الرئيسية / مقالات / د.محمد الصياد يكتب: نحن والإيزيديون

د.محمد الصياد يكتب: نحن والإيزيديون

الرابط المختصر:

د.محمد الصياد

خلال بضعة أيام فقط، استمعت لمقابلتين مختلفتين حول وضع الأقلية الإيزيدية بعد الطوفان الذي اجتاحها من قبل ميليشيات داعش في العراق. كانت الأولى مع صحفية عراقية عربية من سكان الموصل أجرتها معها الصحفية في ال«بي بي سي» جيزيل خوري. أمّا الثانية فكانت أيضاً في ال«بي بي سي» الناطقة بالإنجليزية، وكانت مع بروفيسور في علم النفس مقيم في ألمانيا من المنتمين إلى الأقلية الإيزيدية الكريمة.
في المقابلة الأولى روت الصحفية العراقية، بأدق التفاصيل، مشاهداتها العيانية لجرائم وحشية ارتكبتها ميليشيات «داعش» ضد سكان الموصل» بمن فيهم الأطفال الأبرياء الذين كانت تحتجزهم قوات الحسبة «الداعشية» لأسباب لا علاقة لها بالعقل البشري السوي، مثل الطفل الذي ضبطته وهو يلهو بهاتفه النقال، فكان جزاؤه الذبح والإتيان برأسه المقطوع لوالديه. كما روت الصحفية العراقية بلوعة، وتهدّج صوتي كيف شاهدت فتيات إيزيديات (جميلات كما وصفتهن)، وهنّ يُسقن كالجواري للبيع في السوق.
وفي المقابلة الثانية مع البروفيسور الإيزيدي العراقي، يسرد هذا الشاب، وهو في أواخر الثلاثينات، كيف قام مع الجهة الألمانية التي يعمل لديها، ومع منظمات إغاثة ألمانية بتنظيم رحلات إلى العراق لإنقاذ بعض الأطفال والنساء الذين تقطعت بهم السبل، بعد الأهوال التي لاقوها على أيدي ميليشيات «داعش» عندما اجتاحت بلدة سنجار العراقية الصغيرة الواقعة على بعد 80 كيلومتراً غربي الموصل، بسكانها البالغ عددهم نحو 100 ألف نسمة، أغلبيتهم من الإيزيديين، وأقلية من التركمان والعرب. تعرض الإيزيديون على مر التاريخ إلى 72 حملة إبادة، كانت كافية لدفعهم للانزواء مناطقياً عن العالم المحيط بهم. آخر حملات الإبادة كانت تلك التي تعرضت لها تجمعاتهم السكانية في شمال العراق، وتحديداً في قضاء سنجار في الموصل على أيدي ميليشيات «داعش» الإرهابية.
موقع «العربية نت» نشر مطلع العام الجديد، قصة مرعبة لصبية إيزيدية اسمها لمياء حاجي بشار، لا يتجاوز عمرها الثامنة عشرة، روت فيها مأساتها مع مختطفيها من «الدواعش»، ابتداءً من تعريضها لأقسى صنوف التعذيب، إلى البيع في سوق النخاسة بمبلغ 100 جنيه استرليني، ثم كيف كانت شاهدة في البدء على قتل والدها وإخوتها، ومن بعد، استرقاقها بواسطة القتلة الذين أخذوها لعامين وهي مقيدة، تعرضت خلالها للضرب، والاغتصاب بواسطة مجموعة من الرجال كبار في السن، وروت ما شاهدته بأم عينيها خلال تواجدها في مواقع «داعش» الحدودية بين سوريا والعراق، كيف يباع الأطفال، ويستغلون جنسياً، وكيف ألقيت في غرفة وتناوب على اغتصابها أربعون شخصاً. ولم تنسَ لمياء تذكير العالم بأنه لا يزال هناك نحو 3600 شابة إيزيدية مجهولات المصير لدى «داعش».
المثير أن هذه الصبيّة التي أظهرت شجاعة منقطعة النظير تجاه خاطفيها، لم تتوقف يوماً خلال فترة احتجازها، عن محاولات الفرار من سجانيها «الدواعش»، إلى أن نجحت في آخرها. بل إنها تتعهد بالعمل من دون هوادة من أجل مثول أولئك الوحوش أمام العدالة، على حد قولها.
طبعاً إنه لأمر محزن، ومخجل أن يُحسب هؤلاء الدمويّون علينا، نحن العرب والمسلمين، مع أنهم لا ينتمون في الأصل لعموم الجنس البشري. فهؤلاء مجرمو حرب، كما هو حال مجرمي كل الحروب الذين خرجوا من تحت أنسجة كل المجتمعات عبر التاريخ، التليد والمعاصر.
إنما أعتقد أن علينا مسؤولية وطنية وقومية وأخلاقية تجاه إخوتنا، وأخواتنا الإيزيديين، وتتمثل في وجوب إشعارهم بأكبر قدر من تضامننا الصادق معهم، بكافة أشكاله المادية والمعنوية، كي لا يقال عنا إننا نحن الذين لطالما اشتكينا من ممارسة القوى الكبرى للمعايير المزدوجة في مقاربتها لقضايانا، إذا بنا نمارسها على قسم من أبناء أمتنا، إذ نصمت على استباحتهم في الوقت الذي نرفع فيه أصواتنا احتجاجا على اضطهاد الأقلية المسلمة في ميانمار (بورما سابقاً) من قبل أغلبيتها البوذية.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

رضوان السيد يكتب: الإسقاطات الكبرى في زمن التحولات الكبرى!

رضوان السيد تكاثرت الإسقاطات والسقوطات في سياسات لبنان الداخلية والخارجية، في زمن ...