الرئيسية / آخر الأخبار / عندما يكون اللون سجنا…

عندما يكون اللون سجنا…

الرابط المختصر:

ميخائيل سعد
قبل سنوات، عندما كان العمر يسمح بالقيام بمغامرة جديدة، تعرفت على صبية سوداء؛ كنت طالبا، في كندا، في صف اللغة الفرنسية وكانت معلمة، وكنا متقاربين بالعمر.
كنت كلما رأيت سيدة سوداء أو رجلا أسود، تقودني ذاكرتي، رغم شيخوختها، الى سوريا، وتحديدا الى حمص، حيث بدأت مراهقتي ولم تنتهِ. كانت مفردات الثقافة السورية، في ذلك الوقت، وأظن انها ما تزال، ترى في الانسان الأسود “عبدا“، عبر نظّاراتنا الُمستعارة من تلك الثقافة ”العنصرية“، كنا نرى بائع الفستق العبيد، ”عبدا“، والذي كان يُشاهد في المدن السورية، على الاقل في دمشق وحمص وحلب، حيث رأيت واشتريت فستقا بقبوع الورق من أحدهم.
المشهد الآخر الذي لا يغيب عن ذاكرتي في حمص القديمة، هو مشهد فتاتين شابتين تسكنان في حارتنا الضيقة ”تحتالمادنتين“، الواقعة بين باب الدريب وبستان الديوان، على مدى سنوات كنت أقف على باب دارنا القديم المنخفض، انتظر مرورهما، وأتأمل سمرتهما القاتمة، وتقاطيع وجهيهما الناعمة. لم أشاهدهما أبدا مع رجل، كانتا أحيانا تمران برفقة نساء محجبات، وكنت أسأل نفسي: من أين جاءهما هذا اللون، لماذا لم ارَ شابا يلحقهما، كما كنا نفعل نحن، لماذا لا تعبسان ولا تبتسمان، ولماذا،،، ولا تنتهي الاسئلة.
في أحد الأيام، وبعد أن تعرفت على أحد الشباب، الذي ولد في الحي، سألته عنهما، قال: إن والدهما هاجر في شبابه إلى إحدى الدول الامريكية الجنوبية، وهناك عاشر امرأة سوداء، فأنجبت له الفتاتين، وعندما قرر العودة الى حمص، ترك المرأة هناك وأحضر معه الفتاتين، ورغم موقع الاب الاجتماعي الجيد، ووضعه المالي الممتاز، وحرصه على تعليم الفتاتين في أفضل المدارس والجامعات السورية، إلا انهما بقيتا خارج المجتمع، فلونهما الاسود كان سجنا لهما، ولم يشفع لهما لا موقع الاب الاجتماعي، ولا ماله، في مغادرة سجن ”اللون الاسود“، لقد كانتا عبدتين في عيون المجتمع.
بالاضافة الى غموض قصة فتاتي حمص، كان عندي فضول للمس اللون الأسود، الذي ارتبط في بلادنا بالمناسبات الحزينة، أو المناسبات الرسمية، وفي الحالتين كان لمسه بعيدا عن أصابعي. في صف الفرنسي، وبعد أن استطعت “فك الحرف” دعوت المعلمة شديدة سواد البشرة إلى فنجان قهوة خارج المدرسة، فوافقت دون تردد. لا أعرف ماذا كان في داخل عقلها، عندما وافقت على دعوتي، ولكن أنا كنت أعرف ماذا أريد؛ أريد لمس أسودها بيدي، تحسسه بأصابعي، واذا كان للون رائحة، فأريد شمه، أريد أن اعرف كيف يتحول اللون الاسود الى سجن.
في الموعد المحدد، التقينا في مقهى ومطعم الوجبات السريعة “ماك دونالد”، شربنا القهوة، تحدثنا قليلا عن اللغة الفرنسية، قالت إن أصلها من هاييتي، ولكنها لم تعرفها أبدا، وقالت إنها تعرف بشكل عام المشاكل السياسية التي تعاني منها البلدان العربية، وأضافت: إن أهلها يتحدثون، أحيانا، بعدائية، عن السوريين الأثرياء في هاييتي، وكانوا يحلمون بالتقرب من أي سوري في الجزيرة، لأنه يعني الاقتراب من الثروة والسلطة.
مضى الوقت سريعا، وكنت أحيانا أسمح لأصابعي بالمرور على راحة يديها المنبسطتين على الطاولة أمامي، ورغم أن باطن الكفين لم يكن أسودا تماما، إلا أنه كان يكفي خيالي لبناء الصورة اللازمة عن المناطق الأكثر سوادا في جسدها. كنت قليل الكلام، ليس فقط بسبب صعوبة اللغة وقلة المفردات، وإنما لاستغراقي في خيالاتي، فجأة قالت المعلمة: أسئلتك قليلة، ماذا تريد أن تعرف عني، عندما دعوتني إلى هنا، ماذا كنت تريد أن تعرف مني أو عني، ألم ترتب أسلئلتك في البيت؟
شكرتني على الضيافة، وقالت، وهي تستعد للذهاب: دون أسئلة كثيرة لا تستطيع المعرفة، ستبقى أسير أوهامك، شكرا على القهوة.
تابعتها وهي تغادر المكان، وعرفت أنني أنا السجين؛ سجين اللغة وسجين الهجرة، وسجين أوهامي

x

‎قد يُعجبك أيضاً

موسكو تهدد باستهداف “سوريا الديمقراطية” في دير الزور

وكالات _ مدار اليوم هددت موسكو اليوم الخميس، باستهداف “قوات سوريا  الديمقراطية” ...