الرئيسية / آخر الأخبار / احتلال سوريا

احتلال سوريا

الرابط المختصر:

ميخائيل سعد
في يوم من أيام شباط عام ٨٢، كنت في زيارة تجارية الى المغرب ممثلا فيها دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت. كنت في ضيافة صديق سوري علوي، أنام في بيته، وآكل من طعامه، وكان هاربا من بطش النظام الاسدي، ولم تغفر له “علويته” ومعرفته لعلي دوبا عند النظام “العلوي”، بل كان المطلوب منه، قبل غيره، الركوع في محراب الاسد، وهذا ما رفضه الرجل دائما، وحتى الآن.

مساء أحد الايام العشرة التي امضيتها في الدار البيضاء، رتب هذا الصديق عشاء مع مجموعة من الشباب منهم: كاتب واستاذ جامعة مغربي، وآخر ناشط سياسي يساري مغربي، وشابان سوريان مقيمان في المغرب، احدهما كان سجينا سياسيا عند حافظ الاسد، والاخر كان مدرسا وشاعرا، يعمل في المغرب، وكان حوارنا حول ما حدث في حماه ٨٢.

الشابان اليساريان المغربيان كانا مع النظام “اليساري” في قمعه لحركة الاخوان المسلمين “الرجعية” والعميلة للامبريالية، وهو صدى لموقف أغلب الاحزاب “التقدمية” السورية والعربية، حتى تلك التي كانت ضد نظام الاسد، الحزب اليساري الوحيد الذي كان ضد ذبح حماه وضد نظام الاسد كان الحزب الشيوعي، جناح المكتب السياسي الذي يتزعمه رياض الترك، وقد دفع هذا الرجل وحزبه ثمنا باهظا لقاء موقفه ذاك.

عودة لمتابعة رسم خريطة حضور ذلك العشاء، فقد كان احد الشابين السوريين سجينا سياسيا عند حافظ الاسد، وقد امضى عاما في السجن على حساب جماعة ما كان يعرف ب”٢٣ شباط” او جماعة “صلاح جديد”، وتم تسريحه من عمله، وقد خرج من سوريا باحثا عن عمل يعتاش منه، الى ان رست سفنه في المغرب، وكان علوي المذهب، أما الشخص الاخر فكان يساري الهوى، مدرسا للغة العربية وشاعرا، وهو علوي المذهب ايضا.

وهكذا انقسم الاصدقاء حول طاولة العشاء الى قسمين: أنا وصديقي العلوي في جهة، والاربعة الاخرون في جهة، ولكل منا حججه يدافع بها عن رأيه. كان العنوان العريض لموقف السوريين الاخرين يتطابق مع موقف المغربيين اليساريين، ولكنه كان يضمر موقفا طائفيا ايضا من الاحداث في حماه، وأقول بثقة انه كان يضمر موقفا طائفيا، لأنني وصديقي كنا على معرفة دقيقة وتفصلية بمكونات الاخرين الدينية والثقافية والاجتماعية، ما يتيح لنا قراءة ما بين السطور، والوصول بالتالي الى استنتاجنا المشترك؛ ان خلفية موقفهما الحقيقية هي طائفية، ولذلك اسباب كثيرة، تم التعرض لها اكثر من مرة في السنوات الماضية من عمر الثورة السورية.

كان موقفي وموقف صديقي، في ذلك الوقت، اننا مع حماه كمدينة سورية، يجري تركيعها من قبل حافظ الاسد، الذي كان يسعى الى تأسيس مملكته الاسدية، ومذبحة حماه هي الطريق الى تكريس “الاسد الى الابد”، وكنا نعرف ذلك بحكم عملنا السياسي، ومتابعتنا لاسلوب الاسد في تمزيق المجتمع السوري الى طوائف وعشائر ومناطق متناحرة، تكون كلها ضد بعضها البعض، ولكي تبقى مرجعيتها الوحيدة هي حافظ الاسد فقط. لم نقرأ أبدا حرب الاسد على مدينة حماه كحرب نظام “تقدمي” على “حزب رجعي”، وانما كنظام مستبد يؤسس لمملكته الخاصة ضد الشعب السوري المناهض لذلك المشروع، وكان هذا ايضا موقف المتعاطفين مع الاخوان المسلمين من السوريين، فهم كانوا ببساطة، في تعاطفهم ذاك يعبرون عن رفضهم لنظام الاسد اكثر من قبولهم لفكر الاخوان المسلمين، واذكر انه كان موقف بعض مسيحيي حمص ايضا.

في مذبحة حماه ١٩٨٢، لم يرسخ الملعون الأول حافظ الأسد احتلاله لسوريا فقط، وانما جعل معارضيه، أو اغلبهم على صورته ومثاله في الطائفية والعنف ضد الآخر المختلف، وهكذا كان صديقي العلوي المعارض للاسد من أوائل ضحايا المعارضة. وها هو الشعب السوري كله يأكل بعضه قبل الخلاص من المستبد الاسدي.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عولمة داعش………….بريشة هاني مظهر

هاني مظهر