الرئيسية / آخر الأخبار / الخاسرون في الانتخابات الأمريكية

الخاسرون في الانتخابات الأمريكية

الرابط المختصر:

مدار اليوم – مها غزال
منذ بداية حملته الانتخابية اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاً واضحاً، اعتمد خلاله على مخاطبة الشعب الذي يريد الحصول على أصواته، تكلم ترامب على ما يبدو بلغة الشارع وعبر عن مخاوفه بشكل صحيح، استعمل تعابير وجهه وحرك يديه كما يفعل أي شخص عادي عندما يعبر عن الفرح أو الغضب أو اي شعور أخر.
تحدث ترامب أمام الكاميرات بحرية على خلاف ما يفعل الساسة الكبار، ظهر وكأنه ابن الشارع وليس أي شارع، هو ابن الشارع المحمل بالجنون والعقد، وكثيرا ما كان محملاً بالكراهية والغضب، بالحيل والمناورات.
شكل ترامب بالاسلوب الذي اختاره لنفسه خلال الدعاية الانتخابية صدمة للنخبة السياسية الأمريكية، حتى المنتمية إلى الحزب الجمهوري الذي رشحه، وهذه الصدمة دفعت حزبه مرارا للتفكير بوقف تمويل حملة ترامب الانتخابية، أو وقف دعمه، كما دفعتهم للاحجام عن متابعة الانتخابات الرئاسية والتركيز على الكونغرس، وهو ما منحهم التقدم الأخير هناك.
وفي الواقع فإن الحزب الجمهوري الذي كان يعرف ترامب أكثر من أي جهة أخرى، كونه ابن هذا الحزب، كان يريد التنصل من الحقيقية التي يكشفها ترامب للمرة الأولى للعالم، عن مزاج الشعب الأمريكي وواقعه، وربما لم يكن يؤمن بفكرة ترامب حول هذا المجتمع، وكان أقرب لرؤية النخبة الأمريكية لـ “أعظم شعب في العالم”، وبفوز ترامب هزمت النخبة الأمريكية التي سخرت منه، وسخفت أقواله وأفعاله.
وعلى الضفة الأخرى اختارت المرشحة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، خطا مختلفا جداً، اتسم بالنضوج والعقل والحكمة، ظهرت خلال المناظرات المباشرة التي خاضتها مع ترامب، والتي كانت ترفع أسهمها في مؤشرات استطلاع الرأي في كل مرة، إلا أن كلينتون سقطت في الحفرة التي حفرها ترامب، لم تستطع أن تقاوم البريق الشعبوي الذي كان يغوص به على الرغم من أنه ليس إلاعبارة عن وحل أسفل المستنقع الديمقراطي، كما صورته مجلة “دير شبيغل” الألمانية.
خسرت كلينتون منذ غادرت ملعب الحكمة والنضوج الذي وضعت نفسها به، إلى ملعب الغرائز والفضائح، اعتمدت كلينتون على نشر فضائح رجل الأعمال الثري المترف وزير النساء، ودخلت في خصوصيات المرشح الأمريكي.
حلم كلنتون بأن تكون أول امرأة تتربع على عرش رئاسة أعظم دولة في العالم، دفعها للسير وراء الغرائز التي حركها ترامب، وجعلها تنتهك أبرز أسس الديمقراطية، وتدخلت في خصوصيات شخصية للمرشح المنافس، على الرغم من أنها تعلم أن هذه الخصوصيات لن تحدث تغييرا عميقا في توجه الناخبين، خاصة بعد تجربتها وزوجها بيل كلينتون اثر فضيحته مع مونيكا.
اعتمدت كلينتون في حملتها الانتخابية على أصوات الناخبات النساء، وجهت خطابها لهن وأكدت على أن نجاحها هو انتصار للنساء ليس في أمريكا وحسب، وشيطنت صورة ترامب وجعلت منه المغتصب والمنتهك لحقوق النساء، والرجل الذي لا يحترم دور المرأة في المجتمع ولا يراها أكثر من سلعة، غير أن فوز ترامب، قد يعكس موقف النساء من كلينتون ومن قدرتهن على إيصال امرأة إلى البيت الأبيض.
بلا شك أن عدداً لا يستهان به من النساء انتخبن ترامب، فهل كن مقتنعات بخطابه؟، أم أنهن دافعن عن المغتصب وقبلن ما فعله بهن؟، أم أن رواية كلينتون لم تكن مقنعة بالشكل الكافي؟، أم أنهن لسن مقتنعات بالدور الذي قد تقوم به المرأة كلينتون في قيادة الولايات المتحدة، وربما لم تنظر شريحة كبيرة من الأمريكيات للتنافس بين ترامب وكلينتون على أنه تنافس بين رجل وامرأة، وحاسبن كلينتون على أخطاء الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي ينتمي لذات الحزب.
نعم لقد تسبب أوباما بخسارة الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه، بسبب سياساته الخارجية على الأغلب والتي شكلت خوفا لدى الأمريكيين من تراجع الدور الأمريكي في العالم، وعلى الأغلب لقد كان دعم أوباما لكلينتون في حملتها الأخيرة ومناشدته الأمريكيين أن يقفوا معها كما يقفون معه، وتلميحه أنها امتداد له دور في نفور الناخبين الذين ملو انكفاء الحزب الديمقراطي.
وسط الخسارات التي منيت بها الولايات المتحدة اليوم، قد تكون خسارة مراكز الأبحاث والدراسات هي الأقوى، حيث فشلت في فهم توجهات المجتمع الأمريكي الذي فهمه ترامب وعرف كيف يلعب معه على مدار شهور.
وبرهن فوز ترامب على فشل القطاع الأمريكي لتكنولوجيا الانتخابات واستطلاعات الرأي العام، وأظهر مدى الفجوة بين الطبقة السياسية الأمريكية والمواطنين الأمريكيين، وافتقادهم إلى الأدوات لفهم مجتمعهم.
وربما أظهرت الانتخابات الأخيرة، الفارق الكبير بين القناع الذي ترتديه الدول الكبرى والحقيقية، حتى على المستوى الشعبي. فبينما استطاع ترامب أن ينزع القناع عن فئة كبيرة من الأمريكيين، الذين أعلنوا مناصرته، حافظ العديد منهم على القناع في العلن، وكشفوا عنه في الغرف السرية للانتخاب، وربما كان هذا هو سبب التناقض بين استطلاعات الرأي العام التي أشارت إلى تقدم كلينتون في ولايات مثل أوهايو، على سبيل المثال، بفارق كبير، إلا أن ترامب فاز في هذه المناطق بذات الفارق.
وبطبيعة الحال، كان لعرب أمريكا نصيبهم من الصدمة التي ربما لن يستفيقوا منها سريعا، وعلى الأرجح أنها ستغير من طريقتهم في قراءة الواقع الأمريكي والمجتمع الأمريكي، وقد أظهرت تحليلات الساسة العرب الأمريكيين، والناشطين العرب في أمريكا وحتى الأشخاص العاديين، مدى انخداع هذه الشريحة بالمجتمع الأمريكي، وربما كشفت عن عدم فهم حقيقي للمجتمع الذي ولدوا بداخله، من المؤكد أنهم تأثروا بفكرة النخب الأمريكية عن مجتمعهم، كما تأثروا بالرواية الاعلامية عن هذا المجتمع.
وقبل أن يصحو أحد من هذه الصدمة، جاء خطاب الرئيس الأمريكي الجديد، متوازناً خارجاً عن سياق حملة الإنتخابية، وكأنه يسدل الستارة عن عرض مسرحي طويل، ويقول للعالم انتهى العصف الذهني، علينا الآن أن تستفيد من كل ما جرى، ونبدأ العمل من اليوم بعد جولة المكاشفة تلك.
ترامب هو ابن مؤسسة فرضت سيطرتها على البيت الأبيض بانتصاره، كما فرضت سيطرتها على الكونغرس، لتنهي بذلك أعواما من الصراع والتعطيل، وليبدأ مرحلة جديدة توافق نظرة الحزب الجمهوري الذي لم يكن من أنصار ادارة العالم من الخلف، كما فعل سلفه أوباما وحزبه الخاسرين، وكما يروق إلى حد كبير للحزب الديمقراطي في قيادة العالم، ترامب ابن حزب الهجوم والمبادرة حزب الجمهوريين.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...