الرئيسية / آخر الأخبار / الأجهزة الأمنية السورية وضرورات التغيير البنيوي والوظيفي

الأجهزة الأمنية السورية وضرورات التغيير البنيوي والوظيفي

الرابط المختصر:

مدار اليوم – مرشد النايف

في دراسة تتسم بالكثير من الرصانة العلمية، قارب مركز “عمران” للدراسات السياسية واقع “الأجهزة الأمنية السورية وضرورات التغيير البنيوي والوظيفي”، عبر المنهج الوصفي، السلوكي.

وترى الدراسة، بداية، أن “الدولة السورية لا تملك قطاعاً أمنياً حتى يستوجب الإصلاح”، وعليه يمكن تحديد مكمن الخلل والانحراف بأمرين، الأول البُنية الأمنية المتشعبة التي ساهمت في تطويق الحركة المجتمعية وحدت من إمكانية تقدمها وتطورها، والأمر الثاني متعلق بوظيفة هذه الأجهزة التي كانت تتسم بالسيولة واللامحدودية، باستثناء وظيفة تثبيت وتعزيز عوامل استقرار النظام الحاكم، لذا فإن أي عملية إصلاحية لهذه الأجهزة لا بد أن تستهدف البنية والوظيفة في آن معاً.

العودة الى الإطار الوطني

ووفق الدراسة التي انجزها المركز في 14 تموز الجاري، وجاءت في أكثر من 15000 كلمة، انه ينبغي أن تستند إجراءات إعادة الهيكلة على مبادئ التغيير والانتقال السلس والمتماسك، خشية تداعيات التغيير المفاجئ على تماسك البلاد، وتضمن عودة هذه الأجهزة إلى الإطار الوطني وتكاملها مع مؤسسات الدولة.

وتقترح الدراسة ثلاثة مراحل لإتمام عملية التغيير والتطوير، الأولى تتعلق بالمنظومة القانونية التي ستراعي مبادئ الدمج وإعادة التوازن وتغيير الوظيفة وتعزيز المراقبة، والثانية مرتبطة بتطوير البنية سواء البشرية أو الإدارية والفنية، أما المرحلة الثالثة فهي مجموعة إجراءات تهدف لاستكمال بناء قطاع أمني متماسك.

ومنذ استلام حزب البعث السلطة في سوريا عام 1963 عن طريق ما اسماه “ثورة” الثامن من اذار اعتمد على المخابرات كأداة لتعزيز حكمه وترسيخ قاعدته.

وإبان عهد صلاح جديد في نهاية الستينيات اتبع عبد الكريم الجندي (رئيس أجهزة الأمن ورئيس مكتب الأمن القومي للحزب آنذاك) سياسة الخطف والتعذيب لمعارضي الحزب.

توريث الاجرام

وجاء حافظ الأسد ليغتصب السلطة في عام 1970 ليجدّد القبضة الحديدية الأمنية التي تحكمت بالحياة العامة في سوريا أمنيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وحتى دينيا، وحوّلها إلى ذراع تسلط قوي تغلغل في الدولة والمجتمع والحياة العامة.

وتشير الدراسة الى ان الأسد الابن لم يَحد عن هذا النهج حيث بقيت هذه الأجهزة تنتهج كافة السياسات التي تجهد لربط حركة المواطنين والمجتمع والدولة بمحدداتها الأمنية والرقابية.

ومعلوم ان تلك المؤسسة بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية، كانت خط الدفاع الأول والأخير عن النظام الحاكم بحكم الضبط المُحكم والهندسة العملياتية لتركيبة وبنية الجيش السوري الطائفية، لسيطرة الطائفة العلوية على مراكز القيادة فيها وممن يدينون بالولاء المطلق للنظام.

ولكل ما تقدم، تُعد دراسة الواقع الأمني في سوريا والتباحث في ضرورات التغيير الوظيفي والتنظيمي للأجهزة الأمنية إشكالية بحثية تستوجب التفكيك، إذ أنه لن يستقيم أي مسار سياسي يرتجي مداخل وحلول للملف السوري دون المرور بالملف الأمني وتجاوزاته وأسئلته الانتقالية والمستقبلية.

ويدل تتبع سير العمل الأمني وسلوكيته خلال عقود حكم الأسد الأب والابن على فلسفة عمل الأجهزة الأمنية التي تجهد للجمع بين ثنائية (الولاء للنظام – المصلحة الخاصة)، والتي شكلت الضامن الحقيقي لبقائها الفاعل الرئيسي في كافة التفاعلات المحلية، والداعم المطلق للنظام الحاكم.

فقد اعتمد حافظ الأسد في سبيل إحكام سيطرته على الأجهزة الأمنية على أسلوب توليد العداء وخلق الحالة التنافسية بين الأجهزة الأمنية والقائمين عليها، حيث ارتبط مؤشر الأداء الجيد بمعياري الولاء والطاعة المطلقة.

وعلى سبيل خلق مصلحة خاصة للمسؤولين الأمنيين تم إطلاق أيدهم في جميع مفاصل الدولة التي شكّلت مصدر ثراء فاحش لهم، وفي نفس الوقت يتم تجهيز ملف كامل لكل “الفاسدين والمتجاوزين”، الأمر الذي يسهّل من عملية التخلص منهم في حال تنامي طموحاتهم ودون أن يترك ذلك أثراً على المنظومة الأمنية.

وفي عهد بشار الأسد تم العمل على إنماء حالة من النزاع والتنافس البيني في مناطق النفوذ والسيطرة، وتم تقاسم السيطرة على المنافذ الحدودية بحيث أصبح كل منفذ حدودي يتبع لجهاز أمني واحد هو المسيطر والمتحكم به وبثرواته فكانت المنافذ الحدودية مع العراق تتبع لإدارة المخابرات العامة والمنافذ الحدودية مع الأردن للمخابرات الجوية ومع لبنان للأمن العسكري ومع تركيا للأمن السياسي.

تحالفات جديدة

اما التحديات التي ستفرض نفسها على مستويات الإصلاح الأمني، وهنا بيت القصيد، فتتطرق الدراسة الى عدة “تحديات” أبرزها إعادة بناء التحالفات الاجتماعية والمؤسّسية السائدة التي كانت تقوم عليها الأنظمة الاستبدادية السابقة، واستبدالها بتحالفات جديدة مستقرّة تجعل عملية بناء القطاع الأمنيّ في المرحلة الانتقالية أكثر اتساقاً وتماسكاً. ويتطلب هذا تنحية كل الأسس الطائفية أو الأثنية أو الحزبية، وأن تستند مرجعية العملية البنائية على عاملين أساسيين: الوطنية والمهنية وبشكل عابر للفصائلية والحزبية.

المواءمة مع مفهوم “اللامركزية” بأنواعها، إذ تدلل المعطيات على تزايد تشظي المركزية وتآكلها الشديد، وهذا ما يتطلب القدرة على هندسة العملية الإصلاحية وفق متطلبات التمكين المحلي والضرورات الوطنية الكبرى.

وتقترح الدراسة جملة من المسلمات ليتضمنها العقد الوطني الذي يحدد أبعاد العلاقة البينية للجهاز الأمني مع المجتمع واولها أن تنطلق عملية إعادة البناء من عقيدة أمنية جديدة، ترتكز على حماية أمن الوطن والمواطن، بدلاً من العقيدة السابقة الفاسدة، التي كانت ترتكز على خدمة الحاكم وأعوانه.

وثانيها الفصل التام للأجهزة الأمنية عن تجاذبات السياسة، بما يمنع التحزّب داخل هذا القطاع، وكذلك أن يُعنى القطاع الأمني بخدمة مصالح الشعب.

الأهداف الاستراتيجية

وبذلك تكون “الأهداف الاستراتيجية للقطاع الأمني المستقبلي” هي: تعزيز النظام العام وسيادة القانون، والحد من جرائم أمن الدولة (كالخيانة والتجسس). وترى الدراسة ان تشمل المرحلة الأولى من “الهيكلة” استصدار مجموعة من التشريعات والمراسيم المتعلقة كالإبقاء على مركزية مكتب الأمن الوطني واعتباره رأس هرم الأجهزة الأمنية وقائدها.

ودمج إدارة المخابرات الجوية إلى إدارة المخابرات العسكرية، على أن يتبع هذا الجهاز إلى رئاسة أركان الجيش بشكل مباشر. ودمج شعبة الأمن السياسي وإدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) وربطهم إدارياً وتنفيذياً بمكتب الأمن الوطني / القومي ضمن مسمى جديد (جهاز الأمن الوطني العام).

وإخضاع عمل الجهاز الأمني للرقابة البرلمانية من حيث الصلاحيات وآليات ونطاق العمل.

وتبدأ المرحلة الثانية، وفق الدراسة التي نشرها المركز على موقعه الالكتروني (http://cutt.us/FbnVF ) من الهيكلة و”التنظيف”بإحالة كافة العناصر المتورطة في ارتكاب جرائم الحرب والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان إلى القضاء والبدء ببرامج التأهيل السلوكي والوظيفي.

وإعادة التوازن للتركيبة الوظيفية والعضوية في أجهزة الأمن السورية والبدء بتصدير قوانين عمل وتوظيف عامة وفق شروط صحية ونفسية وثقافية فقط دون الأخذ بمعايير الطائفية، وإنهاء العمل بقوانين الندب.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...