الرئيسية / آخر الأخبار / “سالم أبو النصر” يروي عن الثورة المغدورة

“سالم أبو النصر” يروي عن الثورة المغدورة

الرابط المختصر:

مدار اليوم – أيمن أبو هاشم

استضاف التجمع الفلسطيني السوري “مصير” قبل عدة أيام، في مقرّه بمدينة غازي عنتاب، الناشط الدكتور سالم أبو النصر، في لقاء حواري تحدث فيه عن تجربته الشخصية ما قبل وأثناء حصار مدينة حلب، الذي عايش يوميّاته وفصوله المريرة، كأحد المحاصرين مع عشرات ألوف المدنيين، الذين اجبروا على مغادرة المدينة بالباصات الخضر.
لم يجد أبو النصر في ذاك المشهد الجماعي الطافح بالدموع والحسرات، سوى المآل التراجيدي المحتوم، لنهايات مرحلة ترادفت فيها كل أسباب وعوامل وقوع الهزيمة، التي أقر بها الضيف الملتاع بلا أدنى تردد. رافضاً بكل غضب وجزم أي وصف آخر لها بقصد المواربة عليها. خارجاً عن الخطاب المألوف في تشخيص واقع الثورة، وتبرير تراجعاتها المتتالية. وهو يكرر على آذان مستمعيه: أن القوى التي حملت السلاح من مختلف الفصائل، لا ينطبق عليها مفهوم الثورة، التي أطلقها السوريون لتحقيق أهداف وطنية تحررية، لأنها كانت بعيدة فكراً وسلوكاً عن طبيعة الثورة، ولأنها تبنت رايات ومشاريع إسلاموية تتعارض مع أهدافها.
من وحي هذا الاستخلاص، رفض أبو النصر تبرير تلك الهزيمة بجرائم النظام وحلفائه فقط، لأن من ثاروا على النظام – وفق رأيه – كان عليهم أن يتوقعوا أنهم في مواجهة مع نظام دموي، وأن يفكروا ويخططوافي أسلوب مقاومته بشكل منظم ومدروس، وليستمكينه وأحياناً التغطية على تنكيله بالمناطق الثائرة عليه. الثورة مشروع يقوم على حوامل مجتمعية، وقيادة موحدة تُدير الصراع مع عدوّها، وتضع خطة اليوم التالي بعد هزيمته أو سقوطه، وهيّ معنية بإظهار عدالة قضيتها أمام العالم.
من هذه المقدمات التي صاغتها تجارب عالمية ناجحة، يشرح أبو النصر حول انزياح الثورةالسورية عن مساراتها الأولى، حين جرى تحوير جوهر الصراع، من خلال إيقاظ النوازع العقائدية، التي تلاقت مع لعبة المخاوف الطائفية والمذهبية التي أتقنها النظام. وما كانت حروب ” تحرير المدن” وفق رؤية الفصائل والقوى الداعمة لها، سوى ورطة كبيرة وضعت “المناطق المُحرَرة” بين سندان استهداف النظام بالقصف والتدمير والتهجير، ومطرقة إخفاق القوى التي أخرجتها من سيطرة النظام في إدارة شؤونها. إذ أودى الفشل في إدارة تلك المناطق ” كما اختبره أبو النصر من تجربته الشخصية فيها ” إلى تحوّلها مناطق معوّزة بأكثر مما كانت عليه قبل الثورة، تعتمد على الإغاثة والمساعدات الطارئة، وتفتقر إلى سياق تنموي ذاتي ومستقل، لاسيما في ظل فوضى عارمة، تحفز على الإفساد المحمي بالعسكرة وأمراء الحرب.
بمعنى أشمل: لا يعتبر أبو النصر أن مراجعة الحقائق المؤسفة والمخزية، في علاقة التشكيلات المسلحة بالبيئة المجتمعية الحاضنة للثورة، تجريحاً أو انتقاصاً من دور الشرفاء الذين حملوا السلاح دفاعاً عن أهلهم، لكنه يشير أن الثمن يكون أفدح حين يتم هدر جهود وتضحيات وآمال كبيرة، على يد قيادات مرتهنة لأدوار وأجنداتمحلية وخارجية، تناقض روح الثورة، ولا تنتمي إلى ثقافة الحرية والحياة. وهي من غدرت بالثورة قبل اكتمال ربيعها، وأفسحت المجال لطعنها من كلِ حدبٍ وصوب.
في هذا المشهد الذي يضيق على أصوات التغيير الوطني، وانتاج البديل الديمقراطي، يحمّل أبو النصر المجتمع ونخبه على وجه التحديد، قسطاً كبيراً من المسؤولية، لأن ورثة الاستبداد كانوا أقوى من طلاّب الحرية، ولأن نسبة ليست قليلة من السياسيين والمثقفين والنشطاء، كانوا امتداد بوعي أو باللاوعي للمنطق الشعبوي والمناطقي، ومنهم من أسهم في مجاراة منظومة الفساد الثوري، مما أعاق عملية الفرز الأفقي في المجتمع، وهي المهمة التي يصعب دونها تحديد ملامح وهوية أي ثورة تحررية، تقوم على فكر تنويري وممارسة صحيحة، تعبران عن دور الثورة في إنجاز التغيير الجذري المطلوب.
الحُرقة التي كانت تطبع سردية أبو النصر، إلى جمهور يشعر أن مجرد وجوده في الخارج، قرينةً على ضعف دوره في ساحة التأثير المركزية وهي الداخل، أوجزت دلالات الهزيمة بين خارج لا يعرف حدود مساهمته فيها، وداخل يرزح تحت وطأة افرازاتها المتواصلة. فيما ليس لدى أبو النصر إجابة جاهزة لسؤال ما العمل؟ وربما الأدق كيف العمل؟ ولا لغيره على ما بدا.. إذ لازال الخطاب السائد في التعامل مع مآلات الثورة، يتراوح: بين من يريدون مناقشة مستقبل ضامن لاستمرار الثورة، بينما كانوا في المواقع والأدوار التي شغلوها، من أسباب مشكلاتها وأزماتها البنيوية، وبين جمهور كبير في الداخل والخارج لا يملك راهناً إرادة تغيير المشهد، أو حتى الطريق إلى تصحيح انحرافات الثورة.
بلا رتوش أو مجاملة بقّ أبو النصر بحصاته المؤلمة، في حمى دأبه نشر الحقيقة من باب المكاشفة والضرورة، كي لا يبقى عماء الواقع كاسراً لأيّ أفق محتمل، وما كان يعنيه من اتفق أو اختلف معه، ومن فسّر كلامه على أنه يصب في مطحنة اليأس. فقط كان يريد أن يروي الحكاية كما هيّ، ودون أن يكترث للترتيب واللياقة والسياسة في تناولها، إنما بوصفه شاهداً وضحية على تراجيدية بلده، الفريدة في حجم تداخل أحداثها، وزخم فظائعها، وشتات دروبها. ولعلّهأجادَ في جعلنا نفكر ملياً في إعادة قراءة تجربة الثورة، بعيداً عن الإيديولوجيا والشعارات والأمنيات، كي يبقى ثمة أمكانية لإنضاج بديل عن الاستبداد الأسدي وأخواته، كيما يذهب طوفان الدم والألم هدراً..

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...