الرئيسية / آخر الأخبار / على حافة الإنهيار من داخل المجزرة …. شهادة طبيب من بلدة حاس

على حافة الإنهيار من داخل المجزرة …. شهادة طبيب من بلدة حاس

الرابط المختصر:

د.طراف الطراف

في صباح يوم الأربعاء 26/11/2016 خرجت كالعادة إلى المشفى الصغير في بلدتي الصغيرة حاس، و بعد فترة قصيرة جاءت طائرات الجحيم، و بدأت تلقي حممها على مدارس القرية، حيث يوجد في القرية ثلاثة مدارس متجاورة تقع في طرف القرية، كانت الصواريخ التي تلقيها الطائرات تفتح مظلة بعد إلقاءها بقليل لتنزل بعدها بشكل عمودي و تنفجر، وكان انفجارها شديد جداً واقوى من كل انواع الاسلحة التي شهدت قصفها من قبل، و ما هي إلا دقائق حتى بدأت تتدفق الاصابات إلى المشفى بشكل هائل، يفوق طاقتنا على تلبية الاحتياجات بشكل كبير جدا.

ألقت طائرتين وبالتتابع ثماني صواريخ، اول اثنان منها أصابا المدارس بشكل مباشر، والستة الباقية أصابت كل الطرق المؤدية إلى تجمع المدارس حيث خرج الاهالي والمسعفون ليحاولوا انقاذ مصابي الغارات الأولى.. إذ بعد الغارة الأولى خرج الأطفال مذعورون من المدارس إلى الطرقات و خرج أهالي البلدة باتجاه المدارس ليطمئنوا على أطفالهم، وهنا سببت الصواريخ الأخيرة أكبر عدد من القتلى و المصابين.
في المشفى بدأت أكوام اللحم تتوافد، أشلاء..جثث…مصابون يلفظون أنفاسهم الأخيرة، كان الوضع رهيبا وكارثيا أغلبهم أطفال يحملون على ظهورهم الصغيرة حقائبهم المدرسية، أغلبهم أعرفهم بشكل شخصي، برك من الدماء و الأشلاء، ورغم كوني أعيش ظروف الحرب منذ حوالي ست سنوات فهي المرة الأولى في حياتي التي أشعر فيها بالعجز المطلق.

أول مرة يتغلب لدي الجانب الإنساني على كوني طبيبا، يجب أن أبقى متماسكا، كنت على حافة الانهيار، رغم تزاحم مشاهد الدماء و الاشلاء في ذاكرتي يبقى مشهد الطفلة بيسان ذات الاحد عشر ربيعا عالقا في ذاكرتي، احضروها إلى الاسعاف بحالة صدمة كاملة، تتدلى رقبتها على يد المسعف، وضعها على السرير امامي، تحسست نبضها كان خيطيا و سريعا، حاولت انقاذها لكني فشلت، وبعد دقائق قليلة توقف قلبها الصغير… ماتت بيسان. تركتها و رفعت بصري و اذا بأبيها قال لي ( لا تقولها؟!!)، قلت له (لقد ماتت)، احتضنها و ضمها الى صدره و صار يبكي بكاء مخنوقا، بيسان طفلة وحيدة أنجبها والديها بعد عدة سنوات و بواسطة الإخصاب المساعد “طفل الأنبوب”.

وانا أحاول انقاذ ما يمكن إنقاذه جاءني خبر إصابة أخي الطبيب يوسف الطراف، وهنا كانت اللحظة الفارقة في المجزرة، اخي يوسف الذي كان يسارع من مشفى الى آخر لينقذ المصابين، اخي الذي أمضى سنواته الخمس الاخيرة يبلسم جراح المرضى و المصابين، وقع مصابا في الغارة الأخيرة، اصيب عندما خرج ليسعف المصابين، وبعد قليل جاءني خبر مقتل احمد ابن عمي ذا العشرين عاما، حيث خرج لينقذ الاطفال، وجدوه قد انكب على طفل و قد فارق الحياة بينما نجا الطفل.

في اليوم التالي للمجزرة توفي أخي الطبيب بسبب الإصابات البليغة التي تعرض لها، وبعد أن دفنت أخي قمت بجولة على بعض الجرحى في منازلهم، وبدء ينشكف الحجم الحقيقي للكارثة، أطفال صغار بترت أطرافهم، وآخرون تعرضوا لاصابات بالعمود الفقري ادت لشلل كامل، وفيما تعرض جزء أخر لحروق مشوهة. الطفلة رنا عمرها 11 سنة تعرضت لاصابات و كسور متعددة بقدميها و ساقيها قالت لي “انا ما عاد بدي روح عالمدرسة أبدا..ثم بكت و قالت الله يحرم اولادهم المدرسة متل ما حرمونا اياها”.

العديد من الاطفال الناجين تعرضوا لصدمة نفسية كبيرة، يستيقظون من نوهم مذعوريين و يصرخون، ومنذ يوم المجزرة حتى تاريخ كتابة هذه الرسالة و كل يوم تزداد حصيلة القتلى، حصيلة المجزرة حتى تاريخ كتابة هذه الرسالة هي قرابة الخمسين قتيلا و أكثر من 250 جريح، معظهم تعرضوا لاعاقة دائمة كلهم من الاطفال، او ممن خرج لاسعاف المصابين، كما تم تدمير المدارس بشكل كامل و تدمير الاحياء المجاورة للمدارس بشكل شبه كامل.

اليوم و انا اكتب لكم هذه الرسالة علمت ان زوجة اخي الطبيب يوسف الذي قتل في المجزرة قد رزقت بطفل بعد موت ابيه بأيام قليلة، وقررت تسميته على اسم ابيه يوسف صار عنده خمسة أطفال رحمه الله.

رسالتي الى الامم المتحدة و إلى السيد القلق بان كيمون : أعي جيدا أن ما يجري لنا لا يهمكم أبدا، ولا يعنيكم ومع ذلك لن أسكت، وسأفضح إجرام نظام الأسد و من وراءه روسيا، ومن وراءهما تخاذل و تمالئ الغرب و المجتمع الدولي، سأكتب ما يجري حتى تعلم الأجيال القادمة، أنه في مطلع القرن الواحد و العشرين كانت هناك مدارس تقصف و تتحول إلى قبور لتلامذتها على مرأى و مسمع من عالم يدعي التمدن، يدعي حماية حقوق الانسان، يدعي التحضر.
بلدة حاس
2/11/2016

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عولمة داعش………….بريشة هاني مظهر

هاني مظهر