» في دولة خلافته. سبق أن فعلنا ذلك في أعقاب هجمات باريس وبعدها بروكسيل، إلى أن جاء قاتل أورلاندو ليقول لنا إن الخلل جوهري أكثر من إمكان تفسيره بوقائع صارت رتيبة. قوة القتل تكمن في قدرة «داعش» على استدراجنا إلى أن نكون جزءاً من مشهد جريمته، وفي أن نكون شريكاً فيها طالما أننا لم نمت. القتل أسهل من أن نفسره بوقائع وحقائق معقدة. القتل شاحنة جعلتها الكاميرا رشيقة، ووحده «داعش» من يستطيع قيادتها.

هل القاتل من العائدين من العراق أو سورية؟ لم يعد الجواب مهماً. هو تونسي وفق بطاقة الهوية التي عُثر عليها في الشاحنة. وهناك حوالى خمسة آلاف تونسي قاتلوا في صفوف التنظيم في سورية والعراق وليبيا. أي جديد يمكن أن يحمله تقصينا هذه الاحتمالات؟ نحن أمام قتل، وأمام إمعان في القتل استمر لأكثر من كيلومترين! الوقائع التي قادت المرتكب إلى الإقدام على هذا الفعل الرهيب تبدو عادية اذا أُعيدت إلى سياقها الجريمي. الجديد وغير العادي هو المسافة التي اقتضتها الجريمة حتى اكتملت، وهو الموت المستمر على طول تلك المسافة، وهو أن سائقاً راح يُراكم القتل ويُوسعه بحيث أن الأخير لم يعد لحظة منقضية ينتقل فيها القاتل من كونه مريضاً إلى كونه مجرماً. وهذا تماماً ما يعنيه «داعش»، أي في جعل الجريمة حقبة وحياة وموديلاً، وليس لحظة منقضية.

والحديث صحيح عن خلل هائل أصاب النظام الأمني الفرنسي والأوروبي ومكّن «داعش» من تنفيذ هذا الكم الهائل والمتلاحق من العمليات، لكنه جزئي، عاجز عن تفسير كل الجريمة. القاتل التونسي وفق الهوية التي عُثر عليها في الشاحنة استثمر في خلل ما في هذا النظام، لكن قوة عزيمته على القتل مستمدة من مصدر آخر غير هذا الخلل. ثم إن «داعش» في قدرته المذهلة على توظيف الفعلة في صورته، يدفع إلى مراجعة كل أدوات التفسير، وربما يردنا إلى ما قبل المعرفة، وإلى بديهة أن الإنسان يقتل أيضاً، تماماً كما يقود شاحنة وكما يُمضي ليلة صاخبة في نادٍ ليلي.

على الانسانية أن تُسارع إلى قتل «داعش» قبل أن نؤمن بأن ما يفعله هذا التنظيم المسخي هو جزء عادي من طبيعة الأشياء. ثمة مؤشرات حقيقية إلى هذا الاحتمال. فكثافة الصور الملتقطة من مسارح الجرائم جعلت المشاهد عادية. ثم أن هذه الجريمة ما كان يمكن أن تحصل، أو أن تتحقق لولا أن لـ «داعش» دولة يُمكن أن يُرد المشهد إليها. القضاء على «داعش» يُعفي الإنسانية من وجود جذر للجريمة غير الجذر الفصامي والإجرامي، ويسحب من القاتل عزيمة موازية لعزيمته الأصلية، وهذا على الأقل كان ليُقصّر مسافة الجريمة التي امتدت لأكثر من كيلومترين. فالشاحنة مدفوعة بجنوح مجرم، ستكون أقل عزماً مما اذا كانت مدفوعة بجنوح مسخ جماعي.

القضاء على «داعش» لم يعد يحتمل التأخير. عمر «دولة الخلافة» صار أكثر من أربع سنوات، وهذا وقت كاف لتحويل المرض إلى ظاهرة عادية، ولجعلنا نعتقد ونقتنع بأننا جزء من الجريمة. والأخطر أن «داعش» تحول إلى وجدان يُزود مواطنيه في كل أنحاء العالم، بعدة قتل سهل لا يمكن النجاة منها إلا عبر اقتفاء أثرها في «دولة الخلافة».

جريمة نيس ما كان يُمكن أن تتحقق لولا أن العالم تقاعس في مهمة القضاء على «داعش»، بل أنه وعلى مدى أربع سنوات من عمر هذه «الدولة»، تعامل معها بـ «واقعية» غير أخلاقية وتاجر معها بالنفط والإسمنت والآثار، وأجّل استحقاق القضاء عليها معتقداً بأن هذه ليست مهمته الداهمة. وتفادياً لمولود جديد يعقب «داعش» بعد القضاء عليه، لن تكتمل المهمة من دون محاسبة من تلكأ بالمهمة.

وبانتظار هزم التنظيم في دولته، علينا أن ننتظر بعداً ثالثاً للجريمة بعد بُعدها الزمني في أورلاندو وبعدها «المسافاتي» في نيس. وربما أذهلنا «داعش» بنوع من الجريمة المستمرة وغير المكتملة، بحيث تكون متواصلة ولا يمكن وقفها. فهلموا إلى القتال في الموصل قبل أن ينجح.

كاتب لبناني

****

جريمة «نيس» وجذور الإرهاب

عبدالله بن بجاد العتيبي

الشرق الأوسط الأحد­ 17يوليو 2016

­بعيًدا عن أي مجاملات أو عباراٍت مواربٍة، فإن القضاء على الإرهاب لن يتم ولن يصل لأي ساحل أماٍن ما لم يتّم القضاء على جذوره الأصلية من خطابات وتياراٍت، ومن جماعاٍت ورموٍز، وأي محاولاٍت للتمييز بين جماعات الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي هي محاولاٌت فاشلةٌ بكل المقاييس. العمليات التي تمت في السنة الأخيرة حول العالم من القتل الذي يعتمد أساًسا على الغدر، وعلى التفنن في ذلك الغدر، وآخرها هو العملية الإرهابية التي تمت في مدينة «نيس» الفرنسية حيث تم استخدام شاحنة لمهاجمة المحتفلين المدنيين المسالمين و«دهسهم» بكل بساطة، لمسافة كيلومترين، وقتل خلالها أربعة وثمانون شخًصا وخمسون إصاباتهم حرجةٌ ومصابون بالعشرات، وهي عمليات تتفنن في جنون الترويع والبشاعة والتوحش.

يتفنن الكثيرون في توزيع تركة الإرهاب وتشتيت توصيفه والتبرع الدائم بإبعاد التهم عنه. إنها بكل بساطٍة الآيديولوجيا، وجماعات الإسلام السياسي، ويأتي بعدها تفسيرات وتحليلاٌت كثيرة، منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها النفسي ومنها الاجتماعي وغيرها. لنعد ترتيب المشهد الحالي، الإرهاب المعاصر هو في معظمه إرهاب ينتمي للإسلام، هذه واحدةٌ صحيحةٌ، فقد كان لكثير من الأمم والشعوب في مراحل من تاريخها أدواٌر إرهابيةٌ معروفةٌ ولكن في هذه اللحظة من تاريخ البشرية فالغالبية العظمى ممن يستخدمون الإرهاب هم من يدعون الإسلام، والثانية هي أن الإسلام كديٍن له من التأويلات والقراءات عشرات بل مئات، والمسلمون يبلغ تعدادهم ملياًرا ونصف المليار، ولو صاروا كلهم إرهابيين لنسفوا العالم بأسره.

أما الثالثة فهي العلاقة الدقيقة بين أقليٍة مسلمٍة ظهرت قبل ثمانية عقوٍد وأسست لكل الإرهاب المعاصر وسمت نفسها بالإسلام ورسمت كل الطرق والمبادئ التي يحتكم لها الإرهاب المعاصر، وهي جماعة الإخوان المسلمين التي تفرع عنها عشرات ومئات التنظيمات الإرهابية. وسؤال محق يمكن أن يطرح؛ فأين مسؤولية الخوارج؟ وأين مسؤولية الحركات الراديكالية؟ وأين مسؤولية غيرها من الفرق والجماعات الدينية المتطرفة والدموية في تاريخ المسلمين؟ بل وفي تاريخ الأمم والشعوب؟ والجواب سهل وميسوٌر، وهو أنك لا تجد في ذلك التاريخ البشري الدموي الطويل من له أثٌر معاصٌر في الأحداث والجرائم إلا ذلك التغيير الكبير في تاريخ المسلمين، الذي جعل من الجماعات والتنظيمات ممثلاً لكل الإسلام أو لكل المسلمين، وهي جريمة تاريخية بحق الإسلام والإنسانية، بمعنى أن تلك فرٌق ومدارٌس قديمةٌ لا تجد لها أثًرا في الحاضر، وأن الراديكالية ذات المدارس المتشعبة والمتعددة لم يبق لخطابها التقليدي من يمثله كتيار بل لقد تحول أغلب تياراتها لمدارس تندرج تحت اللقاء المتشدد الإخواني.

لقد أصبحت الحرب على الإرهاب أولويةً دوليةً، يفتخر كل من شارك فيها قبل أن تستفحل ببعد النظر وصدق الرؤية، وسيندم كل من قصر في محاربتها لأي اعتبار، وأكثر الفاشلين هو من دعم جذرها المعاصر في الإسلام السياسي كما فعل الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومن تهاون في حربها أو حاول التقاعس في ذلك جنى ويجني الكثير من وبال الإرهاب وتنظيماته وجرائمه. لقد كانت رؤية الرئيس الأميركي تكمن في أن التقارب مع الجماعات المتشددة سنيًا وشيعيًا، والمقصود بهما جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتونس وبقية فروعها، وجماعة الخميني وولاية الفقيه في إيران، وقد ثبت اليوم فشل تلك الرؤية وخطر ذلك التقارب، فعلى الجانب السني تفشت التنظيمات الإرهابية أكثر مما كان قبل تلك الرؤية وتحولت قيادة الجماعة في مصر لتبني الإرهاب صراحةً ومعها تياراٌت متعددةٌ داخل الجماعة وذهبت الجماعة للإرهاب الصريح، وعلى الجانب الشيعي ازداد شرور ملالي ولاية الفقيه، وأصبحت ميليشياتهم الطائفية الإرهابية تنشر القتل والدماء والفوضى في كل بلٍد تمكنت من اختراقه، ويمكن النظر لما يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن لمعرفة حجم الدمار الهائل والتخريب واسع الانتشار والتدمير الممنهج للدول والشعوب.

فشل هذه الرؤية يكمن في أنها بحسب نتائجها هي دعٌم للإرهاب بشكٍل غير مباشٍر، أو هي منحه فرصةً لينتشر ويعزز مواقفه ويوسع انتشاره، وهذا يصح بنفس الدرجة على من يغفل عن الجانب الآيديولوجي في قراءة الإرهاب ويلجأ إلى أبعاٍد أخرى، نعم لبعضها دوٌر دون شٍك، ولكنه ليس الدور الرئيس ولا الثيمة الأصلية لقراءة ظاهرة الإرهاب.

حجم البشاعة التي وصل إليها الإرهابيون جعل كثيًرا من الأسوياء لا يرون في منفذيه إلا مجانين مرضى، وهم دون شٍك مرضى بالإجرام والتعطش للدماء، ولكن المجانين عبر التاريخ والأمم لم يكونوا دمويين بهذه الطريقة، ما يعيدنا إلى وجود بيئٍة وخطاٍب حاضٍن وتياراٍت وتنظيماٍت راعيٍة تمنح هؤلاء المجرمين كل ما يلزم للإقدام على جرائمهم بل وتمنحهم نياشين مجٍد زائف. كلما رأيت أو قرأت لمن يبرر الإرهاب بأي شكٍل من الأشكال فاعلم بأن ذلك مشاركة في الإرهاب، فعندما يأتي شخص يعلق على جريمة نيس الإرهابية ليقول: ثمة إرهاب آخر يجري في هذا المكان أو ذاك، فاعلم أنه متعاطف مع الإرهاب لأن الإرهاب مداٌن بالأساس في كل زماٍن ومكاٍن وتجاه أي أحد، ولا يتعاطف مع قتل الغدر للمدنيين المسالمين إلا إرهابي أقعده الجبن أو محرٌض يستغل أي سبيل للتأثير في الشباب ودفعهم للإرهاب.

كاتب سعودي

****

إرهاب نيس… تطور نوعي خطير

د. عبدالحميد الأنصاري

الجريدة 18-07-2016

الهجوم العدواني الإرهابي على مدينة نيس، مقصد السياحة العالمية، وعروس الريفيرا الفرنسية الساحرة، وأجمل مدنها، بدعس الحشود المجتمعة التي كانت تحتفل بالعيد الوطني الفرنسي، الباستيل، يوم الحرية، ليلاً، بشاحنة ضخمة لنقل المبردات، وراح ضحيته 84 قتيلا و202 جريح، منهم 50 طفلاً، وعشرات حالتهم حرجة، من مختلف الجنسيات الفرنسية والأجنبية، يشكّل هذا العدوان الإرهابي تطورا نوعيا خطيرا في تاريخ العمليات الإرهابية، منذ الحدث الإرهابي الأكبر 11 سبتمبر 2001 الذي ضرب الولايات المتحدة باستخدام الطائرات التجارية، وسلاحاً إرهابياً جديدا، وذلك من جهتين:

الأولى: التطور النوعي في أداة القتل الإرهابي لجهة استخدام شاحنة نقل المبردات سلاحاً إرهابياً، قامت بدعس جموع الناس المحتفلين بالعيد الوطني، على امتداد كيلومترين من كورنيش مدينة نيس جنوب شرق فرنسا، بهدف إسقاط أكبر عدد من الأبرياء، قبل أن ترديه أجهزة الأمن قتيلا، ومعنى هذا التطور الجديد في استخدام أدوات ووسائل القتل أن الإرهابيين لم يعودوا بحاجة اليوم إلى تهريب الأحزمة الناسفة والقنابل المتفجرة وغيرها من الوسائل القاتلة، والمكلفة ماليا، والصعب تهريبها أمنيا، إذ بإمكانهم تحقيق أهدافهم الإجرامية في القتل والترويع والتدمير باستخدام الشاحنات والحافلات واستهداف المدنيين في أماكن تجمعاتهم، وتحقيق أهدافهم، بكلفة قليلة ووسيلة سهلة.

هذا التطور النوعي في أدوات القتل الجماعي يشكل تحدياً نوعياً كبيراً وخطيراً أمام الأجهزة الأمنية، إذ كيف يمكن مراقبة الشاحنات والحافلات في كل الشوارع والطرقات المزدحمة بالناس ورصدها؟ سيكون الأمر في غاية الصعوبة والتعقيد.

الثانية، التطور الجديد في عمليات التجنيد: طور “داعش” عمليات تجنيده للشباب، وبات يبحث اليوم عن شباب جدد من نوعية مختلفة، غير معروفة بالتشدد الديني أو حتى بالتدين، وغير مدرجة في قوائم الإرهاب، وهؤلاء الأشخاص من أبناء الجاليات العربية المقيمة في أوروبا وأميركا ممن يعانون أزمات نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وبخاصة من سكان الضواحي أبناء الجيل الثالث والرابع من المهاجرين، الذين تضاعف لديهم الإحساس بالتهميش والتمييز والغبن والاغتراب، ولا يستطيعون الاندماج الإيجابي الحقيقي في المجتمع، فيلجؤون إلى الاندماج السلبي المدمر كمتنفس وتعويض عن مشاعر الإحباط واليأس والنقمة، فينغمسون في الرذائل والسلوكيات غير الأخلاقية والدينية، ويتعاطون المخدرات، ويمارسون أعمال سرقة وعنف وإجرام، وغيرها من الأعمال المجرمة، هذه النوعية من الشباب الممزقين نفسيا، الواقعة تحت ثقل تأنيب الضمير نتيجة مسلكياتها المناقضة لدينهم، تشكل صيدا سهلا لاعتناق أفكار وأيديولوجيات التنظيمات الإرهابية التي تردد أسطوانة المظلومية الحزينة، والأنشودة الحماسية ضد الغرب الصليبي الحاقد والمتآمر على المسلمين، وتحرض الشباب المسلمين في كل مكان للانتقام والثأر من هذا الغرب الذي يستهدف دولة الخلافة والتنظيمات المتطرفة التي تمثل الإسلام الحقيقي في زعمهم، “داعش” لا يسعى اليوم إلى استقطاب المتشددين الدينيين من أبناء الجاليات الإسلامية في أوروبا وأميركا، لأن هؤلاء مراقبون أمنياً، لكنه يسعى إلى تجنيد الشباب الذين يعيشون ظروفاً صعبة، بسبب أزمة الهوية وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع، والمحبطين، واليائسين، والناقمين على المجتمع الذي يتعمد تهميشهم، أو النظر إليهم بدونية، من غير ذنب إلا لكونهم عربا مسلمين، ممن يعيشون انفلاتا أخلاقيا ودينيا وأسرياً، ويعانون ثقل تعذيب الضمير وتمزق الهوية، ويبحثون عن مخرج للتكفير عن الذنوب والآثام والتقصير، مثل هؤلاء الشباب المتأزمين يجدون في الفكر الداعشي بالانتقام من المجتمع والتخلص من الحياة، مخرجا للتحرر من المعاناة وراحة الضمير.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الذين ينحدرون من أصول مغاربية هم الأكثر استهدافاً للتجنيد من منابر الفكر المتطرف، وبخاصة لشباب الضواحي المهمشة الذين يشعرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ويعانون ممارسات تمييزية يومية، ويستبطنون نوعا من كراهية المجتمع الفرنسي ممتدا من ماضي الممارسات العنيفة لفرنسا الاستعمارية على بلادهم الأصلية، أدركنا لماذا كان انقياد هؤلاء الشباب من الأصول المغاربية أسهل للفكر المتطرف، لذلك وجدنا أكثر من قاموا بهذه العمليات الإرهابية هم من أصول مغاربية، وأن الدولة الأكثر استهدافاً هي فرنسا.

* كاتب قطري

****

ملاحظات من عملية نيس

ماجد كيالي

العرب 18/07/2016

مرة جديدة يوجّه الإرهاب ضربة قوية في فرنسا (في نيس) ما أدّى إلى مصرع أكثر من 80 من الضحايا الأبرياء، كما ضرب في بلدان أخرى من قبل، أي أن مجمل الإجراءات الأمنية المتّخذة لم تفد بوضع حدّ لاستشراء هذا السرطان الذي بات يهدد الاستقرار العالمي. في هذا الإطار يمكن تسجيل بضع ملاحظات، ربما يكمن أهمها في الآتي:

أولا، إن العمليات الإرهابية التي تستهدف الأبرياء في البلدان العربية لا تلفت انتباه أحد، مع الأسف، بالقدر نفسه الذي يحصل بعد كل عملية تحدث في بلد أوروبي، وهذا من باب المقارنة بين ردود الفعل. والفكرة هنا أن هذا يحصل على الرغم من أن أكثر ضحايا العمليات الإرهابية هم من العرب والمسلمين تحديدا، أي ليسوا من الغرب.

ثانيا، يمكن الاستنتاج مما تقدم، أنه ليس ثمة مبرر لصعود “فوبيا” الإسلام في الغرب، لأن هذه الظاهرة ليست وليدة العمليات الإرهابية من الأساس، رغم معرفتنا بأن هذه العمليات وقع الإسهام في بروزها وانتشارها خلال الآونة الأخيرة، في مجتمعات الغرب، على الرغم من أن القائمين بهذه العمليات هم من العرب المسلمين.

ثالثا، المعنى من ذلك أن نشوء ظاهرة الإرهاب يعود إلى أسباب سياسية، وليس إلى أسباب دينية، رغم محاولة منظري هذه الظاهرة ادعاء ذلك، علما أن هذا مجرد استخدام سيء للدين ويضر بالمسلمين، من دون التقليل من أهمية هذا الاستخدام وجاذبيته وخطورته في أوساط الشباب الذين فقدوا اليقين والذين يبحثون عن هويتهم.

رابعا، من المفيد البحث في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لنشوء وصعود ظاهرة الإرهاب، فهذا أمر لا بد منه لمعالجة هذه الظاهرة، بيد أن المجدي أكثر هو البحث في الأسباب السياسية، وفي طبيعة الأنظمة الحاضنة أو المصدرة لهكذا ظاهرة، في الأنظمة المتأسسة على الفساد والاستبداد، لأن هكذا أنظمة هي التي تشيع انعدام اليقين، والقلق من المستقبل، لأنها قائمة على الظلم والتهميش وامتهان الحرية والكرامة وافتقاد معنى العيش.

خامسا، لعله من الأجدى فوق كل ما تقدم البحث في أنشطة أجهزة الاستخبارات في الدول وضمنها تحديدا سوريا والعراق وإيران، لأن انتشار هذه الظاهرة لم يأت عفويا. والقصد أن ظاهرة بهذه القوة والانتشار والقدرة لا يمكن أن تكون وليدة خبراتها أو إمكانياتها الخاصة، أي لا بد من وجود قوى دولية وراءها، تقدم لها الدعم والإسناد والتوجيه، والتسهيلات اللوجستية، والإمكانيات المالية.

وربما من المفيد هنا إجراء نوع من مراجعة تاريخية، إذ أن تنظيم “فتح المجلس الثوري” بزعامة أبونضال البنا، لم يكن مجرّد تنظيم يشتغل لحسابه، إذ كان ثمة مشغّل أمّ (نظام صدام) وكانت ثمة أنظمة أخرى شغلته مثل نظام القذافي ونظام الأسد. هذا حصل مؤخرا مع صعود ظاهرة “غرباء الشام” لزعيمها محمود قول أغاشي (أبوالقعقاع)، الذي اغتيل في حلب عام 2007، والذي كان يرسل الانتحاريين إلى العراق، كما حصل مع ميشال سماحة الذي ضبط وهو يحمل متفجرات لاستخدامها في لبنان بهدف إثارة النعرات الطائفية، لذا من المريب التغاضي عن هذه الحيثيات.

سادسا، يفترض الاستنتاج مما ذكرناه أن علاج هذه الظاهرة لا يتم بالوسائل أو بالإجراءات الأمنية فقط، إذ لا بد من إجراءات سياسية، ضمنها تعزيز الديمقراطية وإطلاق الحريات، كما لا بد من إيجاد بيئة نابذة للتطرف والتعصب، بيئة تتأسس على تكافؤ الفرص بين المواطنين، والمساواة في الحقوق، وتعزيز الحريات ونشر الديمقراطية، وتطوير التعليم، والتنمية الاقتصادية، أي أنه يجب القيام بحزمة كاملة من الإصلاحات التي تؤسس إلى تغيير واقع الحال، أو لإتاحة فرص أفضل لعيش الأجيال القادمة.

سابعا، من غير المفهوم سكوت التيارات الإسلامية عن الجماعات الإرهابية التي تتغطّى بالإسلام، أو الاكتفاء بإدانتها، بدعوى ما يسمى “أخوة المنهج”، أو بدعوى أن ما يجري مجرد أخطاء، إذ أن هذه النظرة تضرّ بهذه التيارات وتوحي بأن الجماعات الإرهابية تتغذى من الجماعات الإسلامية المرنة والمعتدلة، أي أن هذه التيارات مطالبة بتمييز نفسها ولا سيما أن هذه معركتها على وجودها وشرعيتها، من خلال رفع الغطاء الديني عنها وتفنيد منطلقاتها أو ادّعاءاتها أو تبريراتها، ولا سيما المتعلقة بالحاكمية وتطبيق الحدود، وادّعاء الوصاية على الإسلام والمسلمين، فهذه مهمة الإسلاميين قبل أن تكون مهمة غيرهم من التيارات العلمانية والقومية والليبرالية.

كاتب سياسي فلسطيني

 

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“تحرير الشام” تلاحق عناصر “أحرار الشام” جنوب ادلب

  ادلب – مدار اليوم أقدمت “هيئة تحرير الشام” على قتل عنصر ...