الرئيسية / آخر الأخبار / إنسان.. لهذا الزمان

إنسان.. لهذا الزمان

الرابط المختصر:

ايمن الاسود
قلائل هم الذين يعرفون اسمه الحقيقي، فالكل يناديه بلقبه.
كان والده شرطياً فقيراً متقاعداً، لم يسرق قط ولم يرتش يوماً. كان طيباً، لكن على طريقته، يؤمن بكل أساليب القسوة في تربية الأولاد، فهو يريد لابنه أن يكون أشطر الأولاد في المدرسة، لكن روح الصغير الوثابة لم يكن ليحبسها جدار، ولا يحدها سقف، كل البراري تكاد لا تتسع لمغامراته، هو الخبير بجغرافيا الهضاب والسهول، يميز الفطر السام من الصالح للأكل، يعرف بيض ال “حرثون” من بيض ال “دوري” والحمام. إن حضر حاملاً حقيبته المدرسية يوماً، فلن يعود بها، ذلك أنه سيضيعها وهو يبحث عن شجرة تين في الوادي أو عن أعشاش الطيور فوق الأغصان العالية.
لم يُشاهِد دموعه أحد، رغم تفرغ والده لتربيته بكل وسائل القرون الوسطى، من ال “كرباج”، إلى الكبل الرباعي، إلى “المرسة” المنقوعة بالماء، مع توصيات يومية للمعلمين، يختصرها بقوله: “إلكم اللحم وإلنا العظم”. تحولت باحة المدرسة إلى مسرح شبه يومي ل “فلقات” كان هو بطلها، كل هذا وهو في صوم حتى عن الآه، ونظريته في ذلك أن غسل اليدين والرجلين بدم ال “حراثين” يحجب عنه الشعور بالألم.
كبر وأصبح الحاضر دائماً في خدمة الجارة، تريد أن تستبدل جرة الغاز، والمتصدي لمشكلة مجارير الصرف الصحي في الحي المجاور وما إلى ذلك من مهمات تطوعية، يؤديها بكل مودة وحب.
لن تجدهُ يمشي في جنازة أحد، فهو منذ الصباح يحفر القبر، ويجهزه للميت، وتحفظ ذاكرته كل وصايا العجائز والمرضى له حول مكان الدفن، وبجانب من، وحتى فيما يتعلق بطلبات خاصة عند بعضهم، فمنهم من يريد قبره عريضاً وآخرون يفضلونه طويلاً، وحتى من هم أصغر منه سناً يوصونه بمواصفات قبورهم، وكأنه سيؤجل موته إلى أن يدفن الجميع.
كان نادر الكلام، مع أن مفردات قاموسه هي الأغنى والأبلغ والأكثر حقيقية، لا شيء عنده للبيع والشراء، وفي عمله في مجال التمديدات الصحية، لا يشترط أجراً، ولا يعترض على أي مبلغ يتقاضاه، وكثيراً ما يتعرض لاستغلال بعض أصحاب النفوس المريضة لطيبته، لكنه لا يسمح لأحد أن يحدثه عن ذلك.
فهم الحياة والبشر والدين بشكل خاص. ذات مرة، قال لأحدهم مبتسماً: ” كثير من السكرجية أطيبُ قلباً من غيرهم”، وهو المتدين، الممارس.
خلال الثورة، كان بطل المرور على الحواجز وتهريب المطلوبين، قلبهُ حديد، وجفنه لا يرمش، كان صاحب حيلة لم تُعهد عنه. ذات مرة وفي عز حملات المداهمة وتفتيش الأحياء بيتاً بيتاً، خبأ أحدهم في بيته،وبعدها ألبسهُ ثياب زوجته وزاد على ذلك أن جاء له بخمار، كي يمر من أخطر الحواجز، مُعرفاً عنه أنه زوجته.
عاش في هذه السنين العجاف أزهى أيامه، فهو في فعل دائم لما يُشبعُ روحه.
ربما احتاج كل من حوله إلى ثورة، تجعلهم، يدركون أنه لم يكن يوماً إلا ثائراً بالفطرة، منسجماً مع “جينات” الحرية التي وُلِدَ بها وعاش لها، ولهذا لم تُفلح سياط أبيه، ولا عصي معلميه، التي لو نزلت على جملٍ لأردته أرضاً، في كسر روحه التي طالما حلقت في سماء الوجدان، لتخلق منه.. إنسان.
كاتب سوري

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“لم الشمل” يحرج ميركل ويعرقل الإسراع بتشكيل ائتلاف في ألمانيا

برلين _ مدار اليوم شكّلت قضية لم شمل اللاجئين إحدى نقاط الخلاف ...