الرئيسية / آخر الأخبار / سوريا في جحيم الهيمنة على منافذ الطاقة

سوريا في جحيم الهيمنة على منافذ الطاقة

الرابط المختصر:

مدار اليوم – مها غزال

شكلت السياسيات الروسية في سوريا عقدة يصعب حلها، ووقفت خلال السنوات الست الفائتة أمام أي حل سياسي أو حتى عسكري في البلاد، ويبدو في ظاهر الأمر أن موسكو تتمسك بوجود بشار الأسد وتدافع عنه، فيما يخفي موقفها مصالح استراتيجية عميقة، دفعتها لتضع كافة ثقلها السياسي ومن ثم العسكري هناك.
وبالرغم من استسهال المحللين السياسيين اعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وتذكير الروس بنهاية الإتحاد السوفيتي بعد أن أغرقته الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني، يمضي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ارسال جيوشه إلى سوريا، وإنفاق بغض ميزانيته العسكرية هناك، في حرب باتت موسكو أحد أطرافها.

حروب مستعرة من نوع أخر
قد لا ترى موسكو الحرب المستعرة على الأرض السورية، سوى رجع صدى لحروب من نوع آخر بين الروس من جهة، والأمريكيين والأوروبيين من جهة أخرى، حول السيطرة على الطاقة الرئيسة في القرن الواحد والعشرين وهي الغاز، الذي يعتبر البديل لتراجع احتياطي النفط عالمياً كما أنه يعتبر المصدر الأساسي للطاقة النظيفة.
ومن الواضح أن الرئيس الروسي تعلم جيدا من درس سقوط الاتحاد السوفياتي، وتأكد من أن الصراع على التسلح قد أنهكهم وسط غيابهم عن عوالم الطاقة الضرورية، فيما كان الأميركيون يتحركون في مناطق النفط عبر عقود مكنتهم من النمو والسيطرة على القرار السياسي الدولي بلا منازعات كبيرة. ولهذا تحرك بوتين باتجاه مكامن الطاقة وعلى اعتبار أن القسمة الدولية لا تحتمل المنافسة في قطاعات النفط، عملت موسكو على السعي إلى ما يشبه احتكار الغاز في مناطق إنتاجها أو نقلها وتسويقها على نطاق واسع.

مشاريع متصارعة للهيمنة على مصادر الطاقة
بعد إقرار إتفاق “كيوتو” سنة 1992، وتطبيق الدول الأوروبية لإجراءات حازمة للحد من تلوّث الجوّ، تضاعف إستهلاك أوروبا للغاز، كما أنها توجهت نحو قرارات بإغلاق العديد من المفاعلات النووية المولّدة للطاقة، مما يحتم مضاعفة الإستهلاك إلى أكثر من خمس مرات في السنوات القليلة المقبلة، وهذا ما فتح شهيّة الكثير من الدول المصدرة للغاز نحو أوروبا.
وفي ظل تنامي الاحتياج الأوروبي للغاز، تحرك بوتين بداية عام 1995 لرسم استراتيجية شركة “غاز بروم” لتتحرك في نطاق وجود الغاز من روسيا فأذربيجان فتركمانستان فإيران، وصولاً إلى منطقة الشرق الأوسط، وأطلق مشروعي السيل الشمالي والسيل الجنوبي من أجل إحكام السيطرة على الاقتصاد الأوروبي الذي سيعتمد لعقود على الغاز بديلاً من النفط.
لم تكن واشنطن بعيدة عن مسرح الهيمنة عبر احكام القبضة على مصادر الطاقة الرئيسية في العالم، وسارعت إلى تصميم مشروعها الموازي “نابوكو” ليصارع المشروع الروسي على قسمة دولية، والتي على أساسها ستتحدد آفاق القرن سياسياً واستراتيجياً.
ويدعم الاتحاد الأوروبي المشروع بصفته أحد السبل للحد من اعتماده على الغاز الروسي في ظل وجود عدد من الموردين المحتملين للمشروع بما في ذلك العراق ومصر وإيران وأذربيجان وتركمانستان.
ويتخذ المشروع الأميركي “نابوكو” من آسيا الوسطى والبحر الأسود ومحيطه مركزاً له، فيما تعتبر تركيا موقعه المخزِن، ومساره منها إلى بلغاريا فرومانيا ثم هنغاريا فالتشيك وكرواتيا وسلوفينيا فإيطاليا. وكان من المقرر أن يمر باليونان إلا أنه تم غض الطرف عن هذا بسبب الاعتراض التركي
بينما ينقسم المشروع الروسي إلى شقين شمالي وجنوبي: السيل الشمالي: وينتقل من روسيا إلى ألمانيا مباشرة، ومن فاينبرغ إلى ساسنيتز عبر بحر البلطيق دون المرور ببيلاروسيا، وهو ما خفف الضغط الأميركي عليها، والسيل الجنوبي: ويمر من روسيا إلى البحر الأسود فبلغاريا ويتفرع إلى اليونان فجنوب إيطاليا وإلى هنغاريا فالنمسا.

الخطوات الروسية لافشال المشروع الأمريكي:
وفي حين لا تجد خطوط الغاز القادمة من السعودية وقطر وشرق المتوسط أي بد من المرور في سوريا للإلتقاء في تركيا نقطة التخزين ضمن مشروع “نابكو”، أصبحت سوريا أرض عبور حتمية لخط الغاز الإيراني والأذربيجاني والتركستاني، وذلك بعد أن أثارت موسكو عبر خطواتها لتعطيل المشروع الأمريكي نزاع الملكية القانونية حول بحر قزوين، وماهية الصفة القانونية للمسطح المائي لبحر قزوين في ظل القانون الدولي، وهل هو بحر أم بحيرة.
ولأن القانون الدولي يفرق بين الصفة القانونية للمسطح المائي فيما لو كان بحرا أوحوضا، ويترتب عليه حقوق تختلف للدول المطلة عليه، فالبحر تحت القانون الدولي يتم تقاسم مياهه وثرواته حسب طول شواطئ الدول المحيطة به، وجرفها القاري، فيما إذا كان المسطح المائي حوضا أو بحيرة فإن الوضع القانوني للملكية يختلف حيث يتم تقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، مما يجعل من المستحيل، إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين.
استمرت روسيا بالمضي نحو تعطيل تنفيذ المشروع الأمريكي، عبر بناء قوة روسية احتكارية في شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي احتكار بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، ودخلت في عقود شراء غاز طويلة المدى من كل حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، كتركمانستان التي تنتج نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، وقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل.
كما دخلت بعقود شراء طويلة الأجل مع أوزبكستان التي لديها احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب من الغاز، حيث قامت روسيا بشراء كامل إنتاجها من الغاز في عقد طويل الأجل ينتهي عام 2018، ودخلت أذربيجان في تعهدات مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقعت روسيا معها اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من غازها.

روسيا تستمر ببناء مشروعها في ظل تعطيل المشروع المنافس
ذكرنا سابقاً أن الرئيس الروسي سارع في عام 1995 لإنشاء شركة “غاز بروم”، وكان ذلك بالتعاون مع صديق ألماني لموسكو يدعى هانز جوشيم غوينغ، الذي شغل منصب نائب رئيس سابق لشركة صناعة الغاز والنفط الألماني، وأشرف على بناء شبكة خطوط الأنابيب التابعة لشركة “GDR”، كما ترأس غاز بروم حتى شهر تشرين الأول/أوكتوبر 2011 فلاديمير كوتينيف وهو سفير روسي سابق في ألمانيا.
ومهدت علاقات مؤسسي شركة “غاز بروم” لتوقيع صفقات نوعية مع شركات ألمانية وعلى رأسها الشركات المتعاونة مع السيل الشمالي كشركة “E.ON” العملاقة للطاقة وشركة “BASF” العملاقة للكيميائيات، حيث تأخذ شركة “E.ON” تفضيلات لشراء كمية من الغاز على حساب شركة غاز بروم عندما ترتفع أسعار الغاز، ما يعتبر بمثابة دعم سياسي لشركات الطاقة الألمانية.
وتشمل مشاريع “غاز بروم” المشتركة مع ألمانيا مشروع “وين غاز” المشترك مع “وينترشال” أحد فروع “BASF” وهي أكبر منتج للنفط والغاز في ألمانيا وتسيطر على 18% من سوق الغاز، حيث نالت ألمانيا حصصاً غير مسبوقة في الأصول الروسية.

عقبات أمام المشروع الروسي تبدل مساره
تعرض مشروع “السيل الجنوبي” لعقبت بالغة هددت بايقافه، ثم بدلت مساره، حيث عارض الاتحاد الأوروبي المشروع في البداية، زاعماً أنه ينتهك “حزمة الطاقة الثالثة”، وهي التشريع الأوروبي الذي يفصل إنتاج الطاقة عن نقلها، واستخدمت المفوضية الأوروبية القانون في الضغط على دول الاتحاد الأوروبي الموقعة على الاتفاق مع روسيا لبدء المشروع. ونتيجة لذلك أوقفت بلغاريا بناء الجزء الخاص بها من المشروع في وقت سابق.
وتمثلت العقبة الثانية في ارتفاع تكلفة أنابيب التوصيل، فقد حددت شركة “غازبروم” تكلفة 10 مليار دولار عام 2007، لكن التكلفة تصاعدت إلى 30 مليار دولار عام 2014، كما حذّر كلاويديو ديسكلازي، المدير التنفيذي لشركة “إي إن أي”، في منتصف شهر نوفمبر 2014 من أن شركته سوف تتخلى عن المشروع إن استمرت الأسعار في الزيادة.
وتتمتع شركة “غاز بروم” بوضع مالي جيد نسبياً، على خلاف شقيقتها “روزنيفت”. إلا أنه مع التخطيط لبدء مشروعات كبيرة ومكلفة خلال السنوات القليلة الماضية، ومنها مشروع “يامال” للغاز الطبيعي وتوصيل خطوط أنابيب “باور أوف سايبريا” إلى الصين، يصبح من المرجح ألا تستطيع “غازبروم” تحمل التكلفة الكاملة لمشروع “ساوث ستريم” دون مساعدة مالية من الكرملين. ومع الهبوط الاقتصادي الروسي الحاد وهبوط أسعار النفط، امتنع الكرملين عن منح كميات كبيرة من الأموال مثلما فعل في الماضي.
أنفقت “غاز بروم” بالفعل 4.5 مليار دولار على المشروع، أغلبها على خطوط الأنابيب الرئيسية تحت الماء، والتي تم توصيلها إلى ساحل البحر الأسود. إلا أن تلك الأنابيب يمكن استخدامها في بناء خطوط الأنابيب الجديدة الموصلة إلى تركيا. ووفقاً لرئيس “غازبروم،” أليكسي ميلر، ويمكن لخط الأنابيب البديل نقل 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتستطيع تركيا شراء 14 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ثم تنقله إلى جنوب شرق أوروبا إلى نفس الدول التي كانت ستحصل على الغاز من مشروع “السيل الجنوبي” أي تبديل مسار المشروع وادخال شريك جديد فيه.
وتؤدي التغيرات في مشروعات خطوط الأنابيب إلى نفس الطريق تقريباً؛ حيث ستكون النتيجة متماثلة، إلا أن طريق نقل الغاز هي محور التساؤل، بما أن أية بنية تحتية لخطوط الأنابيب داخل أوروبا ستخضع لنفس قوانين الاتحاد الأوروبي التي طاردت “السيل الجنوبي”.

تركيا شريك جديد في المشروع الروسي
بعد طول انتظار دخلت تركيا كشريك في المشروع الروسي الذي كان يعمل على تحييدها عن سوق الغاز عبر افشال المشروع الأمريكي “نابوكو” والتي تشكل فيه تركيا الخزان والعقدة الأخيرة لأنابيب الغاز قبل وصوله إلى أوروبا.
وغيرت روسيا معادلة السياسة والطاقة الخاصة بالمنطقة، بعد استبدال “السيل الجنوبي بـ”السيل التركي”، خاصة أن روسيا سوف ترفع من قدرتها بدرجة كبيرة إلى تركيا مباشرة، في حالة بناء خطوط الأنابيب الروسية التركية المقترحة، وهي أكبر مستوردي الغاز الروسي، ويرجح أن تحصل تركيا على خصم بقيمة 6 بالمئة على إمدادات الغاز الحالية كجزء من اتفاقية البناء.
وستقدم خطوط الأنابيب الروسية، تركيا دولة وسيطة أخرى في صادرات الغاز إلى أوروبا. حيث كان الهدف من مشروع ” السيل الجنوبي” هو التوصيل المباشر للغاز الروسي إلى جنوب شرق أوروبا، وتخطي أوكرانيا. وفي ظل الخطة الجديدة، ستظل إمدادات الطاقة مبتعدة عن أوكرانيا، لكنها ستكون مشروطة بنقل تركيا للإمدادات. ليس لدى روسيا التأثير الذي تملكه على أوكرانيا، أي أن موسكو سيكون لديها قدرة أقل على تسييس إمدادات الغاز الطبيعي المتجهة إلى القارة.
كما يمنح مشروع “السيل التركي” تركيا قدرة أكبر على الضغط من أجل الدخول في الإتحاد الأوروبي وهو أحد أهدافها من المشروع الأمريكي، غير المشروع الروسي يفك بعض قيودها اتجاه واشنطن و”الناتو”، خاصة وأن تركيا لا تكتفي بابرام العقود مع الروس إنما تستمر بالعمل لانضاج مشاريع طاقة أخرى.
حيث تشارك تركيا، في إنشاء خطوط أنابيب “ترانس-أنطولين” لنقل الغاز الطبيعي التركماني عبر منطقة القوقاز إلى تركيا وأوروبا، كما تتحرك تركيا قدماً نحو صلة مشابهة، وهي خطوط أنابيب “ترانس-أدريتك”، والتي ستنقل الغاز الطبيعي الأذربيجاني. وامتدت المحادثات طويلاً حول إمكانية توصيل عملاقة الغاز الطبيعي “تركمانستان” لتلك الطرق عبر خط أنابيب “ترانس-كازبيان”.

سوريا عقدة المنشار في الصراع
كان الترتيب العالمي للغاز يتأرجح بين روسيا و تركمانستان واذربيجيان وجورجيا وإيران وقطر، غير أن الدراسات أصبحت تتحدث عن ترتيب جديد يقره واقع المخزون الاستراتيجي الجديد.
وتتربع روسيا في مقدمة الدول المنتجة للغاز، حيث يقدر احتياطي الغاز في حوض غرب سيبيريا بـ 643 تريليون قدم مكعب، يتبعه الربع الخالي بـ 426 تريليون قدم مكعب اضافة لحقل غوار الكبير شمال شرق السعودية 227 تريليون قدم مكعب، ويأتي غاز البحر الأبيض المتوسط في المرتبة الثالثة بـ 345 تريليون +5.9 مليار برميل من الغازات السائلة +1.7 مليار برميل من النفط وجلّ ذلك في سوريا.
وتفيد عدة دراسات، أن ما يُرى من غاز في البحر المتوسط مركزه في سوريا، وأن اكتشاف حقل “قارة” في القلمون الغربي بما يحقق 400 الف متر مكعب يومياً قد حسم أمر واقع ثراء سوريا بالطاقة، وصولاً إلى اعطائها المرتبة الأولى، فيما يحصل حزام حقول الغاز على امتداد الخليج العربي “حزام زاغروس”، من إيران إلى العراق “212 تريليون قدم مكعب” على المرتبة الرابعة.
بالاضافة إلى أهمية سوريا من حيث ترتيبها في مصاف الدول المنتجة للغاز، يشكل موقعها الجيوسياسي عاملا مهما لدخولها في الصراع الدولي على منافذ الطاقة، ومن هنا نستطيع أن نفهم أهم أهمية الحرب الأخيرة في حلب، إذا علمنا أنها تشكل عقدة مهمة في كلا المشروعين الروسي والأمريكي، حيث تعتبر عقدة أساسية لعبور خطوط الغاز الأساسية التي تغذي مشروع “نابكو”، أبرزها:
1- خط الغاز المقبل من الربع الخالي السعودي

2- غاز منطقة شرق المتوسط “سوريا ولبنان وإسرائيل”.

3- خط الغاز القطري

4- الغاز الإيراني والأذربيجاني والتركستاني.

وفي هذا السياق يأتي الاتفاق الروسي -التركي، حيث تزامن توقيع مشروع “السيل التركي” مع وقف اطلاق النار في حلب، واتفاق اجلاء المدنيين منها، ثم تبعه إعلان موسكو، والإعلان عن مؤتمر الأستانة الذي سيبحث وقف اطلاق شامل في كافة الأراضي السورية، والاتجاه نحو حل سياسي للقضية السورية.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير الخارجية المصري يبحث مع غوتيريس مباحثات جنيف لحل القضية السورية

القاهرة _ مدار اليوم التقى وزير الخارجية المصري سامح شكري، الأمين العام ...